قضيّـة الشهيد محسن فكري .. الاستقرار مقابل "الحُكَرة"!

قضيّـة الشهيد محسن فكري .. الاستقرار مقابل "الحُكَرة"!
الخميس 3 نونبر 2016 - 06:49

كَم كان مشهد “طَحن” الشاب محسن فكري في شاحنة لجمع النفايات بمدينة الحسيمة أليمًا وقاسيا استفزّ كل المشاعر الحية واستنفر شتى المواقف، مشهد لم يسبق له أن وقع أو حدث بالشكل الفظيع الذي رأيناه، رغم أنها كثيرة هي المشاهد والصور التي تناقلتها وسائل الإعلام في وقت سابق عن الإهانات التي تعرض لها المواطنون في هذا البلد السعيد- التعيس.. البلد والوطن المكلوم.. الوطن الجريح.. الوطن المغدور.. الوطن المغلوب على أمره؛ ومع ذلك فهو وطن العزّة والكرامة والرجال الأحرار.. وطن ينتصر للكرامة والحرية، رغم “الحُكَرة” والبطش والظلم والإذلال وانتهاك كرامة المواطن- الإنسان، وقديما قيل: إرادة الشعوب لا تقهر ولا تهزم.

كل شيء بدأ، بل كل شيء انتهى، حينما أجهزت و”طحنت” شاحنة الأزبال التابعة لإحدى الشركات بالحسيمة أضلاع الشهيد محسن فكري، الشاب ذي الـ31 ربيعا، في مشهد مرعب ومُؤثر وبصورة توحي بمظاهر استرخاص كرامة المواطن، وبطش الدولة وعدم احترام حقوق الإنسان، وتفشي الشطط في استعمال السلطة، بل وتنم عن عقليّة متجذرة وبنيوية تسكن المؤسسات والإدارات وذهنية الكثير من المسؤولين ورجال السلطة مِمَّن ينهج أسلوب الترهيب و”الحكَرة”.

وبالسرعة نفسها التي تم بها الإجهاز على شاب ريفي اختار الكفاح من أجل لقمة عيش وحد أدنى من الكرامة ومقاومة الظلم والإهانة، كانت سرعة الغضب الشعبي والجماهيري تتزايد وتتسع رقعتها داخل وخارج المغرب.. غضب ردَّدَ بصوت واحد: كلنا محسن فكري.

وإذا كانت هذه القضية استأثرت بمتابعة الرأي العام الوطني والدولي، وأصبحت حديث القنوات والفضائيات ووسائل الإعلام وفضاءات التواصل الاجتماعي عبر دول المعمور، وتمَّ تناقل الصورة- المشهد المرعب لمقتل محسن فكري وهو “يُطْحَن” كأنه ركام أزبال أو نفايات – وليس إنسان- على نطاق واسع، حتى تعالت الأصوات المُردِّدَة لـ: لا للحكَرة. لا للظلم. لا للسلطوية. لا للإهانة. لا للقمع والبطش… ففي أقل من 48 ساعة خرجت مسيرات حاشدة وسلمية في أزيد من 20 مدينة وبلدة، بمشاركة العشرات الآلاف من المواطنين، نساء ورجال، صغار وشيوخ، وكانت مدينة الحسيمة واحتجاجات ساكنتها في قلب الحدث، وفي مقدمة المستوى الحضاري والتلقائي لنضالات جماهيرية ترفض الخنوع والخضوع والركوع، كما كان ذلك أبلغ رسالة ودرسٍ حكيم لمن يريد أن يَعْتَبِر.

في خضم هذا الحراك، تحركت الآلة المخزنية في كل اتجاه ساعية إلى إخماد “نار الفتنة” النائمة، تارة بالكلام والوعود المعسولة لكبار المسؤولين، وتارة أخرى بنشر سموم خطاب فاشل وأسطوانة مهترئة لم تعد حيلها وخلفياتها تجدي في شيء، بل وغير قادرة على إيقاف زحف الربيع وبزوغ شمس التحرر من الخوف والقمع والإهانة والتسلط، كما تعالت الأصوات الحرّة في كل جهة.. بل ولا شيء من كل هذه الأشياء استطاع النيل من عزيمة وإرادة الأحرار. وبسرعة لجأت الأجهزة الخفية إلى إخراج سلاح “تهديد الاستقرار” وإشعال “نار الفتنة” و”تقسيم البلد”، وكذا استعمال مقولة خدمة “أجندة خارجية” تتربص بالوطن وبأمن المغرب، وكأن الاستقرار والأمن مشروطان ومقرونان بضرورة الخضوع والقبول بـ”الحكَرة”.. وتمّ الترويج لشعار “الاستقرار مقابل الظلم”، على شاكلة ما كنا نسمع به في الشرق الأوسط من خلال مقولات: “الأرض مقابل السلام”، أو ا”لنفط مقابل الغذاء”، وهو الخطاب الذي تعزَّز بترويج ترهات من قبيل “الأوباش” و”الانفصاليون”…من طرف مسخرين لزرع الحقد والكراهية والخطاب العنصري، لاسيما من طرف بعض دعاة “الوعظ”، كأنهم حراس حفظ الوطن من التشرذم والانقسام، رغم أن الفتنة الحقيقية هي التي يوقد نارها وفتيلها هؤلاء المنبطحون.

وبدل الانكباب على قراءة الدروس المستخلصة من عِبرة إرادة الشعوب والأصوات الحرة حينما تنتفض من أجل الكرامة وعزة النفس والعيش الكريم، وضد الغطرسة والذل وواقع “الحكَرة” والتهميش، يبدو أن القائمين على أمر هذا الوطن لا يستفيدون من العبر إلاّ حينما يضيق بهم الحال مع اشتداد الغضب الشعبي، إذ سرعان ما تعود حليمة إلى عادتها القديمة وأسلوبها المعتاد. لكن، ومهما يكن، فأبلغ رسالة تستفاد من الاحتجاجات التي اندلعت مؤخرا، تكمن في أن صوت “الأغلبية الصامتة” أو “الأغلبية المهمشة” صوت أقوى من كل شيء.. صوت لا يستسلم ولا يخشى لعبة المخزن..صوت استطاع أن يتحرر من الخوف والتخويف، وصار أقوى على التصدي ومواجهة “سيف” السلطة والحاكمين والمُتحكِّمين.. صوت يضع أسطوانة “الاستثناء المغربي” أمام المحك، كما يضعه وجها لوجه في مواجهة الحقيقة التاريخيّة والواقع القائم.. صوت يستطيع أن يكشف ويبعثر أوراق النظام حينما تتمادى السلطة في تسلطها، والدولة في غيِّها، والقائمون عليها في شططهم.

مرة أخرى، رحم الله شهيد “الحكَرة”، الشاب محسن فكري، سليل الأرض الطيبة، أرض المجاهدين والأحرار. المجد لكل صوت حر ينتصر للكرامة والحرية والعدالة. والأكيد أن الرسالة وصلت، ومن صار على الدّرب وصل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • ملاحظ
    الخميس 3 نونبر 2016 - 08:40

    لا وجود للحكرة هناك ضسارة وكل واحد بغي يخرق القانون المخزن ماكالش لفكري طلع الشاحنة هو المسؤول على نفسه سدو علينا هاذ الموضوع

  • هشام
    الخميس 3 نونبر 2016 - 10:39

    ألى صاحب التعليق 1
    ملك المغرب يتحدث عن الإدارة المغربية والحكرة وأن المواطن المغربي ليس له قيمة وأن البرلمانيين بخدمون مصالح أبناءهم وأحزابهم

    وأنت تقول ماكاينش الحكرة
    صباح النووووووور

  • Freethinker
    الخميس 3 نونبر 2016 - 11:05

    سيدي الفاضل، لنتكلم بلغة العقل بكل هدوء ورصانة: هذا حادث مأساوي يجري التحقيق فيه ولا نعرف ملابساته حتى الآن وإن كان عن عمد أم لا. وأنا متأكدة من أنه لو وقع في أي مكان آخر في المغرب لما وقع تضخيمه وتهويله بهذا الشكل. الخلاصة أن أطرافا داخلية وخارجية استغلت حادثا مأساويا لتصفية حسابات ضيقة مع "المخزن" ومحاولة إشعال فتيل "ثورة" أو فتنة بالأحرى. الذي دعا إلى التهدئة وحل المشاكل بالتظاهر السلمي والحوار لا العنف والانفلات الأمني ليس "المخزن" وإنما غالبية المواطنين الذين أفتخر بوعيهم ونضجهم. نحن جميعا ضد الظلم والاستبداد لكننا بالمرصاد لمن يريد الاصطياد في الماء العكر ولا عزاء للحاقدين الذين يكيدون للبلد ليل نهار

  • التخويف
    الخميس 3 نونبر 2016 - 12:57

    في الاونة الاخيرة بعد زوبعة ما سمي بالربيع العربي وسقوط بعض الانظمة . بعض الانظمة التي نجت من السقوط لجات الى تخويف شعوبها من مغبة التظاهر ووضعتها امام خيارين كلاهما مر . اما الخنوع او داعش .

  • زهير السلاوي
    الخميس 3 نونبر 2016 - 14:27

    سلام الله عليكم، واقعة طحن المرحوم محسن فكري وما تلاه من أحداث ما هو إلا نتاج الحكرة المتناهية والمتفشية في مدن الريف بالخصوص. وانتفاض الساكنة بهذه الحدة هو كون الحكرة وصلات ل طوب "TOP" وصلات العظم. فكفى حكرة وإهانة لسكان هذه المناطق الريفية (بالخصوص) من وطننا الحبيب. وكفى من تغليط الشعب بكون الريفيين يستغلون الحدث لإشعال الفتنة وهم يطلبون فقط التطبيق السليم للقانون وإحقاق الحق ومحاسبة الجناة الفعليين و….

  • citoyenne du monde
    الخميس 3 نونبر 2016 - 23:48

    Quand l’État perd sa crédibilité tout est perdu. Vu le nombre de dossiers emblématiques en suspens que les marocains n'ont pas oublié et n'ont aucune intention d'oublier, que ce soit la responsabilité dans la mort tragique de Mi Fatiha, ou le crime de Qaid Eddarwa qui a violé la sainteté du mariage et dont les victimes sont en prison, ou mem Igdim Izzig,etc. les citoyens de ce pays sinistré ont le droit de douter de l'issu de l’enquête qui va surement se contenter de quelques boucs-émissaires. .

صوت وصورة
منع الأطفال من السوشل ميديا
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 12:49

منع الأطفال من السوشل ميديا

صوت وصورة
منحة الزواج  بين الترحيب والتحفظ
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 10:27 15

منحة الزواج بين الترحيب والتحفظ

صوت وصورة
أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 08:41 2

أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية

صوت وصورة
الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:16 4

الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد

صوت وصورة
مجلس النواب يُنصب الحكومة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 20:25 5

مجلس النواب يُنصب الحكومة

صوت وصورة
المنصوري ترد على الأزمي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 19:10 24

المنصوري ترد على الأزمي