"المصوّرة" ونزوة "إحدى عشرة دقيقة".. الحب ضحية الطموح الجارف

"المصوّرة" ونزوة "إحدى عشرة دقيقة".. الحب ضحية الطموح الجارف
صورة : مواقع التواصل الاجتماعي
الإثنين 1 فبراير 2021 - 07:00

قال لها: عشاء لذيذ.

أجابته: لا أريد أن يكون كل مُنجَزي في الحياة هو تحضير العشاء. (فيلم “المصورة” 2020 إخراج ستيلا ماغي 1980).

هذا هو المطلوب من النساء في مجتمع بطرياركي، بينما تريد الشابة كريستينا إيميس (أداء شانت آدامز 1994) التحرر من هذا، لذلك هجرت حبيبها الريفي ورحلت للمدينة الكبيرة، هناك ناضلت لتحقيق حلمها…صُدمت من رد فعل حبيبها، تحمّلت وتابعت المغامرة في مدينة كوسموبوليتية متحررة.

هناك في المدينة الكبيرة عشّ العلاقات العابرة. كيف هي العلاقة بين رجل وامرأة التقيا توا؟.

بعد تفريغ النزوة نرى غريبين في سرير واحد، رأسا لرأس..تتلصص الشابة على الرجل نائما كأنه هبط من الفضاء.

تظهر دقة المشهد وغرابة إضاءته أن من كتبه عاشه.

في المدينة العمل والاستقلال الاقتصادي مخطط له على مدى طويل، بينما العلاقات العاطفية “ابنة ساعتها”، ينطبقُ عليها قول ابن حزم في طوق الحمامة “أسرع الأشياء نموا أسرعها فناء!”.

نزوة عمرها “إحدى عشرة دقيقة”، علاقة تُشبه لحظة التقاط صورة، تسمع صوتا وتطلق برقا ثم تهمد.

لقد تمكنت المخرجة ستيلا ماغي من أن تجعلنا نرى هذا المأزق الذي يصيرُ فيه الحب ضحية للطموح الجارف. مع ذلك تُصوّر المخرجة شخصياتها قريبة من الكاميرا، تلتقطها بحب ولا تُدينها…يساعد الجانب الدلالي للتقطيع في بناء المعنى. الكاميرا الفوتوغرافية سابقة للكاميرا السينماتوغرافية ومؤسّسة لجمالياتها. إن التأطير لغة بصرية، وينتظر أن تعرض للعين فكرة المشهد مجسمة.

يعرض الفيلم صورا تبني السيرة الشخصية للمصورة، فيه صور ورقية بالأبيض والأسود؛ وقد هيمن عليه لون بني رمادي يُقرّبه من الصورة الفوتوغرافية.

بعد نصف ساعة من المشاهدة خمنتُ أن هذا فيلم أخرجته امرأة تعرف صعوبات بناء علاقة حميمة في ظل السرعة التي يعرفها إيقاع العلاقات الاجتماعية في المدن، حيث العمل أهم من الحب.

يعرض الفيلم مأزق الفرد بين تحقيق طموحه وعيش حياة طبيعية يتهددها الروتين. تمكن الصّورُ القويةُ المشاهدَ من بناء علاقة حسية مع ما يشاهده. يتضح أن بناء علاقة حميمية حقيقية بين شخصين يحتاج زمنا، والزمن سلعة نادرة، لذلك فالحميمية السطحية التي تتشكل في المساء تتبدد في الصباح؛ ثم تعاد الكرّة في نهاية الأسبوع الموالي.

هذا فيلم لا يطرح قضية كبرى تصلح للتنظير، بل يتناول العالم الداخلي الحميمي للفرد في مجتمع مفتوح لا رقيب ولا واشي فيه. فيلم عن الزمن الرومانسي المسروق من زمن العمل والجري الدائم في المدينة المتاهة. وعلى هذا المستوى تشبه عوالم المخرجة عوالم الروائية الأمريكية توني موريسون في روايتها “أكثر العيون زرقة”، خاصة على مستوى ملاحظة التفاصيل الحميمية التي يصعب على الرجال الانتباه إليها في ظل هوسهم بالعالم الخارجي.

يعرض الفيلم اختلاف مكانيْن، نيويورك ونيو أورليونز، مركز وهامش، هذا هو الكادر الذي وضعته المخرجة لعرض حكايتها بصريا، ومع ذلك يبدو أن الغيتو يمتد في المكانين، فللبطلة صديقة سمراء وصديق أسود وجيران سود… يتحركون في فضاء

اجتماعي لا يظهر فيه إلا السود، وهذا أيضا يذكر بروايات موريسون.

أية شجاعة أن تنتج إينفرسال فيلما كهذا، دون مطاردات ورصاص ودم؟.

نعود للسؤال الرئيسي: وماذا غدا صباحا؟ ماذا بعد نزوة؟

إلى مقر العمل سرِ.

في انتظار فرصة تسلية وحب وأمسية جديدة. وغالبا حتى نهاية الأسبوع بعد ساعات طويلة في مقر العمل، تحين لحظة التخلص من الاحتجاز والضغط حين يغادر الموظف المقر الزجاجي الخانق ويدخلُ مقهى أو سينما أو معرض… يبحث عن ونيس.

في بداية اللقاء يعلن كل فرد قناص أنه انفصل عن حبيبه السابق. وهكذا يفتح الباب على المستقبل…مع امرأة استثنائية، امرأة اللحظة الأخيرة التي حلم بها.

حين تكون هناك عاصفة شديدة وبرد قارس يستحسن ألا يكون الفرد وحده في بيته، يخلو بنفسه ويسترجع شريط حياته ويقلق… لذلك يحتاج حبيبا.

بعدها يبدأ الامتحان: ماذا بعد تفريغ النزوة؟.

تبدأ محاولات التعارف شرط إظهار الجدية والاهتمام، وهذا صعب لأنه يتطلب زمنا، بينما كل الاهتمام والزمن مخصص للعمل، ولا يبقى إلا زمن مسروق للرومانسية. أحيانا قد تنجح المحاولة، حينها يدعمها مشترك بين الأصدقاء مثل حب الفن، حب التصوير والأفلام.

يفترضُ في الفن، في الحكايات، أن تصحح فوضى حياتنا. توفر السينما للأزواج مشتركا للحديث عنه في ساعات البيت الطويلة. تقول إحدى شخصيات الفيلم:

“لوْلا بث الأفلام على المنصات لصار الطلاق وشيكا”.

حلتْ فرجةُ السينما على المنصات محلّ تسلية لعب الورق بين الأزواج.

يُنقذ الفن البشر من الضجر الماحق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • مغربي
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 07:26

    من أجمل ما قرأت هذا الصباح ✌️✌️ شكراً لك يا عزيز..
    لولا الفن والتكنولوجيا لكُنا في عداد المفقودين داخل متاهة عميقة تسمى التخلف.

  • ابوبكر
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 08:54

    فيلم كما يظهر من غلافه عبارة عن مقتطفات بورنوغرافية لا اقل و لا اكتر.
    يمكن التطرق إلى هده المشاكل من زاوية أخرى.

    حتى الأوروبيين الدين اعيش معهم يتفقون معي في وصف هده الافلام .

  • حمزة
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 09:13

    من يظن نفسه منفتحا ومتحررا سيصف الفيلم بالقصة الرائعة بينما هو فيلم بورنوغرافي ومل من يصفق لمثل هذه الأفلام فالطبيعة الحيوانية تغلب على صفته الآدمية

  • عاشق الفتن السابع
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 09:24

    الحب مهم يا اخواني اخواتاتي و حياة السود حتى هي و بلا حب يا اخواني اخواتاتي الحياة شويا فشي شكل ناقصة شويا و السي محمد بنعزيز حصل ليا الشرف قريت ليه و فهامني مزيان مقاصد الفيلم و شكرا اخواني اخواتاتي احبكم

  • ايت واعش
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 09:36

    شكرا لهذا التحليل الفني المميز….دمت متألقا……… صباح الخير

  • abdou
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 10:40

    هذه قصة منفتحة مثيرة ومشوقة لكنها غربية والتقاليد الغربية وليست للمشارق فهي دخيلة عليهم. إن تحدتت الحكاية عن نزوة عابرة فهي كذلك بين إثنين صدفتهم اللحضة و تفرقا هذا في الثقافة الغربية أما الشرق فهو عكس تماما تبقى الألفة والعشق أبدين ولو دخل بينهما الملل والضجر. فعلى العموم فتقدير للمجهود.

  • جواد
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 11:00

    لي فينا يكفينا ماتكملوش علينا
    ماحيلت ولادنا وبناتنا للافلام التركية وزيد كمل علينا ا سعادة الكاتب. هذا هو الفن الذي يسمو بالروح ؟

  • koca-kola jaillit de la tête
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 11:04

    لا شيي سوى تكرار الصورة النمطية عن الحياة والوجود وإعادة نفس القالب في صيغ متنوعة ، تلك الصيغ التي وضعها الانسان الغربي الاستعماري وموقع من داخلها الانسان الافريقي والعربي على العموم بحيث لا يمكن ان يرى وجوده الا من خلال نافدة البابوشة الاستعمارية . كأن النساء في الغرب لا يحضرن الفطور والعگبية معا وحتى فراش المبيت ولو كان الاخر من عمق أدغال ZAMBALALA .

  • عبد الرحيم بولقطاب
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 11:37

    يا عباد الله اتقوا الله في أبنائكم ألاترون أن هؤلاء القوم يتربصون بنا لكي يبعدونا عن ديننا الذي هو عصمة أمرنا إنهم غرقى ويبحثون عن من يغرق معهم .الحذر ثم الحذر الجيل الصاعد هو الهدف لذلك علينا أن نؤدي الأمانة وأن نمرر لأبنائنا كل مايتعلق بديننا الحنيف من أخلاق وعبادات ومعاملات ولن يتحقق هذا إلا بالصبر والتضحية وعلينا أن نوازن بين السعي في الدنيا والأخرة .أن الواقع المر يفرض نفسه فيه تيارات جارفة وخطيرة وعلينا أن نفرض أنفسنا كذلك في بيوتنا وان نراقب أبناءنا .أن أقول لا باس في أن يجلس المرء في المقهى مع اصدقاءه ويشاهد مبارة كرة القدم ولكن يجب ان نخصص النصيب الأكبر من الوقت للبيت لأ خيركم خيركم لأهله كما قال الرسول ص

  • غاضب من البعض
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 13:32

    المقال ممتاز و الفيلم يبدو من خلال المقتطف رائعا. على أي سأحاول أن أنسى ما جاء في المقال ثم أشاهد الفيلم لتجنب الأفكار المسبقة ما أمكن أما بخصوص أعداء الفن على شاكلة بعض المعلقين هنا لا أحد أجبركم على مشاهدة هذا لفيلم و لا على مشاهدة المقتطف وفروا معاييركم لأنفسكم جزاكم الله خيراً كونوا في مستوى النقاش أو اتركوا الفنانين الأحرار يبدعون بسلام و شكراً

  • الحسين
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 13:45

    يقول الله تعالى ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة .
    فقط ان تحب ان.تشيع الفاحشة بين المسلمين فقد ارتكبت اثما كبيرا. والله المستعان.

  • نورالدين المعتدل
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 22:44

    صدق أو لا تصدق قد يكون الحب من جانب واحد ولا يمكن أبدا أن يكون من الطرفين باستثناء المحبة الفطرية ولا أقول الحب. ولا أقول المحبة ،الحب هو نزوة عابرة مثلها كمثل السحابة العابرة في السماء،إلا أن المحبة شعور فطري وجداني .فلنصفق إذن للمحبة ولا للحب.

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28 5

محطة عشوائية في حديقة بسلا

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 7

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء