مرثيّة

مرثيّة
صورة: أرشيف
الأحد 26 أبريل 2026 - 08:40

غدًا… تكمل الغياب عامه الثاني والعشرين، وتبقى الأم حضورًا لا يُقاس بالسنين.

“اثنان وعشرون عامًا من الغياب أماه… ووجهك ما زال يُضيء الطريق”، يا عالم..!

هكذا، تمرّ الأعوام يا أمي كأنها أوراق خريفٍ تذروها الريح، لكنكِ لستِ ورقةً تُنسى، بل جذرٌ ضاربٌ في عمق الروح، كلما حاول الزمن القاسي أن يطمسه، ازداد رسوخًا وامتدادًا. اثنان وعشرون عامًا على رحيلك، وما زال الغياب طازجًا كأنه حدث البارحة، وما زالت ملامحك تتسلل إلى تفاصيل يومي دون استئذان.

يقولون إن الزمن كفيلٌ بأن يُنسي، لكنهم لم يعرفوا معنى أن تكون الأم ذاكرةً تمشي في الجسد، ونبضًا لا يغادر القلب. أنتِ يا أمي لستِ ذكرى، بل حياةٌ أخرى أعيشها في الخفاء؛ في تفاصيل معاشي اليموي، في صمتي، في ارتباكي، في لحظات ضعفي التي كنتِ وحدكِ تعرفين كيف تحتوينها.
منذ رحيلك، تغيّر ترتيب العالم. لم تعد الأشياء كما كانت، ولم تعد الأيام تحمل ذات الطمأنينة. كأن جزءًا من الكون انكسر بصمت يوم غادرتِ دون سابق انظار، وترك غيابك في داخلي فراغًا لا يملؤه شيء. كنتِ الوطن حين تضيق الأوطان، والظل حين تشتدّ حرارة الحياة، واليد التي لا تتعب من العطاء.

اثنان وعشرون عامًا، يا أمي، وأنا معية اخوتي أتعلم كيف أعيش بدونك، لكنني لم أتعلم كيف أنساك. كل الطرق التي سلكتها كانت تحمل أثر خطواتك منذ سيرتك في الزاوية، وفي بني ورياغل، بل وفي كل ترحالنا مع أب جندي تعلم كيف يتعايش مع الظروف القاسية، وكل القرارات التي اتخذتها كنتِ حاضرةً فيها، كأنكِ لم ترحلي، بل انتقلتِ إلى مكانٍ أعمق في داخلي.

في غيابك، كبرتُ على عجل. تعلّمتُ أن أخبئ دموعي، وأن أبتسم حين يجب أن أبكي، وأن أواجه الحياة بما تبقى منكِ فيَّ من صبرٍ وإيمان. كنتِ مدرستي الأولى، وما زلتِ درسي الذي لا ينتهي.

رحلتِ جسدًا، لكنكِ بقيتِ دعاءً لا ينقطع، وذكرى تُنبت في القلب حنينًا لا يشيخ. كلما مرّ طيفك، شعرتُ أني أقترب منكِ أكثر، وأن المسافة بيننا ليست سوى وهمٍ يصنعه الغياب.

يا أمي…

في ذكراكِ الثانية والعشرين، لا أبكيكِ لأنكِ رحلتِ، بل أبكي لأن العالم بعدكِ لم يعد كما كان. أبكي لأن حضنكِ الذي كان يُرمّم انكساراتي لم يعد هنا، ولأن صوتكِ الذي كان يُهدئ عواصفي صار صدى بعيدًا في الذاكرة.

ومع ذلك… أبتسم.

لأنكِ كنتِ هنا يومًا، ولأنكِ تركتِ فيَّ ما يكفي لأواصل الطريق.

رحمكِ الله يا أمي، وجعل مثواكِ الجنة، وجعل ذكراكِ نورًا لا ينطفئ في قلبي ما حييت.

ذات ذكرى لا تنسى..

Quand l’amour propre est satisfait le reste importe peu

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • الإنكسار الصعب .
    الأحد 26 أبريل 2026 - 19:29

    لقد كنت شاهدا على مشهد يتكرر كل عزاء ، فبينما يجد الكثيرون سبيلا لتقبل موت الأم ، ينهار البنيان كليا عند موت الابن ، شاهدت قامات تنهار لرجال أشد صلابة من الجبال ، شاهدت الحادث الجلل يلقي بهم قهرا إلى أحضان فاجعة حزن يفوق الاحتمال . رغم كل شيء نحن نتقبل موت الآباء ، او نتعاطف قليلا مع موت الإخوة ، و الأخوات ، ولكن ولا أحد يستطيع أن يعود لطبعه الذي كان قبل وفاة الأبناء . إن موت الأبناء أقسى ما يواجه الإنسان فلا العيد يبقى بنفس الحلاوة ولا تزويج غيره من الأبناء يكون يوم فرح وحبور .

  • MC
    الأحد 26 أبريل 2026 - 20:52

    أَحِنُّ إِلَى الكَأْسِ الَّتِي شَرِبَتْ بِهَا .. وَأَهْوَى لِمَثْوَاهَا التُّرَابَ وَمَا ضَمَّا
    “I yearn for the cup from which she drank, and I cherish the very soil where she rests and whatever it encompasses”
    المتنبي

    “The bitterest tears shed over graves are for words left unsaid and deeds left undone”
    “أَمَرُّ الدموع التي تُذْرَفُ على القبور هي بسبب كلمات لم تُقَل وأفعال لم تُنجَز”
    H Stowe

    يا أخي،
    لقد أيقظت فيَّ حنيناً جارحاً، فقد رحلت أمي منذ أعوام، لكن طيف وجهها يطاردني في كل لحظة وكأنها فارقتنا بالأمس فقط. إن الوجع الحقيقي الذي يرافقني هو غصة ذلك الوداع الذي ضاع مني في دروب الهجرة، وهو الثمن المرّ الذي ندفعه مقابل اغترابنا حين لا تسعفنا اللحظات لنقول “وداعاً”. تلك المرأة الريفية الأبية، التي نبتت في شموخ جبال الريف وعاشت حياتها بقلب مؤمن لم يعرف القراءة والكتابة لكنه قرأ أسرار الحياة والوفاء، ترقد الآن هناك في أرض الأجداد، تاركة خلفها اتساعاً من الفقد لا تملؤه الدنيا وما فيها.
    “الحب الذي نناله من أمهاتنا هو القوة الوحيدة التي لا تهزمها الأيام، حتى بعد الغياب”

    ALHOCEIMA

  • منقول ..
    الإثنين 27 أبريل 2026 - 11:28

    ​”لماذا نتقبل رحيل الآباء بينما يظل موت الأبناء جرحاً لا يلتئم؟ ربما لأن الطبيعة عوّدتنا على تراتبيةٍ منطقية للحياة، تجعل من رحيل الآباء جزءاً متوقعاً من السنن الكونية. أما رحيل الأبناء فهو استثناءٌ قاسٍ يكسر نواميس الفطرة؛ ففي هذا المشهد، تجد نفسك تودّع من كنت تؤمن تماماً بأنه سيودّعك يوماً ما، وتدفن من كنت ترجو أن يحمل هو أمانة دفنك.
    ​إن فقدان الابن هو انهيارٌ مفاجئ لكل ملامح المستقبل؛ هو تلاشٍ لأحلامٍ كانت تُبنى يوماً بيوم، من لحظة التخرج، إلى مراسم الزفاف، حتى ضجيج الأحفاد الذين طالما تخيلناهم يملؤون البيت صخباً وحياة. هو ليس مجرد رحيل، بل هو فقدانٌ للسند الذي كنا نؤمله في عجزنا، وسقوطٌ لثمار استثمارٍ طويلٍ أفنينا فيه خريف العمر، لنصحو فجأة على فراغٍ لم تكن النفس يوماً مستعدةً لمواجهته.”

صوت وصورة
الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:16 2

الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد

صوت وصورة
مجلس النواب يُنصب الحكومة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 20:25 4

مجلس النواب يُنصب الحكومة

صوت وصورة
المنصوري ترد على الأزمي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 19:10 21

المنصوري ترد على الأزمي

صوت وصورة
التصويت على البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:32 7

التصويت على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
الرميلي تعلن شرطة النظافة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:10 4

الرميلي تعلن شرطة النظافة

صوت وصورة
البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45 5

البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة