الصحة تثير الجدل في اشتوكة آيت باها

الصحة تثير الجدل في اشتوكة آيت باها
صور: هسبريس
الأربعاء 24 دجنبر 2025 - 08:26

تشكل المنظومة الصحية بإقليم اشتوكة آيت باها إحدى أبرز القضايا الاجتماعية التي تؤرق ساكنة الإقليم، سواء بالمناطق الجبلية المعزولة أو بالمجالات السهلية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، في ظل تزايد الطلب على الخدمات الصحية مقابل محدودية العرض وضعف البنيات والتجهيزات؛ وهو واقع يفرض نفسه بقوة، ويكشف عن اختلالات بنيوية عميقة، يأتي في مقدمتها الخصاص الحاد في الموارد البشرية الطبية وشبه الطبية، وما يترتب عنه من معاناة يومية للمواطنين في الولوج إلى العلاج والخدمات الاستشفائية الأساسية.

وبين مطالب الفاعلين الجمعويين والحقوقيين بتكريس مبدأ التمييز الإيجابي لفائدة المناطق الهشة وتلك الآهلة بالسكان، وتأكيد الجهات الوصية على ما بُذل من مجهودات واستثمارات في القطاع خلال السنوات الماضية، يثار اليوم نقاش بالإقليم حول نجاعة التدخلات الحالية وقدرتها على الاستجابة الفعلية لحاجيات ساكنة اشتوكة آيت باها؛ وهو نقاش يعيد إلى الواجهة سؤال العدالة المجالية في القطاع الصحي، وضرورة الانتقال من منطق البنيات إلى منطق الموارد البشرية وجودة الخدمات، بما يضمن الحق الدستوري للمواطنين في علاج كريم وفي ظروف تحفظ كرامتهم.

لحسن بنضاوش، فاعل جمعوي وحقوقي، أثار واقع قطاع الصحة في المنطقة الجبلية لإقليم اشتوكة آيت باها.

وأبرز بنضاوش، ضمن تصريح لهسبريس، أن الإشكالية الأعمق ترتبط بالموارد البشرية، الأطباء أساسا، موردا في هذا الصدد أنه “ينبغي التعامل مع هذه المناطق بنوع من التمييز الإيجابي؛ فعلى الرغم من تنامي ظاهرة الهجرة نحو المدن، فالساكنة المستقرة لها الحق في خدمات صحية مستمرة وقريبة، إذ من غير المعقول غياب تام للأطر الطبية بالمراكز الصحية، ونطالب على الأقل بحضور طبيب مرة كل أسبوع أو تناوبه على المراكز الصحية على مستوى كل قيادة كحل مؤقت قد يخفف معاناة الساكنة مع الخدمات الصحية”.

وأوضح الفاعل الحقوقي أن “غياب الأطباء يؤثر على الجانب التعليمي أيضا، إذ يصبح التلاميذ ملزمين بالتنقل إلى المدن القريبة لإجراء الفحوصات اللازمة أو الحصول على شواهد طبية الضرورية لولوج مؤسسات دور الطالبة والطالب. أما الصحة المدرسية فشبه غائبة والحملات الطبية تقلصت بشكل مهول. كما أن تعيين ممرضات وممرضين حديثي العهد بالتخرج يجدون صعوبة في التأقلم مع الظروف التضاريسية للمنطقة. وفي جانب آخر، يواجه السكان مشاكل في الولوج إلى الخدمات الصحية المستعجلة عندما يتعلق الأمر بخارج أوقات العمل الإدارية، خاصة عندما يتعلق الأمر بلسعات العقارب أو ما شابه، فيضطرون إلى إطالة زمن الوصول إلى المؤسسات الصحية بالإقليم مع ما يرافق ذلك من مخاطر قد تنهي حياة الراغب في العلاج قبل الوصول، ناهيك عن مشكل قلة أو غياب كلي للأدوية بهذه المراكز”.

ومن المعاناة الأساسية لساكنة المنطقة الجبلية عموما، قال بنضاوش “إضافة إلى المشاكل سالفة الذكر، يكون بُعد الدواوير والطبيعة التضاريسية عن مراكز الجماعات وعاصمة الإقليم عائقا أمام الوصول إلى العلاجات والفحوصات اللازمة، إذ يضطر هؤلاء إلى تكبد عناء التنقل، فيعتصر المريض مرارة المرض في رحلته الطويلة من أجل نيل جرعات من التداوي أو الاستشفاء. وتزداد المعاناة في صفوف النساء الحوامل لغياب دور الولادة بمراكز الجماعات أو لغياب طبيب متخصص في مركز آيت باها مثلا، فيجبرون على قصد عاصمة الإقليم أو أكادير ضمن مسار طويل قد ينتهي بعواقب وخيمة أو مضاعفات على صحة الأم أو جنينها”.

أما في المنطقة السهلية، التي تشهد ضغطا سكانيا يوازيه ضغط وتحديات في المجالات الاجتماعية، خاصة قطاع الصحة، حيث تتصدر جماعة آيت اعميرة قائمة المناطق الآهلة، فإن الوضع الصحي بها يثير قلقا متزايدا لدى الساكنة، حسب الفاعل المدني حكيم لعنايت.

وأوضح لعنايت، ضمن تصريح لهسبريس، أنه “ورغم هذا الامتداد الديمغرافي الكبير، فإن البنية الصحية المحلية، وعلى رأسها المستوصفات والمراكز الصحية، لا تزال تعاني من خصاص واضح على مستوى الموارد البشرية والتجهيزات الطبية، إضافة إلى محدودية الطاقة الاستيعابية؛ ما ينعكس سلبا على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين”.

وأبرز الفاعل المدني أن هذا الوضع يزداد تعقيدا بفعل “الوضع البيئي المزري الذي تعيشه الجماعة، حيث تساهم الإشكالات المرتبطة بالتلوث وضعف تدبير النفايات وانتشار بعض الأنشطة غير المهيكلة في تفاقم المخاطر الصحية وارتفاع معدلات بعض الأمراض، خاصة تلك المرتبطة بالجهاز التنفسي والأمراض المزمنة؛ ما يفرض مقاربة شمولية تربط بين الصحة والبيئة كمدخل أساسي لتحسين جودة عيش الساكنة”.

أما على مستوى المستشفى الإقليمي، فإن الوضع الحالي “لا يرقى إلى تطلعات وانتظارات المواطنين، إذ يسجل خصاص في عدد الأطباء والتخصصات الطبية وضعف في التجهيزات والخدمات الاستشفائية؛ ما يدفع عددا كبيرا من المرضى إلى التوجه نحو مستشفيات مدينة أكادير، ليصبح المستشفى الإقليمي في كثير من الحالات مجرد محطة عبور بدل أن يكون مؤسسة استشفائية قادرة على الاستجابة الفعلية لحاجيات الإقليم”، وفق رأي الفاعل الجمعوي ذاته.

وانطلاقا من هذا الواقع، طالب المتحدث بـ”تأهيل شامل للمنظومة الصحية بجماعة آيت اعميرة والجماعات الأخرى، وتعزيز المستوصفات بالأطر الطبية والتمريضية والتجهيزات الضرورية، إلى جانب إعادة الاعتبار للمستشفى الإقليمي عبر دعمه بالتخصصات الطبية الأساسية، وتحسين جودة خدماته، بما يضمن الحق الدستوري للمواطن في الولوج إلى علاج كريم وفي ظروف إنسانية تحفظ كرامته وتستجيب لتطلعاته المشروعة”.

وتفاعلا مع الموضوع، توصلت هسبريس بمعطيات لمندوبية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية باشتوكة آيت باها، أفادت بأنه “بذلت، خلال العقدين الماضيين، مجهودات جبارة للنهوض بهذا القطاع؛ فبالإضافة إلى مشاريع القطاع الوصي، تم استثمار مبالغ مالية مهمة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ انطلاق هذا الورش الملكي سنة 2005. كما تم ضخ ما مجموعه 57,87 مليون درهم في إطار برنامج التقليص من الفوارق المجالية والاجتماعية خلال الفترة ما بين 2017 و2023. وقد شملت هذه البرامج بالأساس إحداث البنيات الصحية ودعمها بالتجهيزات الطبية وسيارات الإسعاف والوحدات المتنقلة، كما أن أشغال مشروع إحداث مصلحة للإنعاش وتوسيع مصلحة المستعجلات بالمستشفى الإقليمي يشرف على الانتهاء، وسيحسن بشكل ملموس من الخدمات الطبية المقدمة من طرف هذه المؤسسة”.

وردا على ذلك، اعتبر الفاعل الجمعوي سعيد أيت داود أنه “ورغم هذه الإنجازات والجهود لمختلف المتدخلين في القطاع، فإن الخصاص الكبير الذي راكمه الإقليم في هذا المجال يتطلب مضاعفة الجهود لتأهيل هذا القطاع على مختلف المستويات. ويمكن إجمال الحاجيات الأساسية المستعجلة التي تستلزم برمجتها على المدى القصير في إحداث مستشفى إقليمي جديد، بفعل تجاوز إمكانيات المستشفى الحالي ومستشفى للقرب بآيت عميرة ومركز لتصفية الدم بآيت باها فضلا عن استكمال تأهيل المؤسسات الحالية بما فيها المستشفى الإقليمي ومستعجلات القرب بآيت باها، وتسريع وتيرة إنجاز برنامج تأهيل المراكز الصحية والمستوصفات”.

على مستوى الموارد البشرية، سجل المتحدث أن “التأطير يبقى ضعيفا جدا بالمقارنة مع المعدل الجهوي والوطني؛ فبالنظر لعدد سكان الإقليم الذي يناهز نصف مليون نسمة، والذي يتركز أساسا في المنطقة السهلية الشمالية، فإن الأطر الطبية وشبه الطبية تبقى غير كافية بالمرة، فعلى سبيل المثال في جماعة مثل آيت عميرة التي يفوق سكانها 113.000 نسمة لا يوجد أي طبيب، وفي المستشفى الإقليمي ببيوكرى هناك خصاص يبلغ 21 طبيبا؛ منهم 4 في الطب العام، و20 في مختلف التخصصات. لذا، فالمطلوب في هذا الصدد دعم الموارد البشرية بشكل ملموس، والتفكير في آليات مبتكرة كفيلة بالرفع من نسبة التأطير في المؤسسات الصحية الحالية أولا، ثم إعداد الأطر اللازمة للبنيات المزمع إحداثها”.

وختاما، فإن تشخيص واقع قطاع الصحة بإقليم اشتوكة آيت باها يبين بجلاء تربع الضعف المهول في الموارد البشرية ضمن قائمة مشاكل القطاع؛ وهو نقص يحول دون أية إمكانية لتطوير العرض الصحي كما وكيفا وتقريب الخدمات الاستشفائية من المواطنين.. والمأمول، وفق عدد من متتبعي الشأن المحلي، هو أن تكون الهيكلة الجديدة التي سيعرفها القطاع بإنشاء المجموعات الصحية الترابية على مستوى مختلف جهات المملكة إطارا مناسبا لمعالجة هذه الإكراهات وترقية المنظومة الصحية إلى مستوى تطلعات المواطنين، طبقا لتوجيهات الملك محمد السادس في هذا الصدد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • AMAZIGH
    الأربعاء 24 دجنبر 2025 - 09:31

    على غرار استقدام المحكمة الابتدائية لمدينة بيوكرى و مصلحة CNSS رغم انها لا تلبي طلب الكم الهائل من مستخدمي الجهة، على وزارة الصحة ان تبني مركزا استشفاشيا يليق بساكنة المنطقة و حجم سكانها الهائل.

  • علي
    الأربعاء 24 دجنبر 2025 - 09:33

    كنت في مستشفى بيوكرى ذات مرة و خلاصة الأمر ان ذلك المكان لا يتوفر حتى على ابسط الخدمات الصحية. مستشفى كأنه علبة فارغة و هذا ليس غريب لانه معظم المستشفيات هذا هو حالها.

  • موران بيهي
    الأربعاء 24 دجنبر 2025 - 09:35

    كم مرة يمكن التاكيد على ان الصحة العمومية لم تعد موجودة في مختلف مناطق البلد وان الحكومة عملت على انهاء خدمات القطاع ولم تعد تستجيب لادنى المعايير والشروط المطلوبة دوليا !! التعليم والصحة والدعم انتهوا بسبب الغرق في دوامة القروض واملاءات الابناك الدولية !
    الواقع يؤكد هذا المعطى مع الاسف هذا الوقت ما بقي غير قطاع التبويق الكروي لا غير هو الذي ياخد كامل الاهتمام وما غير ذلك فراغ مهول وتراجع واضح

  • علاش زعما احنا حياتنا كلها معاناة ؟؟
    الأربعاء 24 دجنبر 2025 - 09:52

    من 1956 و مازال ماقدرناش نلقاو الحل لقطاع الصحة ؟؟ دولة يعاني شعبها في كل المستشفيات العمومية المغربية و فين هو الخلل واش هادشي بالعاني ؟؟ 70 سنة ديال الاستقلال و مازال لا مستشفيات لا أطباء لا سيارات الإسعاف و لا معدات طبية ؟؟

  • f.h
    الأربعاء 24 دجنبر 2025 - 10:37

    يجب تفعيل دور المراكز الصحية الجماعية بالاقليم خصوصا بالدائرة الجبلية لاقليم اشتوكة ايت باها التي تعاني من وعورة التضاريس وعزلة السكان وتشتت الدواوير وذلك باحداث طبيب على صعيد كل قيادة وممرضين على صعيد الجماعات التابعة لهذه القيادة .

  • AMAZIGH
    الأربعاء 24 دجنبر 2025 - 11:17

    منذ كرونا تبث ان الحل الوحيد للمنضومة الصحية هو تسليمها لوزارة الدفاع حتى تاخد السكة الصحيحة، لان كرونا اتبثت مهنية الاطباء و الممرضين المنتمين لقطاع الجيش، هذا لا يعني عسكرة الصحة بقدر ما هو خلق جهاز منضبط و مهني و رزين يقوم فيه المنتمي اليه بعمله على احسن وجهم وبعدها تنسحب الاجهزة العسكرية بعد ان توصل المنضومة الاى ير لامان.
    الكل شاهد و يشهاد مهنية قطاع الصحة العسكرية و تدخلاته في المناطق النائية و المنكوبة.

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 28

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء

صوت وصورة
ملتقى أولماس
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 19:04

ملتقى أولماس

صوت وصورة
أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 18:44

أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو