مع بداية الولاية الحكومية والتشريعية الجديدة، لم تتأخر التفاعلات بين الأغلبية والمعارضة في الظهور؛ إذ برزت ملامحها منذ أولى المناسبات التي جمعت مكونات الطرفين، في سياق سياسي ومؤسساتي جديد تتشكل فيه توازنات المرحلة المقبلة، وتبرز معه مؤشرات أولية بشأن العلاقة التي ستطبع عملهما داخل البرلمان.
وتطرح هذه التفاعلات تساؤلات حول المسار الذي ستأخذه العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، ومدى قدرتها على إرساء ممارسة برلمانية تقوم على التنافس السياسي المسؤول والرقابة المؤسساتية وتقديم البدائل، بعيدا عن منطق الغلبة والمواجهة الحزبية، بما يجعل الاختلاف السياسي رافعة لأداء المؤسسة التشريعية والاضطلاع بأدوارها الدستورية.
تنافس مسؤول
مصطفى صغيري، دكتور في القانون العام والعلوم السياسية باحث في الحكامة والسياسات العمومية وقضايا الشباب والاقتصاد الجديد والتنمية، قال إن “التفاعلات الأولى بين الأغلبية والمعارضة تعكس بداية تشكل توازنات سياسية ومؤسساتية جديدة، ومن الطبيعي أن يصاحبها قدر من الحدة في النقاش وتباين المواقف”.
وأضاف صغيري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون هو منطق الغلبة والمواجهة الحزبية، وإنما ترسيخ ممارسة برلمانية قائمة على التنافس السياسي المسؤول، والرقابة المؤسساتية، وتقديم البدائل”.
وأكد الدكتور في القانون العام والعلوم السياسية أن “الأغلبية مطالبة بالدفاع عن برنامجها الحكومي، دون أن تجعل من أغلبيتها العددية أداة لإقصاء الرأي المخالف، والمعارضة مطالبة بممارسة رقابة نقدية بناءة، تتجاوز مجرد الاعتراض إلى اقتراح الحلول والبدائل”.
وقال مصطفى صغيري: “في تقديري، قوة البرلمان لا تقاس بحدة المواجهة بين مكوناته، بل بقدرته على تحويل الاختلاف السياسي إلى قيمة مضافة للتشريع والحكامة وجودة السياسات العمومية وتكريس النجاعة المنتظرة”.
وختم الباحث في الحكامة والسياسات العمومية وقضايا الشباب والاقتصاد الجديد والتنمية تصريحه بالتأكيد على أن “المطلوب ليس انتصار الأغلبية على المعارضة أو العكس، بل انتصار المؤسسة التشريعية في أداء أدوارها الدستورية وخدمة انتظارات المواطنين”.
مساءلة بناءة
محمد شهبي، باحث في العلوم السياسية والحكامة الترابية، اعتبر أن “التفاعلات الأولى بين الأغلبية والمعارضة تمثل لحظة لإعادة ترتيب المواقع واختبار موازين العلاقة داخل المؤسسة التشريعية”، موضحا أن “الأغلبية تسعى إلى تثبيت شرعيتها السياسية والدفاع عن برنامج الحكومة، بينما تحاول المعارضة تأكيد حضورها وقدرتها على المساءلة منذ البداية”.
وأضاف شهبي، في تصريح لهسبريس، أن “هناك تداخلا لمؤشرات الحيوية السياسية مع مخاطر الانزلاق إلى التراشق وتبادل الاتهامات. لذلك، لا ينبغي اعتبار حدة النقاش دليلا كافيا على تطور الممارسة البرلمانية، ولا الحكم عليها تلقائيا باعتبارها تعطيلا للمؤسسة”.
وقال: “إن المعيار الحقيقي هو مضمون هذا التنافس: هل ينصب على واقعية الالتزامات الحكومية وكلفة تنفيذها وآثارها الاجتماعية والمجالية أم ينصرف إلى الأشخاص وتصفية الحسابات؟ بهذا المعنى، يمكن أن تكون المواجهة مدخلا لاستعادة السياسة داخل البرلمان، شريطة أن تنتج نقاشا حول الاختيارات والبدائل، لا مجرد تنازع على احتلال الواجهة الإعلامية”.
من ناحية أخرى، لفت الباحث في العلوم السياسية إلى أن “ترجيح اتجاه الرقابة المؤسساتية أو منطق الحسابات الحزبية ما يزال مبكرا؛ إذ سيتضح ذلك عند الانتقال من سجال الانطلاقة إلى مناقشة النصوص والاعتمادات المالية وتتبع تنفيذ التعهدات. والاختبار، في تقديري، مزدوج، من خلال تعامل الأغلبية مع المعارضة بوصفها طرفا مشروعا في المساءلة، لا مصدرا للإزعاج، مع عدم اختزال دعم الحكومة في التصويت والدفاع غير المشروط”.
وفي المقابل، شدد محمد شهبي على “ضرورة تحويل المعارضة انتقاداتها إلى أسئلة دقيقة وتعديلات وبدائل قابلة للنقاش، بدل الاكتفاء بالرفض”، مسجّلا أن “التغطيات الصحفية أبرزت أهمية المناقشة المالية المقبلة في كشف المسافة بين الوعود وإمكانات التنفيذ. ولذلك، لن يُقاس نجاح هذه البداية بارتفاع نبرة الخطاب، وإنما بقدرة البرلمان على تحويل الخلاف السياسي إلى تشريع أفضل، ورقابة أكثر جدية، ومساءلة تجعل أولويات المواطنين أساسا للتنافس، لا مجرد عنوان له”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.