"أولمبياد الفلسفة" في الثانويات .. تشجيع للمواهب يراهن على التفكير والتنوير

"أولمبياد الفلسفة" في الثانويات .. تشجيع للمواهب يراهن على التفكير والتنوير
صورة: و.م.ع
الجمعة 31 مارس 2023 - 04:00

بشعارات تمتح من قيم الحرية والتنوير والتعدد والفكر النقدي، تنظم بمجموعة من المؤسسات الثانوية المغربية “أولمبياد الفلسفة” التي يُصَيَّر فيها التنافس بين التلاميذ تنافسَ حجاج وبرهان وبلاغة وخطابة، وهي منافسة بدأت منذ سنوات، وجرى تبنيها رسميا.

محمد الشبة، باحث في مجال ديداكتيك الفلسفة وكاتب سلسلتي “تحليل النص الفلسفي” و”الفلسفة والحياة”، قال إن أولمبياد الفلسفة يروم تحقيق غايات من بينها “تشجيع المواهب الفلسفية لدى المتعلمين”، باتخاذ شكل “مسابقة في الكتابة الإنشائية الفلسفية، وشكل مناظرة تعتمد على تقنيات وآليات التواصل الفلسفي الشفهي”.

وذكر الشبة في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية أن “الرهان التربوي والتنويري” يظلُّ “المقصد الأسمى لمبادرة الأولمبياد الفلسفي”؛ لكونه يتوجه “بالدرجة الأولى إلى المتعلمين باعتبارهم أطر الغد، فيسعى إلى تطوير قدراتهم العقلية وتوسيع مداركهم الفكرية، وتزويدهم بقيم التفكير الفلسفي، التي هي قيم الحق والخير والجمال”، وهو ما يسهم بدوره في “إعادة الاعتبار لمكانة الفلسفة في المنظومة التربوية، من أجل أن يتم الإقبال عليها والاستفادة من خيراتها الفكرية، ومن أجل أن تضطلع بدورها الأساسي في تنوير المجتمع، والمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة للوطن وللإنسانية جمعاء”.

ثم أضاف المتحدث: “إذا كنا نعلم أن الفلاسفة في تاريخ أي أمة هم أشخاص قلائل، مقارنة مع الغالبية العظمى من الجمهور، فإنه يمكن القول (…) إن المتعلمين الذين يتمكنون من كتابة إنشاء فلسفي متميز هم أيضا قلائل مقارنة مع الغالبية العظمى من المتعلمين؛ وهذا يبين أن هؤلاء المتميزين في الكتابة الفلسفية يمتلكون موهبة أو ملكة فطرية تؤهلهم أكثر من غيرهم للتفوق في الكتابة الفلسفية، هذا إضافة إلى ما يقومون به من مجهود من أجل صقل هذه الموهبة عن طريق القراءة والكتابة”.

ولهذا فإن “الأولمبياد الفلسفي فرصة لهؤلاء المتفوقين من أجل أن يبرزوا قدراتهم ومهاراتهم في التفلسف، وينالوا بالتالي الدعم والتشجيع من طرف الجهات المنظمة لهذا الأولمبياد، عن طريق منحهم جوائز تشجيعية وشهادات تقديرية، خصوصا أننا نعلم أن مثل هؤلاء المتعلمين الموهوبين والمتفوقين فلسفيا هم مشاريع لكتاب ومفكري وفلاسفة المستقبل؛ إذ غالبا ما تظهر بوادر المفكر أو الفيلسوف في المرحلة التعليمية التي تسبق الباكلوريا، لكي تنمو وتزدهر بعد ذلك بشكل تدريجي مع توالي فعلي القراءة والكتابة”، وفق الباحث ذاته.

وتابع الشبة بأن “أولمبياد الفلسفة” فرصة أيضا لـ”تطوير الكفايات المنهجية والتواصلية لدى المتعلمين”؛ نظرا لما يتخلل المسابقة من “ورشات يعمل من خلالها المدرسون والمؤطرون التربويون على تدريب التلاميذ على الكتابة الإنشائية الفلسفية، ما يساهم في تزويدهم بمجموعة من الآليات والمهارات والقدرات المنهجية التي تتطلبها الكتابة الفلسفية وترسيخها لديهم”، إضافة إلى “تدريبهم على اكتساب تقنيات التعبير العقلي والتواصل الفلسفي، لكي يصبحوا قادرين على الدفاع عن أفكارهم وآرائهم بحجج وبراهين مقنعة ومناسبة”.

ومن أدوار هذه “الأولمبياد” أيضا “تشجيع المتعلمين على القراءة وتوسيع مداركهم العقلية”؛ فالمتعلم، وفق محمد الشبة، “حينما يكون مقبلا على خوض غمار التباري في الأولمبياد الفلسفي، الذي قد يتخذ صيغة كتابية أو شفهية، يكون ملزما بأن يتزود بمجموعة من المعارف الفلسفية التي تؤهله للتفوق في هذه المسابقة؛ وهذا لن يتأتى له إلا عن طريق الاطلاع المعمق على محتويات المقررات الدراسية، وقراءة بعض الكتب والمصادر والنصوص المساعدة، ما يساهم في إثراء الرصيد المعرفي والثقافي لدى هؤلاء المتعلمين المتبارين”.

كما أن من الأدوار التي تؤديها مثل هذه المسابقات “ترسيخ قيم الحوار والإنصات والتسامح والقبول بالاختلاف؛ لأن الأولمبياد الفلسفي هو فرصة لترسيخ قواعد الحوار الفلسفي والمناظرة الفكرية لدى المتبارين، وتزويدهم بقيم الإنصات إلى الآخر والاعتراف له بحقه في الاختلاف، والإعلاء من قيمة الحجة العقلية والبرهان الفلسفي في الدفاع عن الآراء والمواقف”، وهو ما يسهم في “إشاعة التفكير النقدي والحجاجي في الوسط المدرسي والمجتمعي”، فضلا عن “تثمين حرية التعبير والاعتزاز بالذات”، نظرا لتشكيل هذا الموعد “أغورا” تتيح للمتعلم “إبراز مواهبه وقدراته، والتعبير بشكل حر عن أفكاره، ما يسمح له بالإحساس الإيجابي بذاته، والاعتزاز بما يملكه من مهارات وقدرات في الكتابة والتعبير الفلسفيين”، وفق المصدر ذاته.

وبما أن أولمبياد الفلسفة “لا يُملى من فوق”، بل يصدر عن “جهات ومبادرات محبة للفلسفة، وتحركها الرغبة في إشاعة روح التفلسف، والارتقاء بطرائق الدرس الفلسفي، وتحقيق الكفايات المنهجية والمعرفية والقيمية المتوخاة منه”، فإنه أداة لـ”تحفيز مدرسي الفلسفة الباحثين، والمبادرين لتنشيط الحياة الثقافية المدرسية، من أجل مواصلة مجهوداتهم في تحقيق أهدافهم الثقافية والتربوية النبيلة داخل الأوساط المدرسية”. كما ينتج عن مثل هذه المسابقات المدرسية، وفق المصرح، “توسيع دائرة الاهتمام بالفلسفة”.

ثم استرسل الشبة شارحا: “إذا كانت الفلسفة غالبا ما يتم التوجس منها ونعتها بأوصاف سلبية من طرف غير المهتمين بها فإن من شأن تنظيم الأولمبياد الفلسفي أن يعيد لها الاعتبار اللائق بها، ويحفز شريحة واسعة من المتعلمين على الإقبال عليها، والوقوف عن قرب على أهميتها وفائدتها بالنسبة للفرد والمجتمع على حد سواء”.

وبأولمبياد الفلسفة، وأولمبياد مواد أخرى، تُعزَّز، حَسَبَ الباحث، “مكانة منظومة التربية والتكوين”؛ لأن تنظيم مسابقات الأولمبياد الفلسفي، وباقي الأولمبياد المتعلقة بالمواد الدراسية الأخرى، وما يتم رصده لها من إمكانات مادية وموارد بشرية وجوائز تحفيزية، “من شأنه أن يعزز مكانة المنظومة التربوية على الصعيد الوطني، ويبرز الأدوار الطلائعية التي تقوم بها في إعداد الأطر والمواهب التي من شأنها أن تشكل قاطرة لقيادة التنمية الثقافية نحو ارتياد آفاق أرحب أوسع”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • ابن مدرسة العربي البناي
    الجمعة 31 مارس 2023 - 04:13

    كنت واحدا من المشاركين في الاولمبياد في مادة الرياضيات تحت اشراف الاستادة الشعبية ، كانت اوقات جميلة كنت احضر يوم الجمعة بعد الزوال الى خزانة المدرسة لاتدرب على مزيد من العمليات والمسائل الرياضية رفقة نخبة من الثلاميذ ، تحية لكل اساتذتي الاجلاء رحم الله من مات واظال عمر من لازال بيننا

  • الفارابي
    الجمعة 31 مارس 2023 - 04:40

    حقيقة يضطلع الفكر الفلسفي بدور مهم في رؤية العالم و تحليله و اعادة تركيبه
    قد يفضح الفكر الفلسفي قدسية الخطابات المؤثرة في المجتمعات و الاديولوجيات المتحكمة خاصة المتخلفة التي لم تعرف ثورة فكرية حقيقية
    إلا أنه من بين المثبطات للفكر الفلسفي المستنير هو اصطدامه بالموروث الثقافي المهيمن ….
    و اضطهاده خاصة من لدن فقهاء الدين الذين يبخسون استغلال الفكر استغلالا حرا .

  • Safa
    الجمعة 31 مارس 2023 - 04:50

    شيء جميل جدًا
    توسيع مجالات التباري و تشجيع القراءة و التفكير في مؤسسات التعليم عوض التركيز على الحفظ و نفخ النقط

  • Badir
    الجمعة 31 مارس 2023 - 08:04

    أداة لـتحفيز مدرسي الفلسفة الباحثين، والمبادرين لتنشيط الحياة الثقافية المدرسية، من أجل مواصلة مجهوداتهم في تحقيق أهدافهم الثقافية والتربوية النبيلة داخل الأوساط المدرسية”. كما ينتج عن مثل هذه المسابقات المدرسية، وفق المصرح، “توسيع دائرة الاهتمام بالفلسفة.
    مبادرة تربوية و فكرية راءدة نتمنى كامل التوفيق و الاستمرارية

  • salah
    الجمعة 31 مارس 2023 - 08:21

    مضيعة للوقت والمال… نحتاج علماء في العلوم التطبيقية حتى يتسنى لنا ان نلحق بالركب اما ان نتفلسف و نسفه الاخرين فهذه فتنة… بالنسبة لي الفلسفة يجب ان تحدف نهاءيا مع تطور العلوم الان والكل يمكن رؤينه و فهمه ولا مجال للتفلسف الخاوي.

  • مواطن مغربي
    الجمعة 31 مارس 2023 - 08:50

    بادرة جيدة لتشجيع التلاميذ على بعد التفكير و النقاش

  • ع.العمراني
    الجمعة 31 مارس 2023 - 09:30

    قيمة الدول والبلدان في وقتنا الحالي مبنية على مدى امتلاكها لناصية العلوم الحقة والتكنولوجيا الحديثة ، أما ثقافة “بلا بلا” في نظري مجرد مضيعة للوقت.

  • حسن باهري
    الجمعة 31 مارس 2023 - 09:54

    بادرة طيبة من شأنها اغناء مجتمع المعرفة وانفتاخ التلاميذ على الثقافة وترسيخ القيم الإنسانية وحرية النقد واتفكير

  • حسن
    الجمعة 31 مارس 2023 - 10:01

    إلى صلاح الذي عليه إصلاح موقفه وتصوره. إذا افترضنا أن موقفك على صواب فما علينا دراسته هو العلوم فقط واللغة الانجليزية ولا مكان للغات الأخرى بما في ذلك اللغة العربية، والفنون والشعر والجغرافيا والتاريخ لأنه يهتم بما مضى وانقضى! فهل هناك عاقل يقول هذا !
    من كلامك يتبين أنك لا تعرف شيئا عن الفلسف وأنا أتأسف لك لأنك ضيعت الكثير عليك، بمعنى آخر إنك لا ترى العالم كما هو هناك حجاب بينك وبين العابم على حقيقته.
    اللحاق بالدول المتقدمة شيء مطلوب أكيد لكن ينبغي أن تعرف أن الفلسفة في هذه الدول لها قيمة قصوى وأهمية كبيرة، فهل أنت أدرى وأعلم من هؤلاء حتى تقول بحذف الفلسفة نهائيا! لذلك ينبغي أن نلحق بهم حتى على المستوى الفلسفي. بالاضافة الى هذا فإنه من المعروف، والذي لا يختلف عليه اثنان، هو أن ” الفلسفة أم العلوم” أي أن العلوم كلها، عدا الرياضيات، كانت فلسفة في البداية.

  • Abdou
    الجمعة 31 مارس 2023 - 10:35

    Une initiative très positive, qui doit avoir des retombés bénéfiques pour la construction mentale et la pensée des enfants afin de contrecarrer le prêt à penser qui domine notre société et lui porte préjudice et handicape son développement, car il ne suffit pas d’apprendre à votre enfant à lire mais à remettre en question ce qu’il lit

  • الحسين
    الجمعة 31 مارس 2023 - 11:20

    لا بارك الله في التفلسف والتنوير التي تؤدي الى انكار وجود الله لو التمرد على أحكام الله وشرعه. وانكار اليوم الاخر والجنة والنار.
    الحمد لله على.نعمة الاسلام والقرآن.

  • مغربي
    الجمعة 31 مارس 2023 - 13:29

    إذا كانت الفلسفة التي يقصدها أصحابنا هي تدمير العقيدة الإسلامية و السير إلى هاوية الكفر فلا مرحبا بالفلسفة و لا مرحبا بهاته المسابقة المشبوهة.

    قاليك ٱش خاصك العريان قالك خاتم أمولاي!

  • مواطن عادي
    الجمعة 31 مارس 2023 - 14:34

    هذا احسن خبر سمعناه منذ ثلاثة عقود. إن يعاد الاعتبار للفلسفة هو أن يعاد الاعتبار للتفكير الحر، وأن تزال بعض الاغلال على العقل بعدما دمر فقه النكد كل شيء منذ 1979.
    نتمنى أن يستمر هذا المشروع وينتشر انتشار واسعا.

  • المخ
    الجمعة 31 مارس 2023 - 19:21

    العالم بدون فلسفة جحيم لا يطاق، الفلسفة هي الحياة هي التنوير هي السلام هي التعايش…

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28 5

محطة عشوائية في حديقة بسلا

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 7

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء