صرف العملات بالشارع.. سوقٌ موازية تقلق مهنيين وتطرح مكافحة "النّْوارْ"

صرف العملات بالشارع.. سوقٌ موازية تقلق مهنيين وتطرح مكافحة "النّْوارْ"
صورة: و.م.ع
الجمعة 23 غشت 2024 - 04:00

لا يُحيل دائما لفظ الرصيف على نهاية الشارع أو مكانٍ خاص بمرور الراجلين؛ بل يحيل بطريقة ضمنية على أحد أبرز الأماكن العمومية التي تحتضن الأنشطة التي تندرج في إطار “النّْوار” أو ما يسمى بالسوق السوداء، بما يخلق دائما سوقا موازية ثانية تتوالى عادة مطالب ضبطها وهيكلتها لتكون قيمة جبائية مضافة للاقتصاد الوطني.

وانضم محوّلو العملات بدورهم إلى قائمة المشتغلين على مستوى الرصيف، والمعروفين شعبيا بالمغرب بـ”موالين الشونج” بعدما صارت فئة منهم تشتغل خارج دائرة مكاتب الصرف المعتمدة بشكل رسمي، وتوجد عادة بأماكن محدد ببعض المدن، سعيا منها إلى القرب من الباحثين عن عملات أجنبية من قبيل الأورو والدولار.

ويحاول هؤلاء الأفراد باستمرار التعريف بأنفسهم كسوقٍ موازية في قطاع صرف العملات عبر الاشتغال بشكل مرن لا يعترف بعدد ساعات عمل محدد ولا يوقف النشاط خلال الأعياد الوطنية، ويعتمد كذلك أسعارا لشراء العملات الأجنبية بأقل من المطروح على مستوى السوق؛ مما جعل شركات الصرف اليدوي تنبه غير ما مرة إلى أن “النوار لا مكان له في هذا المجال”.

“الشّْونجْ”.. كلمةٌ مفتاح

“الشونج.. الصرف.. مرحبا لالة تْفْضلي…”؛ عبارات متواترة لا تخطئ مسامع كل مارٍّ من شارع محمد الخامس بالعاصمة الإدارية للمملكة. هناك يقف باستمرار عدد من الأفراد الذين يُقدمون خدمات صرف العملات عوضا عن مكاتب الصرف المُتعارف عليها. يشتغلون بهذا الفضاء لسنوات حتى صاروا جزءا منه ومقصدا لكل راغب في استبدال دراهمه بِيُوروهات أو دولارات، حسب ما في جيبه وما سيحتاجه في مُقامة بالمملكة أو عند سفره إلى خارج البلاد.

وقفت هسبريس لدقائق معدودات تراقب الوضع. حوالي عشرة أشخاص يتراصون بجانب إحدى الوكالات البنكية ويحاولون على مدار الزمن جذب المارّين إليهم، حيث يُصرّحون باستمرار وبشكل علني بأنهم يقدمون فعليا خدمات صرف العملات، فلا حديث بينهم إلا عن “الدّوفيزْ”. “صاحبي الشونج؟”؛ سؤالهم المركزي الذي يطرحونه على كل مارٍّ بجانبهم.

كانت عمليات هؤلاء الأشخاص مع زبنائهم تتم بشكل عادي على مستوى الرصيف. يُمسك طرفٌ واحد بالدرهم المغربي والآخر بعملات أجنبية مختلفة، حسب ما هو مطلوب من قبل الزبون، من دولار أمريكي أو أورو، أو حتى عملات دول الشرق الأوسط والخليج العربي، خصوصا الريال السعودي.

لم تكن مدة وقوفنا قبالة مكان وجود الأفراد، موضوع هذه الأسطر، بمدخل شارع محمد الخامس بالخالية من حركيّة مهنية بين هؤلاء وزبنائهم؛ فقد تمكنوا بطبيعة الحال من جذب أُناسٍ كان غرضهم الحصول على مقابلٍ لما يملكونه من دراهم مغربية أو عملات تخص دولا أجنبية.

وسط ارتفاع منسوب الجولان الذي يعرفه عادة شارع دار المخزن سابقا خلال كل مساء، تقدمت امرأة يُقدر أن يكون عمرها قد تجاوز الخمسين نحو أحد مُقدّمي خدمات الصرف. دار حديث أوليٌّ بينهما خلال الثواني الأولى قبل أن تُخرج من محفظتها بعضا من الأوراق النقدية التي لم تكن إلا يوروهاتٍ بطبيعة الحال، حيث كان غرضها كما اتضح لنا هو الحصول على مقابل لها بالدرهم المغربي.

المُتعاملُ كان أربعينيا يرتدي ملابس صيفية، وظلت حزمة الأوراق النقدية ظاهرة على جيبيْه الأمامييْن الاثنين. الجيب الأيمن كان مُصمما حسب ما يتضح لجمع العملات الأجنبية، فيما كان الأيسر مملوءا بالعملة الوطنية المغربية. أخرج من هذا الجيب بعضا من الأوراق النقدية من فئة 200 درهم. وقتها، انتهت العملية بين الطرفين بعدما تسلّمت المرأة ما كانت جاءت من أجله، هامّة بالانصراف بعدها مباشرة.

يوروهات ودولارات..

يواصل الأفراد نشاطهم بشكل طبيعي أمام مرأى ومسمع الجميع؛ فهُنا لا يُعلى على المنظور الشعبي المجسد أساسا في عبارة “نْقْضي الغرضْ دْغْيا”، ولو كان ذلك على قارعة الطريق من دون حجابٍ أو ستار يجعل العملية مستورة مبدئيا. وقت الذروة، إذن، عند نشطاء صرف العملات لا يزال قائما إلى حدود اليوم، لاسيما أن نسبة من مغاربة الخارج لا يزالون بأرض الوطن ويرتقب أن يستمروا به خلال الأيام القليلة المقبلة، بما يعني طلبا متواصلا على صرف العُملة.

بعد فترة أولية من الملاحظة، حاولت هسبريس إثارة أطراف الحديث مع أحد هؤلاء “موالين الصرف”. كان خمسيني السن حسب ما يتضح، أما ملابسه فكانت عادية تتوزعُ بين سروال من نوع “الفصالة” وقميصٍ أحمر مُغلقٍ على مستوى مُستهلِّ الذراعيْن. كان الحديث مقتضبا حول سعر صرف العملات وطريقتها.

صرّح الشخص ذاته بأنه يتم توفير اليورو للزبناء بحوالي 11 درهما. أخرج هاتفه المحمول وبدأ بالعدّ؛ 3 آلاف درهم، يعني حوالي 270 أورو. قاطعته الجريدة بالسؤال عن الفرق بينه وبين مكاتب الصرف المعتمدة فردّ:”نقدم أسعارا مشجعة، فالمكاتب تضيف إلى أسعارها عند شراء اليورو الواحد نصف درهمٍ، أي 11,5 دراهم إذن”.

المتحدث نفسه زاد: “تعامُلنا مع الزبناء جدُّ سلسٍ، ونوفر خدماتنا خلال أوقات غير محدودة، خصوصا في الأعياد الوطنية وعند توقف نشاط مكاتب الصرف. وهذه الفترة نشتغل أساسا مع الجالية أو الراغبين في السفر خارج الوطن”؛ فيما تجنب الخوض فيما إذا كان في الأصل “يمارس نشاطا قانونيا من عدمه”.

سوقٌ موازية”

في كل مرة يُثار فيها موضوع تحويل العملات بالمغرب يعود إلى الواجهة النقاش حول الوضعية القانونية لعدد ممن يقدمون خدماتهم في هذا الصدد على مستوى الشارع العام أو بمحاذاة مقرات الوكالات البنكية والشبابيك البنكية، عوضا عن مكاتب الصرف التي تبقى نائلة للتراخيص من قبل المؤسسات المعنية بالأمر، لعل أبرزها مكتب الصرف.

“سوقٌ موازية” بهذه العبارة وصف عبد الرزاق المحمودي، رئيس الفيدرالية المغربية لشركات الصرف، ما تعرفه بعض المدن المغربية من اشتغال أفراد بالشارع العام في مجال صرف العملات، حيث ذكر أن الأمر بداية “يقدم صورة غير لائقة عن البلد وعن قطاع الصرف؛ ما نستنكره كفيدرالية”.

واعتبر المحمودي، في حديثه لهسبريس، أن “هذه السوق الموازية التي نتحدث عنها نحنُ أوّل متضرر منها، والاقتصاد الوطني ثانيا؛ فالسبيل إلى وقف هذه المسألة هو أن تكون هناك توعية للناس بخصوص الأماكن الخاصة بالصرف، وثانيا أن يتقدم المعنيون بالأمر إلى مكتب الصرف بطلبات للاشتغال رسميا وبشكل قانوني في حدود ما يسمح به القانون وبطريقة واضحة المعالم”.

“التّمادي لا يفيد”

“لقد سبق لنا أن قمنا بمراسلات إلى الجهات المعنية في هذا الصدد”، قال محدّثُنا، معتبرا أن “الجرأة في صرف العملات على قارعة الطريق موجودة أساسا بمدينتي الدار البيضاء والرباط، بما يخلق سوقا موازية، وهو ما يعرفه العالم بأسره”.

وأورد المحمودي، الذي يرأس الفيدرالية المهنية سالفة الذكر، أن “نظام الصرف بالمغرب مرنٌ وسلس ومؤطر من قبل السلطات المالية، ومن المهم جدا أن ينضم إلى قطاع صرف العملات من يشتغلون على قارعة الطريق”، متابعا: “بلْفْرحات علينا إجِيو إشدو معانا الصف”.

من هذا المنطلق، بيّن المصرح أنه “من الضروري وجود ضبط صارم للقطاع، حيث يلزم دفعُ هؤلاء إلى التقدم بتراخيصهم للاشتغال بطريقة قانونية، إذ إن التمادي ضد هذا المقترح يؤثر سلبا علينا كشركات صرف ويستوجب تدخلا واضحا ممّن هم مكلفون بهذا الموضوع من المؤسسات الرسمية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • mre
    الجمعة 23 غشت 2024 - 04:41

    هؤلاء يقدمون خدمات بأسعار أحسن من الأبناك و الوكالات سواء عند البيع أو الشراء و ليسوا بشناقة و لا مبتزين و أغلبهم كان عاطلا.
    حتا هوما بغيتو تقطعو عليهم الزرق ؟.

  • عابر سبيل ١
    الجمعة 23 غشت 2024 - 05:56

    لماذا يقلق أصحاب المحلات؟ هناك فوضى أيضا من أصحاب محلات صرف العملات هنم لا يحترمون اثمنة السوق الحقيقة فنحن نعيش بطريقة الاحتكار في كل شيء .

  • سائح عربي
    الجمعة 23 غشت 2024 - 06:50

    هل يعرف احد عن وجود خط مواز للصرف ايضا في مراكش؟ أسعار الصرف مرعبة في مراكش من قبل بعض الصرافين.

  • التمسماني
    الجمعة 23 غشت 2024 - 07:12

    مرة سألت أحد هؤلاء الأشخاص الذين يتعاطون لصرف العملة عن سر منحهم معدل صرف أحسن من البنوك و مكاتب الصرف، فأخبرني بأنه يكفي أن يزرع ورقة مزورة (مدرحة) من فئة 50 أو 100 دولار أو أورو ليحقق ربحا كبيرا.

  • مول الزعتر
    الجمعة 23 غشت 2024 - 10:18

    بحكم التجربة الصرف بالعملات في الشارع نصب و غش و السرقة من طرف أصحاب الصرف
    يجب منع مثل هذه الأعمال المشينة في الشوارع.

  • كمال
    الجمعة 23 غشت 2024 - 12:16

    الظاهرة موجودة بالأساس مند عشرات السنين علانية بالرباط بالشارع الرئيسي أمام فرع احد البنوك دون أن تتدخل اي سلطة لوقف الظاهرة كما هي موجودة أيضا بالدارالبيضاء عند أصحاب البازرات قرب الميناء بدرجة غير ظاهرة للعيان

  • يوسف
    الجمعة 23 غشت 2024 - 15:48

    طماع يقضي عليه طماع الفرق بين أصحاب مصارف لا يتجوز عشره سنتيم او عشرين سنتيم لماذا المخطره بتصريف أموال عند أشخاص مجهولين

  • Karim
    الجمعة 23 غشت 2024 - 16:06

    صحاب محلات صرف عملات هما لي كيخدمو في نوار او كما يسمى سوق سوداء. كيقول ليك مول مكتب صرف حط فلوس هنا تشدهم في اي دولة بغيتي. يعني شنو كتسمى هاذي. واش تهريب مال ولا شنو

  • بائع الورد
    الإثنين 26 غشت 2024 - 07:54

    ليس هؤلاء الصغار هم من اوجد السوق السوداء !!

    فالسوق السوداء تنشأ عندما يقوم البنك المركزي بوضع سقف لصرف العملات الاجنبية للبنوك التجارية … عندها يلجأ التاجر الي شراء تلك العملات من خارج البنوك للوفاء بالتزاماته المالية تجاه المصدرين الاجانب

    فالمصدر الاوروبي او المصنع الاوروبي لا يقبل الدرهم المغربي ثمنا لبضاعتة ,,, يضطر التاجر او الموزع المغربي الي الذهاب الي البنك لتحويل المبلغ فيتفاجأ بوجود سقف محدد للتحويل باليورو ,,, يضطر الي جمع المبلغ المتبقي باي ثمن من السوق السوداء … و هذا يفسر ارتفاع سعر صرف السوق السوداء عن البنوك التجارية … لان المستورد المغربي يدفع اي ثمن مقابل اليورو … وذلك الفرق يتم اضافتة على عاتق الزبون المغربي المسكين… عبر رفع قيمة البضاعة المستوردة

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 26

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء

صوت وصورة
ملتقى أولماس
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 19:04

ملتقى أولماس

صوت وصورة
أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 18:44

أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو