من منطق جذب الاستثمار إلى ضرورة بناء صناعة ذات أثر تنموي
يمر المغرب اليوم بمرحلة مفصلية في مساره الصناعي. فقد تمكن، بفضل رؤية استراتيجية واضحة، من بناء منظومات صناعية متقدمة، واستقطاب استثمارات نوعية، وتعزيز حضوره داخل سلاسل القيمة العالمية، لاسيما في قطاعات السيارات، الطيران، الصناعات الغذائية، والطاقات المتجددة. لكن خلف هذه الدينامية الإيجابية تبرز مفارقة اقتصادية عميقة تستحق التأمل. حيث نجحنا في بناء منظومات صناعية تنافسية، لكن أثرها على خلق فرص الشغل وعلى توسيع قاعدة المقاولات المنتجة ما يزال يحتاج إلى تعزيز أكبر. فالصناعة لا تُقاس فقط بعدد المشاريع المعلنة أو بحجم الاستثمارات المستقطبة، بل بقدرتها على خلق منظومة اقتصادية متكاملة، تُنتج القيمة المضافة محليًا، وتُدمج آلاف المقاولات الصغيرة والمتوسطة في مسار النمو.
فالقطاع الصناعي اليوم بالمغرب لا يحقق إلا 5 بالمائة من النمو وليس محدد رئيسي في التنمية الاقتصادية. حيث يبقى القطاع الفلاحي هو المقياس الأساسي للنمو الاقتصادي، إذ يمكنه تحقيق 10 بالمائة من النمو خلال موسم فلاحي معتدل. ومن حيث المساهمة في الناتج الداخلي الخام، فالقطاع الأولي، الفلاحي والمخصص للصيد البحري، لا يمثل إلى حوالي 11 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، في حين يمثل القطاع الصناعي حوالي 15 بالمائة من الناتج القومي نفسه.
كما تواجه العديد من المقاولات الوطنية الصغيرة والمتوسطة تحديات هيكلية تحول دون انتقالها إلى مرحلة النمو ومن بينها : ضعف الاندماج في سلاسل التوريد الصناعية، محدودية الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، صعوبة الولوج إلى التمويل، وفجوة مستمرة بين احتياجات السوق ومؤهلات الموارد البشرية. وبالتالي، فبناء صناعة وطنية قوية لا يمكن أن يقوم فقط على وجود وحدات صناعية كبرى ذات ارتباط دولي، بل يحتاج إلى نسيج صناعي وطني قادر على خلق القيمة، والابتكار، والمنافسة، وتوفير فرص شغل نوعية ومستدامة.
فالرهان الحقيقي أمام النموذج الصناعي المغربي هو الانتقال من صناعة الاستقبال إلى صناعة الإدماج، ومن منطق المشاريع الصناعية إلى منطق المنظومات الصناعية المتكاملة، حيث تصبح المقاولة الصغيرة شريكًا في النمو وليست مجرد حلقة هامشية في سلسلة الإنتاج. كما أن التحدي الأكبر يبقى هو تحقيق الملاءمة بين السياسة الصناعية وسياسة التشغيل والتكوين، لأن المصنع الحديث يحتاج إلى كفاءات حديثة، والاقتصاد التنافسي يحتاج إلى رأسمال بشري مؤهل.
حيث أن المغرب يتوفر اليوم على مقومات صناعية مهمة، لكن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق الأثر التنموي لهذه الدينامية. أي صناعة أكثر إدماجًا، مقاولات وطنية أقوى، وفرص شغل أكثر ارتباطًا بالتحول الاقتصادي. فنجاح الإقلاع الصناعي لا يُقاس فقط بما ندخله من استثمارات، بل بما نخلقه من قيمة داخل الاقتصاد الوطني، وبما نمنحه من فرص للأجيال القادمة.
لا أحد يمكنه أن ينكر التحول الصناعي الكبير الذي عرفه المغرب خلال العقدين الأخيرين، حيث أصبحت المملكة قطباً صناعياً إقليمياً في مجالات السيارات والطيران والصناعات الدوائية. غير أن تقييم أي تجربة تنموية يقتضي الاحتفاء بالمكتسبات، وفي الوقت نفسه الوقوف بجرأة عند مكامن الضعف والاختلالات.
ورغم ارتفاع الاستثمارات الصناعية والصادرات، فإن الأثر على سوق الشغل لا يزال دون الطموحات. فمعدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، ما تزال مرتفعة، بالتوالي 29 بالمائة و19 بالمائة، استنادا إلى منهجية العطالة المفرطة، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة النمو الصناعي على خلق فرص شغل كافية ومستدامة. كما أن جزءاً مهماً من القيمة المضافة الصناعية ما يزال مرتبطاً بأنشطة التجميع والمناولة، في حين تظل نسب الإدماج المحلي ونقل التكنولوجيا دون المستوى المأمول في عدد من القطاعات.
ومن بين أبرز التحديات أيضاً، ضعف اندماج المقاولات الصغرى والمتوسطة في المنظومات الصناعية الكبرى، حيث تستفيد الشركات الكبرى بشكل أكبر من فرص الاستثمار وسلاسل التوريد، بينما تواجه المقاولات الوطنية صعوبات مرتبطة بالتمويل والابتكار والولوج إلى الأسواق. كما أن الفوارق المجالية لا تزال واضحة، إذ تتركز أغلب الاستثمارات الصناعية في الجهات المتمركزة في مدار سطات-الرباط طنجة، في حين تحتاج مناطق أخرى إلى دفعة صناعية حقيقية لخلق الثروة وفرص الشغل محلياً.
ويضاف إلى ذلك تحدي التكوين والتأهيل، حيث بدأت بعض الصناعات الحديثة تعاني من خصاص في الكفاءات التقنية والهندسية المتخصصة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج واللوجستيك بالنسبة لبعض المقاولات. كما أن البحث العلمي والابتكار الصناعي لم يصلا بعد إلى المستوى الذي يمكن المغرب من الانتقال من “بلد مصنع” إلى “بلد مُصمِّم ومُبتكر” للتكنولوجيا والمنتجات ذات القيمة المضافة العالية.
إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق جذب الاستثمار فقط إلى منطق تعظيم أثر الاستثمار على التشغيل والقيمة المضافة الوطنية والعدالة المجالية. فنجاح الصناعة لا يُقاس فقط بحجم الصادرات، بل أيضاً بعدد مناصب الشغل المحدثة، ونسبة الإدماج المحلي، وحجم التكنولوجيا المنقولة، ومدى انعكاس النمو الصناعي على مستوى عيش المواطنين. فالمغرب حقق تقدماً صناعياً مهماً، لكن الرهان الحقيقي اليوم هو بناء صناعة أكثر اندماجاً، وأكثر ابتكاراً، وأكثر قدرة على تحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية شاملة يستفيد منها الجميع.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.