في عتمة شارع خافت الضوء، حيث تتوارى المبادئ وتكشف الظلال عن خبايا المشهد السياسي، تقف العين على مشهد لا يملك المرء إزاءه إلا أن يعتصر قلبه أسا واستنكارا. نحن عشية انتخابات تشريعية يفترض فيها أن تكون عرسا للديمقراطية، وموعدا لترسيخ الوعي، ومناسبة لتقديم البرامج والنخب التي تقود البلد نحو الغد المنير. لكن، أين نحن من هذا كله؟
على بعد خطوات من قارعة الطريق التي تخترقها السيارات، تقف ثلة من شباب هذا الوطن، شباب ينضح سيماهم بالخير، وتشي وجوههم بطاقة هدرها العوز، أعمارهم تتجاوز العشرين، ارتدوا صدريات ملونة تحمل شعارات براقة لحزب ما. هؤلاء الشباب، الذين كان يفترض أن يكونوا هم الفكر، والوعي، والساعد المحرك للمستقبل، تحولوا بفعل الحاجة والصفقات الموسمية الرخيصة إلى مجرد أداة مأجورة لتلويث الفضاء العام ونشر النفايات الورقية في الشوارع! رأيتهم بأم العين يتخلصون من أكوام من المنشورات الانتخابية برميها عشوائيا في الجو لتهوي في عرض الشارع، دون أن يرف لهم جفن، وكأن المهمة ليست إقناع المواطن، المهمة التخلص التام من ثقل الورق للتخلص من عبء الحملة واستخلاص الأجرة اليومية!
أي انحطاط وصلنا إليه في حملاتنا الانتخابية؟ وأي عبث هذا الذي يمارسه من يسمون أنفسهم حماة الوطن وممثلي الأمة؟ إن رمي تلك الورقيات على الأرض والتخلص منها كقمامة عشوائية هو أكثر من مجرد خطأ فردي أو سلوك طائش من شبان معطلين، إنه التكثيف الصريح للفلسفة التي تدير بها الأحزاب السياسية حملاتها: فلسفة اغراق الشوارع بالقمامة الورقية بدلا من النقاش الفكري، والرمي العشوائي بدلا من الإقناع المباشر.
إن تلك المنشورات التي ترمى عشوائيا لتطأها أقدام المشاة وعجلات السيارات، لم تكتب بلغة غريبة عن هذا المجتمع، بل كتبت بالحرف العربي، اللغة التي شرفها الله وكرمها بأن جعلها لسان القرآن الكريم، ولغة أهل الجنة، ولغة البيان والحساب والعقاب. لغة تحمل بين حروفها أسماء قد تكون مقدسة، أو كلمات تضم اسم الجلالة أو اسم النبي الكريم، تترك هكذا تحت الرحمة الكاذبة لشارع مظلم، لتدوسها الأقدام وتتمرغ في التراب! ألهذه الدرجة انعدم الحس الأخلاقي والرمزي لدى الساسة وموجهي الحملات؟ ألم يعد للحرف حرمة، ولا للكلمة قيمة، ولا للشارع احترام؟
ولعل أشد ما يثير الحنق والتقزز في ذلك المشهد الليلي الكئيب، أكثر من تصرف أولئك الشباب الذين ألقوا المنشورات كالنفاية، هو رد رجل مسن كان يسير خلفهم يرتدي الصدرية ذاتها. رجل تجاوز الستين، يفترض أن يكون بحكم سنه حكيما، وموجها، وواعيا بحرمة الشارع ورمزية الفعل، لكنه حين سمع كلماتي المستنكرة: “يا لها من مهزلة!”، لم يجد في جعبته تبريرا، ولا خجلا، إذ أطلق تلك العبارة التافهة المستهلكة التي أصبحت ممسحة لكل عجز وسقوط: “هذا ما أرادته الدولة.”
أي تهرب هذا من المسؤولية الأخلاقية والمدنية؟ هل الدولة هي من أمرتكم برمي الورق عشوائيا في الشارع وتثقيل كاهل المدينة بالقمامة؟ هل الدولة هي من جبرتكم على تلوث الفضاء العام وإهانة الحرف العربي؟ أم أن شماعة “الدولة” أصبحت ملجأ سهلا لكل من يمارس العبث وينسحب من واجبه الإنساني والأخلاقي؟ إن هذا التبرير ليس إلا دليلا قاطعا على السقوط التام في الوعي السياسي، حيث يتحول الجميع – من الشيخ المسن إلى الشاب الفتي- إلى مجرد أدوات سلبية تسير في قطيع لا يعرف أين يذهب، ولا ماذا يفعل، تراه ينفذ تعليمات سريعة للتخلص من الأوراق برميها في الطرقات في مقابل دريهمات معدودة.
إن القضية هنا لا تخص حزبا بعينه، فلست بصدد تصفية حسابات مع فصيل دون آخر. إنها ظاهرة تعم الخريطة السياسية الوطنية بلا استثناء، أحزاب تدعي النضال والديمقراطية والتنمية، لكنها عند أول امتحان ميداني تتسابق في استغلال عوز الشباب وعطالتهم. تأخذ شبابا في مقتضى العمر، بدل أن تدربهم على النقاش السياسي، وتسلحهم بالأفكار، وتشركهم في بناء البرامج، تحولهم إلى عمال سخرة مؤقتين، يدفعون لهم أجرة يومية بخسة ليرددوا شعارات فضفاضة لا يفقهون معناها، وليوزعوا مطبوعات لا يقرأها أحد، ثم يوعزون لهم أو يغضون الطرف عنهم وهم يتخلصون منها برميها في الشارع العام ليتحول الفضاء الوطني إلى مزبلة لمطوياتهم!
أي رسالة ترسلها هذه الأحزاب للشباب؟ رسالة مفادها أن السياسة مجرد تجارة موسمية، وأن الصوت والمبدأ والورقة كلها أشياء يتاجر بها، تلقى في القمامة وعلى قارعة الطريق بمجرد انقضاء ساعات العمل!
إن السقوط الأخلاقي لجملة من هذه الأحزاب السياسية لا يتوقف عند حدود التلوث البصري وإهانة الحرف العربي واستغلال الشباب المعطل، إنه يتعداه إلى إلحاق أذى مباشر بشريحة صامتة وكادحة من أبناء هذا الوطن: إنهم عمال النظافة البسطاء، “الدراويش” القابعون في أسفل السلم الاجتماعي. هؤلاء الرجال الذين يخرجون في هزيع الليل الأخير وفي حر النهار، يقوسون ظهورهم المجهدة ليرفعوا عن شوارعنا أوساخنا وآفات سلوكياتنا.
بأي ذنب يحكم على هؤلاء العمال الكادحين بكنس مئات الكيلوغرامات من الورق الملقى عشوائيا في الطرقات؟ بأي حق يحول مرشح يقبع في برج عاجي، يملك الملايين ويسعى للوصول إلى القبة البرلمانية، شوارع المدينة إلى ساحة زبل وإجهاد مضاعف لأناس لا يملكون من قسوة الحياة إلا قوت يومهم البسيط؟ إن رمي تلك المنشورات على قارعة الطريق هو إهانة مباشرة لكرامة العامل البسيط، واستخفاف بعرقه وجهده، وتأكيد حقيقي على أن هذه الأحزاب -مهما رفعت من شعارات العدالة الاجتماعية والكرامة والإنسانية- لا ترى في المواطن الضعيف إلا جدارا قصيرا تطأ عليه لتصل إلى مآربها.
ترى، ماذا يتبقى من “الحملة الانتخابية” عندما تجرد من الفكر والنقاش والبرامج وتتحول إلى رمي عشوائي للمنشورات؟ إن ما شهدناه في ذلك الشارع المظلم هو الصورة المصغرة والواقعية لواقع الممارسة السياسية الحزبية ببلادنا: خواء فكري مطبق، واستسهال بشع، وغياب تام لأي رؤية تنموية أو مجتمعية حقيقية.
تلك المنشورات المرمية، والتي لم يقرأها أحد ولن يلتقطها أحد من فوق أجهزة الإسفلت، تحمل صور وجوه باسمة بوقاحة، وأسماء رنانة، وشعارات فضفاضة تدبج في المكاتب المكيفة لتباع للدهماء. صور وضعت لتطأ بالأقدام، وشعارات وزعت لتلقى في القمامة، تماما كما تلقى الوعود الانتخابية في سلة المهملات بمجرد إعلان النتائج وإغلاق صناديق الاقتراع. إنه العبث في أبهى تجلياته، عبث يدفع ثمنه الوطن من بيئته، وأخلاقه، ووعي أبنائه.
ونحن على بعد ساعات قليلة من الاستحقاق التشريعي لـ 23 شتنبر، يقف المواطن المكتوي بغلاء الأسعار، وتدني الخدمات، وضبابية المستقبل، ليطرح السؤال الحارق: هل من يلوث الشارع قادر على بناء الوطن؟ هل من يستغل فقر الشباب وعطالتهم ليجعل منهم أدوات لتوزيع وتلويث الفضاء العام صالح لأن يؤتمن على تشريع القوانين وإدارة أزمات البلاد؟
إن الحزب الذي يفشل في تنظيم حملة استعراضية بسيطة محترمة للبيئة وللشارع وللغة العربية وللإنسان، هو حزب فاشل بامتياز في إدارة المرفق العام. وإن المرشح الذي يرى في رمي صورته واسمه على الأرض وسيلة للوصول إلى البرلمان، إنما يعكس نظرته الحقيقية للوطن والمواطنين: مجرد أرقام وهامش هامشي يداس بعد انتهاء اللعبة.
هذه صيحة نذير وصرخة استنكار في وجه هذا الفساد السلوكي الذي أزكمت رائحته الأنوف. كفوا عن إهانة هذا الشعب! كفوا عن استغلال حاجة شبابه وتفريغ عقولهم! كفوا عن إهانة الحرف العربي وتلويث الفضاء العام!
إن الشارع ملك للجميع، والحرف العربي أمانة ومقدس، وعمال النظافة تاج على رؤوس الكبراء قبل الصغار. وإذا كانت الأحزاب قد ارتضت لنفسها أن تكون معاملا لإنتاج النفايات والأوهام، فإن للمواطن الوعي الكامل والحق المطلق في أن يزن هذه الممارسات الشائنة، ويعلم أن من لم يحترم حرمة الشارع ونظافته وكرامة إنسانه في الحملة، لن يحترم حقوقه وعزته تحت قبة البرلمان.
فيا أحزاب الوطن.. أفيقوا من سباتكم، فما هكذا تدار الحملات، وما هكذا يبنى الوطن!
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.