طقوس المشاهدة في القاعات السينمائية.. عظمة الشاشة تسبق متعة العين

طقوس المشاهدة في القاعات السينمائية.. عظمة الشاشة تسبق متعة العين
صورة: أرشيف
الثلاثاء 18 يناير 2022 - 01:00

قاعة فخمة، كراس جلدية فاخرة ناعمة مريحة تليق بسيارة إيطالية مكشوفة حمراء. لقد فتحتْ القاعات السينمائية أبوابها لاستقبال عشاق مشاهدة الأفلام الجديدة على شاشات عظيمة… أضواء خافتة… يتسلل المتفرجون همسا متخشعين من رهبة المكان… واضح من طريقة مشي الداخلين إلى القاعات العشر في المركب السينمائي أن الأثر النفسي للتواجد هنا يتجاوز البهجة إلى الدهشة والتحليق الفني.

لريّ عطش المشاهدة قضيتُ أكثر من خمس ساعات أمام شاشة عملاقة تزيد مساحتها عن ثلاثين مترا مربعا… شاهدت فيلم “قصة الحي الغربي” 2021 لستيفن سبيلبرغ وفيلم “بيت غوشي” 2021 لريدلي سكوت. يمكن القيام بمقارنة متعددة المستويات بين الفيلمين لمخرجين يعملان في هوليود منذ نصف قرن. واضح أن ريدلي سكوت ماهر في إدارة المعارك والمؤامرات أكثر من قدرته على تصوير المشاهد الرومانسية… من الصعب مقارنة الكثير من هذه التفاصيل على شاشة حاسوب.

يوجد فرق رهيب بين مشاهدة فيلم على شاشة حاسوب في مقهى وطقوس مشاهدة فيلم في قاعة سينمائية على شاشة عملاقة… المشاهدة الأولى تعرض الممثل صغيرا والضوء غامضا والصوت باهتا، وبذلك تصعب الكتابة. أما المشاهدة الثانية فتظهر الممثل عملاقا وتلاوين الضوء مقروءة والصوت قويا معبرا، وبذلك تسهل الكتابة. يحصل أن تكون بيئة المشاهدة حافزا أو عائقا للكتابة عن الفيلم.

“الكتابة ضرب من الصلاة”، هذا ما كتبه فرانز كافكا منذ قرن، يمكن القول الآن إن المشاهدة ضرب من الصلاة أمام شاشة عملاقة في حجم أبي الهول.

إنها حميمية العودة بعد الحرمان القسري للمشاهدة في قاعة سينمائية فخمة أغلقها الوباء زمنا. هنا متعة العين والجسد. على الشاشة تصير عين الممثل بحجم كوكب حين تعرض في لقطة مقربة… فعظمة الشاشة متعة للعين. تعرض الشاشة ما حصدته الكاميرا. والكاميرا عين لا أذن، ومن رأى ليس مثل مَنْ سمِع. وهذا ما أقرت به بلقيس ملكة سبأ في سفر الملوك الإصحاح العاشر.

قالت الملكة للملك سليمان: “صَحِيحًا كَانَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْتُهُ فِي أَرْضِي عَنْ أُمُورِكَ وَعَنْ حِكْمَتِكَ. وَلَمْ أُصَدِّقِ الأَخْبَارَ حَتَّى جِئْتُ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، فَهُوَ ذَا النِّصْفُ لَمْ أُخْبَرْ بِهِ”. وقد حاول الرسام الإنجليزي إدوارد بوينتر تعويض ما نقص في اللغة بالصورة حين رسم لوحة “زيارة ملكة سبأ للملك سليمان” 1890، لوحة مشبعة بالفخامة والزركشة.

إن مشاهدة الأفلام هي عملية معاكسة، هي بحث عن المعلومات بالعين لا بالأذن. لكي ينسب الناقدُ السينمائي الفيلمَ للمخرج يجب أن يعلق على حصاد الكاميرا وبلاغتها وليس على حبكة السيناريو الأدبي.

إن الكاميرا عين وليست أذنا، ويصعب على من تربى في بيئة ثقافية سماعية أن يحدق ويدرك ويبدع متعة للعين. وهنا يوجد فرق رهيب بين الفن في شمال البحر الأبيض المتوسط وفي جنوبه. في الجنوب الصور حرام، في الشمال اللوحات والتماثيل والأيقونات في كل المؤسسات وخاصة الدينية لنشر الإيمان. يقول ابن عربي الذي عاش على ضفتيْ المتوسط:

الأذن عاشقة والعين عاشقة

شتـــــــــان بين عشق العين والخبر

فالأذن تعشق ما وَهْمي يُصوّره

والعين تعشق مَحسوسا من الصور

لهذا امتداد في السينما. الحقيقة في الصورة. يقول ألفريد هتشكوك إن “الأدب الذي يأخذ جاذبيته من الأسلوب لا يعجبني، لأن ذهني يعمل بشكل بصري إلى حد ضيق جدا”.

السينما هي مملكة العينين لأن الفيلم سلاطة بصرية أكثر منه بيان وبديع لغوي. لكن النصوص المكتوبة محررة بمنطق الأذن. تخيل لو حسبنا وقارنا بين عدد النصوص التي تبدأ “حدثنا” وتلك التي تبدأ “رأيت”، سنكتشف فارقا كبيرا في الأرقام لأن مصدر معلومات الفرد مقتصر على الأذن منذ آلاف السنين. إن الذين سمعوا أكثر من الذين شاهدوا.

لقد تغير الوضع منذ بدء طباعة الصور، ثم اختراع السينما والتلفزيون… بفضل هذا زاد التركيز على الفنون غير اللغوية. زاد التركيز على خدمة عين الجمهور… وأفخر مكان لتقديم هذه الخدمة هو قاعة السينما.

في مطلع فيلم “هانيبال” 2001 لريدلي سكوت يجري استجواب شاهِد، يتلقى السؤال التالي:

لنبدأ بما لاحظت، فماذا رأيت؟

أجاب الشاهد: أعتقد…

فقاطعه المحقق: قل لنا ماذا رأيت أولا قبل أن تقول لنا رأيك فيه.

الشهادة مصدرها العين لا الأذن والاعتقاد. يصعب أن تحل الأذن محل العين. أمام القضاة في المحاكم تعتبر العين شاهدا أفضل من الأذن. يوجد شعراء عميان، لكن لا يوجد روائيون عميان لأنهم مجبرون على معاينة الوقائع. للعين قوة ساحرة، من بين فقدان كل الحواس الخمس يعتبر فقدان النظر هو الأخطر على حياة البشر. يقول فنان خبير إن “العين، فور فتحها، ترى نجوم نصف الكرة الأرضية برمتها” (دافينشي الأعمال الأدبية، ص: 8).

ترى العين بفضل الضوء، وكذلك الكاميرا. والإخراج هو إنارة الشخصيات بصريا. الشرح والتفسير فعل ديداكتيكي. الإخراج فعل تسهيل الفهم. حين يكون المعلم السينمائي ديداكتيكيا ماهرا وحين يكون المخرج متفوقا فإن الشاشة الكبيرة تخبر وتكشف الكثير للمتفرج.

وقد حصل هذا حين صدر فيلم “سبيدرمان لا طريق للديار” دجنبر 2021 فاحتكر قاعات المركب السينمائي في الدار البيضاء، وهو يُعرض سبع مرات كل يوم في أكثر من قاعة. شقية هي الأفلام التي تصدر بالتزامن مع صدور أفلام الأبطال الخارقين. يمكن السخرية من نجاح هذا النوع من الأفلام الطفولية، لكن أرقام المداخيل تخرس الألسنة والأقلام. وقد يكون الخرس بسبب أن في قلب كل متفرج شكاكا، طفلا متفائلا يعشق المشاهدة في قاعة لا يوجد بها كرسي خالٍ.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • bdou@
    الثلاثاء 18 يناير 2022 - 01:41

    هل دخلت تقنية 3D إلى السينما في المغرب ؟ وهي تقنية ترى من خلالها الأشياء بأبعادها الثلاثة كما لو أنك ترى الشيء مجسما أمامك.

  • بالاك
    الثلاثاء 18 يناير 2022 - 02:06

    ربما يكون نصيب العين في المجتمع الامي متوفرا كنصيب الحواس الاخرى وخاصة السمع .الا ان المسالة في التحول الثاني من اجل المعرفة المجردة التي هي اسمى فمعرفة الحواس ضرورية وهي واقعية في المعرفة لكنها تبقى ناقصة ادا لم تعزز بثقافة سامية التي ترتبط في النهاية بمناقشة الاشياء في تعميمها من اجل اخد العبرة .ان افلام الامريكان المرتبطة بهليود سوف لن تكون بريئة ادا ادرجناها في خط السير الدي تريد امريكا ان يسير عليه العالم

  • Marroki
    الثلاثاء 18 يناير 2022 - 03:44

    ذهبت سينما القاعات مع رومبو و روكي و كونان لوباغبار و بروسلي و جاكي تشان و شيك نوريس و أميتاب باتشان و ميتون شاكرابورطي .

  • حماد. هلندا
    الثلاثاء 18 يناير 2022 - 08:12

    تامل في الوجود بعين فكر ترى الدنيا الدنية كالخيال
    و من فيها جميعا سوف يفنى و يبقى وجه ربك ذو الجلال
    قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه ارداكا
    قل للمريض نجا و عوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
    قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاكا
    قل للبصير و كان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي اهواكا
    بل سائل الاعمى خطا بين الزحام بلا اصطدام من يقود خطاكا
    قـل للجنينِ يعيش معزولا بلا راع و مرعى ما الذي يرعاكا
    قل للوليد بكى و اجهش بالبكا لدى الولادة ما الذي ابكاكا
    و اذا ترى الثعبان ينفث سمه فاساله من ذا بالسموم حشاكا
    و اساله يا ثعبان كيف تحيا او تعيش و هذا السم يملا فاكا
    واسال بطون النحل كيف تقاطرت شهدا وقل للشهد من حلاكا
    بل سائل اللبن المصفى كان بين دم و فرث ما الذي صفاكا
    ستجيب من في الكون من اياته عجبا عجابا لو ترى عيناكا
    ربي لك الحمد العظيم لذاتك حمدا و ليس لواحد الاكا

  • مهند
    الثلاثاء 18 يناير 2022 - 08:49

    فخل معنى خاض في غمراته
    و حسبك معنى خضت لي في بحوره
    و كن لي سفير الخير تسفر مطالبي
    فحظ الفتى اسفاره بسفيره

    عماد الدين الاصبهاني

  • غير معروف
    الثلاثاء 18 يناير 2022 - 08:57

    ذروني فإني بالعلاء خبير
    اسير فان النيرات تسير
    فكم بت اطوي الليل في طلب العلا
    كاني الى نجم السماء سفير
    بعزم اذا ما الليل مد رواقه
    يكر على ظلمائه فينير
    اخو كلف بالمجد لا يستفزه
    مهاد اذا جن الظلام وثير
    اذا ما طوى يوما على السر كشحه
    فليس له حتى الممات نشور
    و اني و ان كنت الممنع جاره
    لتسبي فؤادي اعين وثغور
    و ما تعتريني فترة في مدى
    العلا ال ان ارى لحظا عليه فتور
    و في السرب من نجد تعلقت
    ظبية تصول على البابنا و تغير
    و تمنع ميسور الكلام اخا الهدى
    و تبخل حتى بالخيال يزور

    ابن زمرك

صوت وصورة
كرنفال يجوب شوارع طانطان
الإثنين 2 نونبر 2026 - 11:40 1

كرنفال يجوب شوارع طانطان

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك
الأحد 1 نونبر 2026 - 21:00 1

حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك

صوت وصورة
وفرة الأسماك في الأسواق
الأحد 1 نونبر 2026 - 19:39 12

وفرة الأسماك في الأسواق

صوت وصورة
أسعار الطماطم تغضب المغاربة
الأحد 1 نونبر 2026 - 17:58 12

أسعار الطماطم تغضب المغاربة

صوت وصورة
وقفة ضد "رسوم الجامعة"
الأحد 1 نونبر 2026 - 15:34 5

وقفة ضد "رسوم الجامعة"

صوت وصورة
طانطان تحتفي بالتراث الحساني
الأحد 1 نونبر 2026 - 13:45 2

طانطان تحتفي بالتراث الحساني