شذرات من الوجود اليهودي بامزاب الشاوية

شذرات من الوجود اليهودي بامزاب الشاوية
السبت 3 شتنبر 2022 - 22:40

1

تشير بعض الروايات التاريخية إلى وجود تجمع سكاني سابقا للطائفة اليهودية بمنطقة امزاب بالشاوية منذ عهود قديمة، ترجع إلى زمن تامسنا، إلا أن أفراد هذه الطائفة غادروا المكان واختفوا من هناك مع مرور الأيام. وقد قُتل بعضهم في ظروف الفوضى والمواجهات بين بعض القبائل، ومنهم من غادر إلى جهات أخرى، توفر لهم الأمان والاستقرار.

وخلال القرن التاسع عشر، حينما أنشئت بعض القصبات، كقصبة ولد التوزر؛ القصبة الخمليشية؛ قصبة المكي بن جعفر؛ قصيبة شرقاوة ببني يمان الشمالية؛ قصبة ابن أحمد وغيرها… توافد عليها بعض أعضاء الطائفة، وشكلوا “ملاحات” صغيرة، مكونة في غالبيتها من النوايل بجوار القصبات المحدثة. قاطنو هذه النوايل كانوا في حماية قواد القصبات، وكانوا يؤدون خدمات، ويحترفون مهنا كالصناعة التقليدية اليدوية، والتجارة والقروض، وكل ما يمكن أن تحتاجه حاشية القائد ومحيطه. لكن هذه الملاحات انمحت من الوجود، بوفاة أو اعتقال القواد الذين كانوا يوفرون لهم الحماية. إلا أنه في عهد القائد العربي بن الشرقي الذي تولى القيادة ما بين 1897 و1909، خلال ازدهار قصبة ابن أحمد، أقيم بجوارها ملاح، اجتمع فيه كل اليهود الذين كانوا منتشرين بالمنطقة. ومرة أخرى تم تشتيت سكان الملاح في العهد الذي اندلعت فيه الفوضى بين القبائل بداية القرن العشرين، ففر أغلبهم إلى المدن وخاصة الدار البيضاء، وآخرون وضعوا تحت حماية شخصيات مسلمة ذات نفوذ بالمنطقة.

وحسب جيل إيركمان، كان أفراد الطائفة اليهودية بالمغرب قبل دخول الاحتلال، يعيشون في ما بينهم اختلاطا منقطع النظير. فالعائلات تفضل الاحتكاك ببعضها في جوار متقارب. الرجال يغطون رؤوسهم بالشاشية، وغالبا ما تكون ذات لون أسود، وينتعلون “البلاغي” السوداء، أما النساء فلباسهن لا يختلف عن نظيراتهن المسلمات. وفي فترة ما، كان يمنع عليهم ركوب الخيول، بينما كانوا يستعملون في تنقلاتهم البغال والحمير.

2

وتجدر الإشارة إلى ما نشره الجنرال داماد في تقريره عن احتلال الشاوية، عند عودته من مطاردة مقاومي قبيلة لعشاش، يوم 24 أبريل 1908، يدل على وجود اليهود قبل دخول الفرنسيين إلى امزاب، حيث كتب: “عند وصولنا إلى مرتفع دار القائد الشرقي بلحاج، طلب منا جماعة من اليهود السير تحت حماية قواتنا، كانوا حوالي خمسين، منهم رجال ونساء وأطفال. كان نزوحا جماعيا شبيها بذلك الذي حدث يوم 6 فبراير بسطات. كانوا يرتجفون تحت المطر الغزير، حيث حرموا من كل الموارد، وبالكاد يرتدون ملابسهم. أمرنا بوضع النساء والأطفال الصغار في عربات الإسعاف. وعلى بعد كيلومترات قليلة من قصبة ابن أحمد، طلبوا مغادرتنا حيث التقطهم إخوانهم الذين يسكنون بدوار مجاور، واستضافوهم هناك”.

مع دخول الاحتلال الفرنسي، عاد أفراد العديد من العائلات اليهودية إلى الاستقرار بالمنطقة. بعضهم استقر ” بكَطع العروي” شرق قصبة ابن أحمد، فوق أرض كانت في ملكية أحد أعيان أولاد بن اعريف، وقدر عددهم بحوالي خمسين عائلة. بينما آخرون سكنوا جوار قصبة بن أحمد، وكانوا في البداية حوالي خمسة وعشرين عائلة، بعد أن كانوا يقيمون بملاح بقرية ميلس. وبانتقال أغلب يهود ميلس إلى قصبة ابن أحمد، استقروا في تجمع سكاني، جوار وادي بوريان، وساهموا إلى حد ما في تطوير وتنشيط الحياة الاقتصادية للنواة الحضرية المحدثة خاصة والمنطقة عامة، وذلك من خلال ولوجهم إلى الأسواق الأسبوعية، وامتهانهم للحرف اليدوية التي كانوا يتقنونها، كصناعة وإصلاح الأحذية، والخياطة بالنسبة للنساء، وإصلاح الأواني المعدنية، والنجارة وصناعة الأفرشة، وصياغة الفضة والذهب. كما كان أثرياؤهم يتاجرون في الحبوب والصوف والجلود والمواد الغذائية، ويقومون بإقراض الفلاحين، ومشاركتهم في تمويل مشاريعهم الزراعية. ولا أحد من هذه العائلات يمكن معرفة انتساب أصوله التاريخية إلى المنطقة، التي قطنوها خلال عهد تامسنا، إذ قدموا من جهات مختلفة، حيث نجد عائلات من الأطلس الكبير، ومن مراكش والسراغنة وسوس والرباط والدار البيضاء.

3

آثار اليهود بمنطقة امزاب

تتوفر الطائفة اليهودية على ضريح بمنطقة امزاب، على بعد حوالي عشرة كيلومترات شمال شرق ابن أحمد، على طريق الدار البيضاء-خريبكَة، يدعى “رابي يحيا لخضر”. يرجع وجود هذا الضريح، حسب اعتقادهم، إلى فترة ازدهار تامسنا، لكونه يقع قريبا من موقع أثري توجد به بقايا آثار عاصمة الإمارة البورغواطية (التي استمرت من 744 إلى 1058م.). ويدعي بعضهم أنه قدم من منطقة “يهودا” العبرانية القديمة، شرق البحر الأبيض المتوسط، قبل الميلاد، بصفته “حاخام” لنشر تعاليم الديانة اليهودية في أوساط العبرانيين الذين كانوا يقطنون المنطقة. كما يدعي بعضهم أنه أقام كنيسا للعبادة في المكان الذي يتواجد به ضريحه. ومع ذلك فإن تاريخ وجوده في ذات المكان، وأسباب حضوره غير معروفة بما فيه الكفاية، ما عدا الروايات المتداولة والمنقولة عبر الأجيال، سواء من أتباعه من اليهود، أو من سكان المنطقة المجاورة المسلمين. ويضفي اليهود على صاحب الضريح كرامات وخوارق للتدليل على قداسته، منها كونه احتمى بالصخرتين اللتين تحيطان بالضريح الحالي حين تعرضه لهجوم جماعة من المسلمين، كاد يودي بحياته. ومن ثمة سمي المكان بـ”الحجرات”. ويقام به موسم “الهيلولة” ابتداء من اليوم الثالث والثلاثين بعد عيد الفصح العبري. ولا يزال يشكل إلى اليوم مزارا مهما، يتوافد عليه العديد من أفراد الطائفة اليهودية من داخل المغرب وخارجه، وهم اليهود من أصل مغربي. وقد ازدادت شهرته خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث عرف رواجا متصاعدا بإقبال اليهود المغاربة من خارج أرض الوطن، سواء من إسرائيل، أو من أمريكا وأوروبا، بالتوافد عليه، تزامنا مع ربط العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، والترخيص للإسرائيليين بالزيارة، أو باستغلال السياسيين من الدولة العبرية من أصل مغربي للمراهنة على أصوات الناخبين في إسرائيل، بالإضافة إلى اعتماد الماركوتينغ السياسي الذي استطاع إدخال الضريح إلى محفل دورة الزوار السياحية. يقام الاحتفال بالضريح لمدة ثلاثة أيام تتخلله طقوس دينية وأنشطة ترفيهية. وقد حضرته خلال دوراته شخصيات فنية ذات شهرة وطنية ودولية، أمثال كوهين بينحاس، ومارسيل بوطبول، وألبير سويسا، كما تعود على الحضور من لوس أنجلس الأخوان صامويل ودافيد ويزمان ذوا الشهرة العالمية في مجال الموسيقى. بالإضافة إلى شخصيات سياسية ودينية.

وكانت للطائفة اليهودية عدة مقابر، منها اثنتان بابن أحمد، وواحدة في أولاد بن اعريف قرب مركز سيدي الذهبي. وقد تم نقل أغلب الجثامين من طرف ذويهم، ولم يتبق بهما سوى بعض آثار القبور.

4

شهادات بعض قدماء الساكنة

لأخذ فكرة عن الوجود اليهودي وعلاقته بالمسلمين استقينا بعض شهادات قدماء ساكنة المنطقة. وهكذا تتذكر السيدة خدوج الشافعي، وهي من مواليد 1935 توفيت سنة 2018، “كان الحي اليهودي يوجد بمحاذاة وادي بوريان جنوب حي القصبة، والذي يكون حاليا جزءا من حي مولاي يوسف (جوزيف سابقا لأن الأرض التي أقيم عليها كانت ضيعة في ملكية فرنسي يدعى لوسو جوزيف وتمتد إلى عين الضربان ومقبرة بويا الجيلالي)، ودرب غويدة حيث الأرض في ملكية يهودي يحمل الاسم نفسه كان تاجرا في الحبوب. وكان أفراد الطائفة اليهودية يمارسون الحرف اليدوية المتنوعة كإصلاح الأحذية وصناعتها بطرق تقليدية وإصلاح الأواني المعدنية المنزلية وصياغة الفضة والذهب بالنسبة للرجال. أما النساء فكن يتقن خياطة الملابس والطرز. وهذه المهن كانت تدر عليهم دخلا محترما يستطيعون بواسطته مواجهة تكاليف المعيشة، حيث كانوا يتدبرون ظروفهم في أحسن حال مما كان عليه أغلب السكان المسلمين؛ إذ كانوا يحضرون أطباقا شهية ودسمة مثل “السخينة” يوم السبت و”الرقاق” والحلويات اللذيذة، وقد يقتسمون مع جيرانهم المسلمين ما يقومون بتحضيره، في إطار متبادل بحسب المناسبات والأعياد”.

أما امحمد فقير، من مواليد 1922، توفي سنة 2015، حيث عايش وجود اليهود بمدينة ابن أحمد، فيشير في شهادته إلى أن “الحي اليهودي كان يحيط به سور وتوجد داخله محلات سكنية بسيطة تتكون في غالبيتها من النوايل حتى نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين. ومن الجهة الشرقية أقيمت دار للعبادة وممارسة طقوس الطائفة اليهودية. وعند مغادرتهم المدينة بداية ستينيات القرن الماضي، اشتراها شخص اسمه ولد أمهايمر، أصله من دكالة، وأقيمت مكانها عمارة في طابقها السفلي توجد صيدلية حاليا. وكان أغلب سكان الحي اليهودي في وضع مادي متواضع، ويحترفون مهنا يدوية، والبعض القليل منهم أصبح ثريا مثل الأخوين يعقوب ومسعود بلمير، اللذان كانا يتاجران في الحبوب بالمكان الذي أقيمت به عمارة العباسي ومقر البنك الشعبي. ومنهم من كان يبيع المواد الغذائية بالجملة. أما يهود الملاح، سيدي الذهبي حاليا، فكانوا في البداية يسكنون “النوايل” قبل أن يقوموا ببناء المنازل. ومن حيث الهندام كان أغلب اليهود، وبالخصوص كبار السن، يلبسون ثيابا قصيرة كالجلابية ولكنها تختلف عن لباس المسلمين مع الشاشية السوداء كغطاء للرأس، وبالنسبة للأحذية كانوا يلبسون “صندالة” من صنع يدوي من الجلد أو الدوم.

ويذهب الجيلالي مجدي، من مواليد 1930 بأولاد بن اعريف، من خلال شهادته إلى أن التجمع السكاني المسمى آنذاك الملاح بمركز سيدي الذهبي حاليا، سكنته مجموعة من الأسر تنتمي إلى الديانة اليهودية تتكون من حوالي 150 فردا. ويضيف “كان ينعقد بالمركز سوق أسبوعي يوم السبت، ويجد هذا السوق إقبالا كبيرا، حيث تعرض به السلع المحلية من الخضر والبيض والدواجن والحبوب من طرف التجار اليهود والمسلمين على السواء، ويقبل على اقتنائها أفراد الطائفة من سكان الملاح والزوار القادمين من مختلف المدن، وخاصة من الدار البيضاء، حيث تعرف البلدة انتعاشا اقتصاديا في ذلك اليوم. وقد سبق أن اقترح مركز الملاح لانعقاد السوق الأسبوعي يوم الأحد، عند محاولة تغيير مكان سوق أحد لحلاف، لإقامته على الطريق الرئيسية الرابطة بين الدار البيضاء وبني ملال، إلا أنه وبحسب الروايات، فقد اختير المكان بقبيلة لولاد، ليصبح ثلاثاء لولاد، في المكان الذي أقام به المعمر الفرنسي “فيني” Venet تجارته المتكونة من مطعم وحانة وفندق قروي وطاحونة وبعض المرافق الترفيهية التي كان يجتمع بها الأوربيون المعمرون والوافدون من عدة جهات. كان ذلك تلبية من السلطات الفرنسية لرغبة هذا المعمر ليستفيد من الرواج التجاري للسوق، وذلك منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي”.

وحسب هذا الشاهد، كانت العلاقة بين المسلمين واليهود تقوم على الاحترام، وتتمثل في التبادل التجاري ومشاركة الفلاحين في تمويل أنشطتهم الزراعية، من حيث توفير القروض والمساهمة في التنمية. وكانوا يمتازون بالصدق والإخلاص في معاملاتهم. ويضيف أن من بين أفراد الطائفة اليهودية الذين كانت لهم شهرة في الملاح يمكن الإشارة إلى: الإخوة شلومو: كانوا يتاجرون في الأثواب والملابس ويتنقلون إلى الأسواق الأسبوعية بالمنطقة. وأبناء يحيى والليمو: يتاجرون بالجملة في سلع متنوعة بحسب الفصول والمناسبات. وأولاد اغويدة يتاجرون في المنتوجات الفلاحية.

ويذكر مصطفى بنداود، قائد سابق بوزارة الداخلية، يعود أصله إلى المنطقة، مزداد سنة 1930، وتوفي سنة 2017، بأن “أفراد الطائفة اليهودية، كانت أغلبيتهم فقراء، يمتهنون الحرف اليدوية، ومن بينهم بعض الأثرياء يمتهنون التجارة؛ ومنهم جاكوب بينيستي الذي كان تاجرا للحبوب بالجملة، ويسكن بفيلا فخمة، قبالة الشركة التعاونية الفلاحية، اشتراها من فرنسى. ودولفو، يهودي من جنسية فرنسية جاء من الجزائر، كان تاجر العقاقير، واشتهر بتوزيع غبرة مبيد الحشرات الطفيلية ويبيع الخمور صحبة زوجته حانٌة وبنته جاكلين، هاجر إلى كندا بداية الستينيات. ومسعود بنزيتون، تاجر الخمور كذلك. وجودا اشْريقي، تاجر أثواب في المتجر الذي أصبح في ما بعد في ملكية ناصور احماد بن ناصر بزنقة المارشي، وكان ابنه سيمون حلاقا، أغلب زبنائه من ميسوري اليهود والأوروبيين، سبق أن شارك في الحرب العالمية الثانية متطوعا مع الجنود الإنجليز. بيشان تاجر الأثواب والملابس، وابنه الذي كان يتاجر في أدوات ووسائل الخياطة بابن أحمد، فقد عينه في وقت لاحق، الدكتور ليون بنزكين، وزير البريد في حكومة بداية الاستقلال، مفتشا جهويا بقطاع البريد بالدار البيضاء. أما أفراد عائلة “مالكا” المشهورة، فكانوا يملكون مطبعة بالدار البيضاء مختصة في طبع ورق اللعب الكارطة. وكان أحدهم يسكن بدرب الطلعة من الجهة الشرقية حيث كان يعاني من مرض الربو، فاختار الإقامة بنصيحة من الطبيب، نظرا لمناخ ابن أحمد الذي شيدت به عدة مؤسسات لعلاج الأمراض الصدرية. وكانت تزوره عائلته من حين لآخر. وفرياط، كان صباغا ومطربا، يقوم بإحياء الحفلات، واشتهر بتقليده لأغاني زهرة الفاسية، وألبير سويسا، وسامي المغربي (وهم مغنون مغاربة يهود). وعلى كل فإن أفراد الطائفة اليهودية لم يكن يتجاوز عشرة بالمائة من سكان ابن احمد، وهي نسبة لا بأس بها”.

ومع دخول الاحتلال وفّرت السلطة الفرنسية الحماية للعائلات المذكورة، لممارسة أنشطتها الاقتصادية في مجال الصناعة اليدوية البسيطة. وكان بعض التجار منهم قد أصبحوا في عداد الأثرياء. وبمرور الوقت أصبح تنظيمهم الاجتماعي والإداري يتخذ شبه استقلال عن السلطة المخزنية المحلية، ويأتمرون أكثر بقرارات المركز الرئيسي للطائفة بالدار البيضاء.

5

نظرة موجزة عن عادات الطائفة اليهودية بامزاب

ويمكن تقديم نظرة موجزة عن الطائفة اليهودية لابن أحمد من خلال ما توفر لدينا من وثائق المراقبة المدنية، على قلتها. ففي شهر ماي 1947 انعقد موسم الحجرات، مزار ضريح “رابي يحيى لخضر”. وسجل المراقب المدني أنه حضر الحفل الرسمي رئيس الدائرة ورجال السلطة المحلية، حيث أظهر أعضاء الطائفة خلال هذه التظاهرة احتفاءهم بفرنسا. كما تغنى بعض الشباب القادمين من الدار البيضاء بأغاني ذات نزعة صهيونية. وفي بداية شهر يوليوز تقدم رئيس الطائفة بابن أحمد بشكاية إلى المراقب المدني، يصرح فيها بتعرض يهود ابن أحمد إلى مضايقات، من طرف أحد السكان المسلمين. وكلف المراقب قائد املال بالبحث في الموضوع وضمان الحماية لهم. كما أصبحت الطائفة مهتمة بمشروع المستشفى الرئوي المرتقب انجازه بابن أحمد. وفي شهر يوليوز 1947 تم وضع حجر الأساس لمستشفى الوقاية من داء السل بابن أحمد، ونظمت بالمناسبة تظاهرة في وسط أفراد الطائفة بإقامة عروض كبيرة لإشهار الحدث، من أجل كسب كرم ذويهم في الداخل والخارج.

وسجل المراقب المدني أنه رغم ممارسة أفراد الطائفة لمختلف أنشطتهم في جو مريح بالبلدة، إلا أنه ابتداء من شهر أكتوبر، انشغل بالهم بتطورات القضية الفلسطينية، وتخوفهم من تعرض المنطقة لصراع مسلح مع العرب. وفي شهر نونبر أطلق أعضاء الطائفة حملة جمع التبرعات لفائدة الإسرائيليين بفلسطين، ووصل المبلغ إلى 30.000 فرنك. ومع بداية 1948، اهتم الأعضاء المسيرون لمجلس الطائفة وعقلاؤهم بمحاولة الحد من إثارة الحوادث مع السكان المسلمين بخصوص القضية الفلسطينية. وانصب التفكير على إضافة قسم بمدرسة الطائفة. وحسب نفس وثائق المراقبة المدنية بابن أحمد، فخلال شهر ماي 1948، انتشر خبر مفاده أن أحداثا خطيرة وقعت بكل من فاس وبني ملال، تناقلت الألسن وفاة حوالي ثلاثين شخصا ينتمون للطائفة اليهودية. أثارت هذه الشائعات صدمة لدى سكان الملاح وأعقبتها تعليقات مختلفة في وسط السكان المسلمين، إلا أن تضافر الجهود والتدابير الوقائية التي اتخذها القائد عبد السلام المعروفي ومجلس الطائفة أدت إلى تهدئة الوضع دون حوادث. وفي نهاية الشهر استقبل أفراد الطائفة إعلان دولة إسرائيل في أرض فلسطين بفرح عميق، إلا أن الحدث لم تعقبه أية تظاهرة خارجية، واحتفلوا به داخل منازلهم، واتخذوا منه عطلة بالكف عن العمل لعدة أيام.

وخلال فصل الصيف عاد الهدوء إلى أوساط الطائفة، ووجه أفرادها اهتمامهم للأعمال التي يشتغلون بها من تجارة وحرف مختلفة، والمساهمة في الرواج الاقتصادي للمنطقة نظرا لوفرة المنتوج الزراعي تلك السنة. واستمر السكان المسلمون في تعاملهم مع أفراد الطائفة بشكل عادي. ورغم الهدوء الظاهري فإن المسألة الفلسطينية أخذت تناقش سريا بين أفراد الطائفة، مع لجوئهم إلى التكتل والاتصال بالمدعو “جيل سينوف” وهو رجل أعمال من الدار البيضاء، يقوم بمساعدة اليهود الراغبين في الالتحاق بفلسطين. وخلال الدخول المدرسي شهر أكتوبر لوحظ نقص في عدد التلاميذ المسجلين بمدرسة الرابطة، إذ لم يتعدّ 120 تلميذا، بينما عدد من أفراد الطائفة غادر المركز للاستقرار بالدار البيضاء. وفي شهر نونبر توالى التكتم حول توجههم، بينما بدأ بعضهم يدبر المحاولة للرحيل إلى فلسطين، وذلك عن طريق الانتقال إلى الدار البيضاء، لاعتقادهم بوجود تسهيلات هناك، تمكنهم من الهجرة السرية. لكن حماس الهجرة ما فتئ أن بدأ ينطفئ، بعد أن توصلت بعض العائلات برسائل من ذويهم رحلوا إلى فلسطين المحتلة، يعربون من خلالها عن تذمرهم من سوء المعاملة التي تلقوها هناك من إخوانهم في السلطة، حيث اعتبروهم يهودا من الدرجة الثانية، بحسب ما جاء في تقرير المراقب المدني.

6

أمام تزايد الأحداث وتطور الوضع العام بمنطقة فلسطين، عم القلق السكان اليهود، مما حذا بسلطة المراقبة المدنية أن طلبت من نائب رئيس الطائفة بابن أحمد، العمل على تهدئة العناصر ذات التوجه الصهيوني التي تنشط بالمدينة. كان يرأس الطائفة جاكوب بينيستي لمدة 25 عاما رغم انتقاله إلى الدار البيضاء منذ مدة. وكان نائبه شابا أكثر منه حيوية وانفتاحا، يكرس معظم وقته لشؤون الطائفة. وقد نقل بينيستي جميع أنشطته التجارية إلى الدار البيضاء ولم يعد يزور ابن أحمد إلا في المناسبات. وجاء في تقرير يعود لشهر دجنبر 1948، بأنه وقع حراك محسوس في أوساط الطائفة المحلية، يتعلق بالمطالبة بتطوير التعليم العبري. وبمناسبة انعقاد الجمع العام لتحضير ميزانية المدرسة الإسرائيلية، طالب بعض الحاضرين بضرورة إعادة تنظيم التعليم، حيث تقدم الحاخام من جهته باقتراح تلقين الأطفال في المرحلة الأولية ما بين سن الخامسة والسابعة، مبادئ اللغة العبرية، قبل تعليمهم اللغة الفرنسية، التي تعتمدها مدرسة الرابطة. أما اللغة العبرية فلم تكن ملزمة إلا في حدود السنة الثالثة عشرة من عمر الأطفال، حين يغادرون المدرسة المحلية والالتحاق بالثانوي. وكان الحاخام يقوم بتقديم دروس في اللغة العبرية بالموازاة مع التعليم الرسمي داخل المعبد اليهودي لمن يرغب في ذلك. لكن المراقبة المدنية بابن أحمد قامت بكبح جماح المطالبين بامتداد التعليم العبري. وعلى إثرها، عزل مجلس الطائفة حاخام أوزار ها توراه، المكلف بتدريس التوراة والتعليم العبري العتيق. أما الحاخام المكلف بالقداس فقد استقال من مهمته، حيث عثر على منصب بالرباط براتب مرتفع، وعوض بآخر تم استقدامه من بني ملال.

استمر أعضاء الطائفة على هدوئهم، وخلال تجديد مكتب المجلس المحلي تم تعيين جاكوب بينيستي المستقيل، رئيسا شرفيا مراعاة لأقدميته ووضعه الاعتباري بين أفراد الطائفة. وأصبح شالومو أوحيون رئيسا، بينما في عهده كان نائبا للرئيس، ويقوم بجميع المهام. تولى أحد أبناء عمومة جاكوب بينيستي منصب نائب الرئيس. وتحسنت علاقة أفراد الطائفة مع السكان المسلمين وخفت التوتر.

ولاحظ المراقب المدني في أحد تقاريره بأن مجلس الطائفة توصل بإعانات مهمة من أمريكا. كما تسلمت مدرسة الرابطة بدورها مساعدات عينية ومالية ذات أهمية من جمعية نسائية بنيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية لتشجيع تعليم أبناء الطائفة. وبمناسبة انتهاء السنة الدراسية، نظمت مدرسة الرابطة يوم 8 يوليوز 1950 حفلا رائعا لتوزيع الجوائز على التلاميذ المتفوقين. حضر التظاهرة رجال السلطة والأعيان المسلمون، ومن بينهم محمد بنجلون رئيس فريق الوداد البيضاوي، وهو أحد الملاك العقاريين بابن أحمد. ولم تفت المسلمين الحاضرين الفرصة للتعبير عن المفارقة الشاسعة بين حفل الطائفة وما أطلقوا عليه “المهزلة” التي أقامها مدير القطاع المدرسي بالدائرة ريكَولو Rigolot، وسماها حفل توزيع الجوائز. ومن جهة أخرى، لوحظ أن انتخابات تجديد مجلس الطائفة التي جرت شهر دجنبر، مرت في جو من الهدوء، وأعادت أعضاء المكتب المنتهية ولايته نفسهم، باستثناء سالمون القايم، تاجر الحبوب المدان بسبب مشاركته في عملية نصب واحتيال ولم يقبل ترشيحه. أما رئيس المجلس أوحيون، فقد وجهت له انتقادات لعدم إعطائه الاهتمام اللازم لأنشطة إدارة الطائفة.

7

بناء مستشفى الأمراض الصدرية

استقبل المراقب المدني، رئيس الدائرة، يوم الجمعة 27 أبريل 1951 الدكتور ليون بنزكين، مرفوقا بعضو من اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع والإعانة فرع المغرب بالدار البيضاء، وأحد أعيان الطائفة الذين قدموا إلى ابن أحمد من أجل دراسة إقامة مستشفى يهودي لمعالجة داء السل. وأعقبتها زيارة لرئيس الدائرة، لمناقشته بشأن شراء قطعة أرضية لبناء المستشفى. وتكلف ميزراهي باقتناء بقعة مساحتها هكتار واحد، شرق المحيط الحضري للمركز، كخطوة أولى وذلك شهر يوليوز. وبعد مفاوضات عسيرة مع الملاكين، وبتدخل من المراقبة المدنية، تمكن مجلس الطوائف اليهودية بالمغرب، واعتمادا على المساعدة المالية المقدمة من المنظمة الأمريكية المشتركة للتوزيع، من اقتناء حوالي 13 هكتارا أخرى. حددت المساحة المخصصة للبناء في 1.700 م.م، ويتكون من طابق تحت أرضي، وسفلي، وطابقين علويين. والباقي يتم استغلاله للتشجير من أجل تلطيف الجو بمحيط المستشفى.

وتكونت لجنة للإشراف على إنجاز المشروع من مفتشية المؤسسة اليهودية بالمغرب، يمثلها موريس بوطبول مفتشا، ومجلس الطوائف اليهودية مثلها كل من: جاك دهان، جاك أوحنا، جورج بنعبو، موسى كوريات، فورتين مورينو وجوزيف أبيحصيرا. وعن المنظمة الأمريكية المشتركة للتوزيع ويليام باين وإيريك فينك. وبالنسبة لمؤسسة غوث الأطفال OSE الدكتور رفائيل والدكتور موسبيرغ. بالإضافة إلى شخصيات أخرى تتكون من المحامية هيلين كاز بنعطار، جاك صباح، شمعون ليفي، موردخاي كوهن، أبراهام بنصراف والدكتور ليون بنزكين. وجاء بالجريدة الشهرية للطوائف، بأنه حضر إلى مركز ابن أحمد يوم الأحد 29 نونبر 1953، للمشاركة في التظاهرة الرسمية التي أقيمت بمناسبة إنجاز سقف الطابق السفلي، كل من إسحاق ليفي المهندس المعماري المشرف على إنجاز التصاميم، والدكتور جورج سيكو مدير الصحة العمومية والأسرة، والدكتور رفائيل مدير مؤسسة غوث الأطفال العالمية، وأيضا جاك صباح، الرئيس المنتدب للمؤسسة بالمغرب. وممثل السلطة المحلية غي سكالابر، المراقب المدني رئيس دائرة ابن أحمد.

وإذا كان المستشفى الرئوي قد تم إنشاؤه لإغاثة المتضررين من داء السل، وخاصة بعد الوضع الكارثي الذي تزامن مع مآسي الحرب العالمية الثانية، وما أعقبها من بؤس ومجاعة، فإن هذا العمل الإنساني أصبح ثمرة التفكير العقلاني للاستفادة من الموارد العلاجية الحديثة، والابتكارات العلمية التي اكتشفت المضادات الحيوية لمكافحة داء السل، وتحسين الوضع الصحي. وقد عرف المشروع التشجيع والمساندة من عدة شخصيات ذات وزن، منهم الدكتور جورج سيكو مدير الصحة العمومية والأسرة بالمغرب، وخاصة المنظمة الأمريكية المشتركة للتوزيع، التي تحملت النصيب الأكبر بمساهمتها في تمويل المشروع، بالإضافة إلى الاكتتاب الذي أشرف عليه مجلس الطائفة على صعيد المغرب وساهم فيه جميع أفرادها.

وفي صيف 1955 تم الانتهاء من المشروع الذي بلغت طاقته الإيوائية 250 سريرا، بينما تجاوزت تكلفة إنجازه 100 مليون فرنك. لكن الوضع الداخلي حال دون استقباله للمرضى إلى غاية حصول الاستقلال وتسلمه من طرف وزارة الصحة المغربية، وحينها شرع في استقبال المرضى المسلمين كذلك.

8

كان عدد أفراد الطائفة اليهودية سنة 1952، حوالي 560 فردا يتمركزون بابن أحمد والملاح، يزداد نموهم بنسبة بسيطة، نظرا لنزوح كثير منهم إلى الدار البيضاء. وفي صيف 1954 هاجر عدد منهم إلى فلسطين المحتلة، بسبب ضغط الأحداث بالمغرب. أما المرشدون الدينيون للطائفة ورئيسها أوحيون ومدير مدرسة الرابطة ميسراحي، فقد حاولوا تجاوز خلافاتهم السابقة وتصالحوا، والتزم أتباعهم الصمت. وهكذا كونوا جبهة موحدة في مواجهة التهديدات الحاصلة بسبب التطورات السياسية التي عرفها المغرب آنذاك.

وتشير مختلف الشهادات إلى أن أفراد الطائفة اليهودية كانوا يقيمون علاقات عادية مع المسلمين، كما ربطتهم علاقات حسن الجوار والمعاملات، وكانوا يتمتعون بالوقار والاحترام المتبادل، كما كانوا يمتازون بالجدية في التعامل. أما أثرياؤهم فكانوا على صلة بالأوروبيين أكثر مما هم عليه مع السكان الأصليين، نظرا لمعاملاتهم التجارية مع الإدارة الفرنسية وأعوانها، في إطار المصالح المتبادلة.

ومع حلول الاستقلال شرع أفراد الطائفة بمغادرة المدينة، سواء إلى مدن كبرى مثل الدار البيضاء أو إلى إسرائيل، وبعض الدول الغربية وخاصة الأثرياء منهم إلى أن شملت الهجرة جميعهم. وتورد بعض الأخبار أن إحدى اليهوديات اعتنقت الإسلام بطريقة رسمية أمام القاضي الشرعي، واختارت اسم فاطمة وانفصلت عن زوجها وأبنائها الخمسة الذين رحلوا إلى إسرائيل. وقد تزوجها أحد تجار المدينة، ثم طلقها في ما بعد، وعاشت مدة من الزمن وحيدة وشبه مشردة. وفي سنة 1990 زارتها مجموعة من اليهود كانوا في طريقهم لحضور الموسم السنوي بضريح رابي يحيى لخضر بالحجرات، للإحسان إليها، وبعد مرور عدة أسابيع، اختفت عن الأنظار في ظروف غامضة، ولم يشعر برحيلها حتى جيرانها.

بعد رحيل أفراد الطائفة من ابن أحمد، استمرت علاقة بعضهم مع معارفهم من سكان المنطقة بالتواصل أو الزيارة، سواء الذين انتقلوا إلى مدن كبرى داخل المغرب، أو الذين هاجروا إلى الخارج. لكن حوادث وتوترات الشرق الأوسط، وخاصة بعد أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء، ونداءات التحذير التي توجهها السلطات الإسرائيلية بدعوة اليهود لاتخاذ الاحتياطات الضرورية عند زيارة معالمهم الدينية، عوامل قلصت من زيارتهم لتفقد ذاكرة أسلافهم الذين استقروا لعقود بالمنطقة. وحتى حضورهم لموسم رابي يحيى اخضر أصبح يمر تحت حراسة أمنية مشددة، مع منع اختلاطهم بالسكان المسلمين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • خصال اليهود
    الإثنين 5 شتنبر 2022 - 14:01

    “… وكانوا يمتازون بالصدق والإخلاص في معاملاتهم.” ما أحوجنا إلى هذه الخصال في زمن كثر فيه الغش والتحايل.

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 28

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء

صوت وصورة
ملتقى أولماس
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 19:04

ملتقى أولماس

صوت وصورة
أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 18:44

أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو