إنهم يريدون إخفاء مدرب "الأسود" عن الخليجيين!

إنهم يريدون إخفاء مدرب "الأسود" عن الخليجيين!
الخميس 26 أبريل 2012 - 19:18

في مدينة إفران يوجد أسد منحوت من الحجر، ربما هو الرمز الوحيد (غير السياسي) الذي بقي لنا ـ نحن المغاربة ـ أن نفتخر به ونلتقط صورا معه، ونعوّض به الاستفادة من مُتعتين اثنتين: متعة الفرجة الكروية التي لم يعد يحققها “أسود الأطلس”، رغم ما يُحاطون به من دلال وأموال هم ومدربهم الأجنبي؛ ومتعة زيارة حديقة الحيوانات التي أصبحت تذاكرها باهظة الثمن، بعدما خضعت لعملية تجميل وتنميق.

قبل نحو أربعة شهور، أُعلِن عبر نشرات الأخبار التلفزيونية عن الافتتاح الرسمي للموقع الجديد لحديقة الحيوانات في الرباط، وفي اليوم الموالي الذي صادف يوم عطلة رسمية هبّ الناس من كل حدب وصوب لزيارة الحديقة لمعرفة ما استجدّ فيها، بعد سنوات من إغلاق الحديقة القديمة. لكنّ الوافدين مُنعوا من الزيارة بحجة أن الحديقة لن تُفتح للعموم إلا بعد أربعة أيام، فما كان من الحشود سوى أن تدافعت أمام البوابة، واقتحمت المكان لمشاهدة الحيوانات، بالمجان !

هذا المشهد نقلته كاميرا التلفزيون، لتخبرنا بالموعد المنتظر؛ ولكن ما لم تخبرنا به لاحقا هو هل تكرر المشهد نفسه حين فُتحت أبواب الحديقة في وجه العموم. أكاد أجزم بالنفي، لسبب بسيط، هو أن حديقة الحيوانات لم تعد مكانا مُيَسّراً لجميع فئات الشعب، حيث حُدّدت أسعار باهظة لولوجها، تضاعفت بحوالي خمس مرات عمّا كان موجودا في السابق، إذ أصبحت أسعار التذاكر على النحو التالي: 50 درهم للفرد البالغ و30 درهما للطفل. وللمفارقة، فإن زيارة المتاحف والأماكن الأثرية والتاريخية بالمغرب لا تكلّف سوى عشرة دراهم للشخص الواحد، وهو ثمن يُطبَّّق على المغاربة والأجانب على حد سواء. هذا المثال يعكس نظرة المسؤولين المغاربة إلى تراثهم وحضارتهم!

وبجانب صدمة الأسعار، لا شك في أن زائر حديقة الحيوانات سيصاب بصدمة أخرى، تتمثل في أن الجانب الشكلي يطغى كثيرا على الجوهر والعمق. وبذلك، فعِوَض أن تحافظ الحديقة على بساطتها، غُلّب عليها الجانب الاصطناعي والزخرفي من حيث الأشجار والنباتات والمناظر والتصاميم المختلفة، فأصبحت الحيوانات عناصر ثانوية ومتفرقة هنا وهناك في مساحة شاسعة؛ لدرجة أن الأسد ـ مثلا ـ يبدو متعباً وغير مبالٍ ويشكو من الوحدة وزوال الهيبة عنه، ويتحسّر على تلك السنين الخوالي التي كان فيها له جناح كبير يصدح بالزئير ويفيض شموخا ويخلق الفرجة بفعل قربه من الناس وهو داخل القفص. ومن شدة التيه وسط الزخارف، يبدو عدد الأسود كما لو أنه قليلٌ، قياساً مع ما كان موجودا في السابق. هل هو مجرد خداع الصورة؟ الله أعلم!

*****

أسود أخرى ينطبق عليها الوصف نفسه، إنها “أسود الأطلس”؛ النعت الذي يُطلق على المنتخب المغربي لكرة القدم، أسود لم يعد يُحسب لها أي حساب، وإنما أصبحت تتجرع الهزيمة في أولى المواجهات مع غيرها من الفرق، وتصيب الجمهور المغربي بالحسرة والإحباط.

آفة هذه “الأسود” مردّها إلى عاملين اثنين: من جهة، كون معظم اللاعبين مُعارين من فرق أجنبية حيث يعيشون في المهجر الأوربي، ومن جهة ثانية كون المدرب أجنبياً، وبالقدر الذي يغدق عليه مسؤولو الكرة المغربية أموالا وفيرة، بالقدر الذي يوزع الوعود العرقوبية التي ستحقق في بطولة “مونديال” عام لا يدركه سوى خيال مسؤولي الجامعة المغربية لكرة القدم.

ومن عجائب المدرب البلجيكي “إيريك غيريتس” الذي يشرف على المنتخب المغربي أنه يتقاضى راتبا شهريا يفوق رواتب الوزراء المغاربة مجتمعة، بالإضافة إلى عدم دفعه الضرائب للدولة. وحين سُئل القائمون على الرياضة المغربية عن الرقم المحدد لراتب “غيريتس”، رفضوا الإجابة باعتبار ذلك سرا من الأسرار الخطيرة، مضيفين أنهم لا يريدون أن يُحرجوا المدرب المذكور مع فريق “الهلال” السعودي الذي كان يدربه من قبل، مقابل راتب شهري أكثر من ذاك الذي يحصله في المغرب.

قامت الدنيا ولم تقعد في المغرب حول راتب “غيريتس” الذي اختلفت في تحديده التقديرات، وإن اتفق الكل على أنه راتب خيالي: سجال في البرلمان، تعليقات في الصحف، صفحات ساخرة ولاذعة في شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت… وحين أدرك أهل الحل والعقد أن الأمور قد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه، اهتدوا إلى الحل السحري: لنكشف عن الرقم حتى تهدأ الزوبعة انطلاقا من شعار “وداوِنا بالّتي كانت هي الداء”. حينها تسربت إلى المواقع الإلكترونية وثيقة من الحساب البنكي للمدرب المدلل “غيريتس”، تكشف أن هذا الأخير يتقاضى راتبا شهريا قدره 270 مليون سنتيم.

كنا سنقبل هذا الراتب على مضض لو أن صاحبه يحقق إنجازات رياضية باهرة لكرة القدم المغربية على المستوى الدولي (إذ لا مجال هنا للتخمينات والأماني والتسويفات). ولكن “غيريتس” لا يهدي للمغاربة سوى الهزائم النكراء، هزائم جعلتهم يفقدون الثقة والأمل في منتخبهم الوطني، ويبحثون عن التعويض من خلال مشاهدة مباريات البطولات الأوربية والإسبانية بالخصوص التي تجود بها عليهم باقة “الجزيرة” الرياضية؛ منتظرين اليوم الذي ستجري فيه محاسبة القائمين على تسويق الأوهام الرياضية، عبر خرافة اسمها “أسود الأطلس”.

يبقى، في الأخير، أن نذكّر مسؤولي جامعة كرة القدم بالصورة القديمة للأسود التي كانت توجد على علب عود الثقاب، والتي كانت تظهر بجانبها العبارة التالية: “إنكم باستهلاك المواد الوطنية ستساهمون في اقتصاد البلاد”!

*****

وما دمنا نتحدث عن الأسود، نولّي وجهتنا هذه المرة نحو الشرق، حيث يوجد أسد ينطبق عليه قول الشاعر العربي:

أسد عليّ وفي الحروب نعامة ربداء تجفل من صفير الصافر

إنه حاكم سوريا بقبضة من حديد، الذي يتفنن في تعذيب وتجويع وتقتيل الشعب الأعزل أمام أعين العالم. ولولا ما يتسرب إلى المواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية من صور ملتقطة خلسة، لتمت إبادة شعب بأكمله، لا لشيء سوى لأنه يطالب بالكرامة.

وإذا كانت بعض القنوات العربية تعمل على فضح همجية “الأسد” ونظامه، فإن قنوات أخرى تتعامل ببرودة مع الموضوع، برودة هي أقرب إلى التعتيم منها إلى الحياد؛ حيث تتحدث نشرات الأخبار عن “أعمال العنف” المتواصلة في سوريا، دون أن تجاهر تلك القنوات صراحة بالطرف المتسبب في “العنف”، وهو طبعا العسكر السوري.

بمعنى آخر، إن من يتحدث عن أعمال العنف يساوي بين الجلاد والضحية، بين المعتدي وبين من يدافع عن نفسه، بين من يملك أعتى الأسلحة فتكا، وبين من لا يملك سوى جسده وقوة إرادته وثقته في نفسه وفي ربه.

…………………………….

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • باريش
    الخميس 26 أبريل 2012 - 20:58

    لا افهم هذا الكم الهائل من المقالات حول القناة الثانية دوزييم و كاني بي ان الكل صار مختصا في الاعلام و التلفزة – انه الجهل و التطاول و الخلط و قلة الحياء و قلة ما يدار و الكره و النقد الفارغ الهضرة ديال الزناقي – لم لا تقرؤون الكتب – لم حاضين غير التلفزة – سيرو سمعو الموسيقى الرائعة و الروايات العميقة و الكتب الصحيحة العلمية – ايهاي ايهاي ايهاي و الخبراء بزاف – و علاش مما فاهمين حتى مع جيرانكم و عائلاتكم – اواه الفوضى – مثل ذلك العبقري الذي يكتب في السينما و الاستراتيجية الايرانية و البرازيلية و الميتافيزيقا و علف البادية و قوانين هوبليز الخ – سيرو تحشمو —

  • الطاهر الطويل
    الخميس 26 أبريل 2012 - 21:09

    راتب خيالي قدره 2500 ألف درهم

  • تيليلا
    الخميس 26 أبريل 2012 - 21:15

    على الاقل اسد افران و اسود الرباط يستحقون ان ندفع من اجل مشادتهم اكثر من30 درهم , فالشعب المغربي يدفع من جيبه اكثر باضعاف لمشاهدة الاسود المزورة .

    الاسود الحقيقية تأكل بقايا قشور الخضرة التي ترميها لهم زوجة العساس اما الاسود المزورة فتاكل ميزانية الدولة .

  • عبدالله
    الخميس 26 أبريل 2012 - 21:32

    راتب غيريتس هو 270 مليون سنتيم و ليس 270 ألف درهم.

  • saber11
    الأحد 29 أبريل 2012 - 14:41

    الى التعليق رقم 1
    اقرا المقال جيدا قبل ان تتلفض بما ليس لك به علم

صوت وصورة
خصاص المقررات المدرسية
الخميس 17 شتنبر 2026 - 10:30

خصاص المقررات المدرسية

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 4

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 15

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع