حين يدخل مواطن إلى إدارة تحمل واجهتها اسمها بتيفيناغ ثم يجد نفسه محتاجا إلى من يشرح طلبه أو يفسر له الجواب، فإنه يواجه المسافة التي ما زالت تفصل الاعتراف بالأمازيغية عن استعمالها. لقد وجدت اللغة مكانا على الواجهة لكن المؤسسة لم تكتسب بعد القدرة الكافية على العمل بها. وفي هذه المسافة يقع جانب أساسي من مسؤوليتنا السياسية.
راكم المغرب مكتسبات مهمة في مسار إنصاف الأمازيغية ومأسستها بفضل الإرادة الملكية والتراكم النضالي والفكري للحركة الأمازيغية. وقد حسمت الوثيقة الدستورية مكانتها القانونية وفتحت المجال أمام استعمالها في مختلف وظائف الدولة. غير أن قيمة هذا المسار تقاس بما يتيحه للمواطن من حقوق يمارسها وبما يبنيه من قدرة على التعلم والتواصل والإنتاج. والسؤال الذي ينبغي أن يوجه المرحلة الحالية هو كيف نجعل ما تحقق أساسا لتحول مستدام في حياة الناس.
لهذه القضية عمق يتجاوز لغة المعاملة الإدارية، فالأمازيغية أصل تاريخي وحضاري تشكلت على أرضيته جوانب أساسية من الشخصية المغربية وأغناها تفاعل طويل مع روافد متعددة. ومن هذا التاريخ اكتسب المغرب خصوصيته وقدرته على استيعاب المؤثرات وإعادة تشكيلها. وتامغرابيت هي الوعي بهذه التجربة والثقة في قدرتها على الاستمرار والإبداع، وهي ثقة تحتاج إلى مدرسة تعرّف المغاربة بتاريخهم وإعلام يمنح ثقافتهم قيمتها ومؤسسات تحترم ألسنتهم.
تترسخ هذه الثقة عبر التجربة اليومية حين يشعر المواطن بأن مؤسساته قريبة منه وتحترم لغته وتفهم حاجته، وحين يجد أبناؤه في المدرسة معرفة بتاريخ بلدهم وثقافته. فالمجتمع الذي يعرف تجربته ويستطيع التعبير عنها يكون أقدر على مناقشة الأفكار الوافدة ونقدها والاستفادة منها وأقل حاجة إلى استعارة تعريف جاهز لنفسه.
من هذا المنظور أعتبر الاستثمار في الأمازيغية وفاء بحق دستوري واستثمارا في الأمن الوطني والتماسك الاجتماعي أيضا. فالمواطن الذي يعرف تاريخ وطنه ويفخر بهويته ويجدها محترمة في مؤسساته يصعب أن تستغله أيديولوجيات عابرة للحدود تسعى إلى فصله عن مجتمعه وتوجيه انتمائه إلى مشاريع تخدم أغراضها. ويقوى هذا الاعتزاز حين يقترن بالإنصاف والثقة في المؤسسات وحرية التفكير، مع بقاء الروافد العربية والإسلامية والإفريقية والمتوسطية جزءا من التجربة المغربية ومصدر غناها. بذلك تصبح معرفة الذات أحد مقومات مواجهة التطرف والانفتاح الواعي على العالم.
لكن الاعتزاز باللغة يحتاج إلى تمكين يقويه، فمكانة اللغات تتأثر باختيارات المدرسة والإدارة والتوظيف والإعلام. واللغة التي يتعلمها الطفل بانتظام ثم يجد لها استعمالا في الخدمات وفرصة في العمل وحضورا في المعرفة تكتسب قيمة عملية تشجع على تعلمها ونقلها إلى الأبناء. وحين تضعف هذه الروابط تتراجع الحوافز مهما كانت قوة الخطاب الداعي إلى حمايتها.
لهذا أتحفظ على تفسير ضعف الإقبال بالرغبة الفردية وحدها، فالأسر تفكر في مستقبل أبنائها والمتعلم يبحث عن المجالات التي يستعمل فيها ما اكتسبه. ومن واجب السياسة العمومية أن تأخذ هذه الانتظارات بعين الاعتبار وأن توسع مجالات استعمال الأمازيغية وتصل تعلمها بالحياة العملية. فالاعتزاز يدفع إلى التعلم والاستعمال يغذي الاعتزاز.
من حق المغربي أن يختار مخاطبة مؤسسات وطنه بالأمازيغية ولو كان يتقن عشر لغات. فهذا الحق يستند إلى رسميتها وأصالتها في الشخصية المغربية ولا يتوقف على عجز المواطن عن استعمال غيرها. وبناء الخدمة على هذا الأساس يقتضي تمكين المؤسسة من العمل بالأمازيغية واستقبال استعمالها باعتباره ممارسة عادية لحق دستوري.
إن الانتقال إلى هذه المرحلة يحتاج إلى تقييم صريح للتجارب السابقة يشمل مختلف الولايات الحكومية، بما فيها المراحل التي شارك فيها حزب الأصالة والمعاصرة في التدبير. فالانتماء السياسي يرتب مسؤولية إضافية في تقويم الاختلالات، ولا يستقيم أن ندافع عن المحاسبة ثم نستثني منها حصيلتنا أو أن نطالب بثقة المواطنين دون أن نشرح لهم ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.
ينبغي أن يحدد هذا التقييم مواضع الخلل في الموارد البشرية واستمرارية البرامج والتنسيق بين القطاعات وطبيعة الإنفاق وفعالية المتابعة. فقد يحتاج قطاع إلى موارد إضافية بينما يحتاج آخر إلى إعادة تنظيم ما يتوفر عليه، وقد تتقدم إجراءات داخل مؤسسة ثم يضيع أثرها بسبب غياب التكامل مع مؤسسة أخرى. ولذلك فإن معرفة سبب التعثر شرط لاختيار المعالجة المناسبة.
وينطبق ذلك على التمويل، فالأمازيغية تحتاج إلى موارد تتناسب مع حجم التأخر الذي ساهمت السياسات السابقة في تراكمه. ويقتضي الإنصاف التمييز بين النفقات الاعتيادية للقطاعات والاستثمارات الإضافية المخصصة لتدارك هذا التأخر. فإدراج الأمازيغية في واجهات المؤسسات ووثائقها وخدماتها اليومية مسؤولية ينبغي أن تتحملها ميزانياتها الأصلية كما تتحمل نفقات استعمال العربية والفرنسية أيضا.
ولا يستقيم أن يصبح الوفاء بالتزام تجاه لغة رسمية مشروطا بالحصول على تمويل استثنائي من الاعتمادات المخصصة لتفعيل طابعها الرسمي، أو أن تتحول هذه الاعتمادات إلى وسيلة لإعفاء القطاعات من مسؤولياتها. ينبغي توجيه الموارد الإضافية إلى مشاريع تبني قدرات دائمة وتوسع مجالات استعمال اللغة، وفي مقدمتها تكوين الكفاءات وتسريع تعميم التعليم ودعم البحث والإنتاج الثقافي والرقمي. وتقاس جدوى هذه الموارد بما تحققه من نتائج مع إتاحة معطيات صرفها للتقييم والمساءلة.
غير أن تجويد التدبير يعيدنا إلى سؤال المشاركة في القرار. فقد راكمت الحركة الأمازيغية معرفة بالمجتمع وبالاختلالات التي تعترض هذا الورش ونجحت بنضالاتها في إدراج مطالبها ضمن الأولويات الوطنية. ومن مصلحة الدولة أن تستفيد من هذه الخبرة وأن تفتح للكفاءات الأمازيغية مجالا فعليا في صنع السياسات ومواكبة تنفيذها وتقييم أثرها واقتراح ما يلزم لتصحيح مسارها.
يقتضي التمكين السياسي إشراك هذه الكفاءات وفق معايير الخبرة والاستحقاق والكفاءة التدبيرية. وتصبح المشاركة مؤثرة حين تتحدد اختصاصاتها وتتوفر لها وسائل العمل وتخضع نتائجها للمحاسبة.
لقد اخترنا العمل من داخل الأحزاب والمؤسسات اقتناعا بأن الترافع يحتاج إلى موقع يؤثر في السياسات. ويحمّلنا هذا الاختيار واجب إثبات جدواه كما يحمّل الأحزاب مسؤولية تكوين أطرها والاستفادة من كفاءاتها في إعداد البرامج ومتابعة تنفيذها. وتظهر جدية الالتزام بالأمازيغية في الاختيارات الحكومية والبرلمانية وفي النتائج التي تحققها للمواطنين.
تظل الحركة الأمازيغية بتعدد مكوناتها حريصة على استقلالها وحقها في النقد، فلا جهة تحتكر تمثيلها. ويكتسب تعاونها مع المؤسسات قيمته حين يتيح لها تقديم البدائل ومعرفة مآل مقترحاتها والمساهمة في تقييم النتائج. أما التشاور الذي ينتهي بانتهاء اللقاء فيصعب أن يؤسس لعمل مستمر.
يبدأ الجانب العملي من المدرسة بضمان استمرارية تعلم الأمازيغية بين المستويات وتأهيل المدرسين وتوفير شروط عمل مستقرة، مع تقييم ما يكتسبه التلميذ من فهم وقراءة وكتابة وتعبير. ويستحق استعمال اللغات الأم في اكتساب المعارف نقاشا تربويا ينطلق من حاجات المتعلم وشروط نجاحه.
تحتاج هذه الكفايات إلى امتداد في الحياة المهنية. لذلك أدافع عن جعل إتقان اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية شرطا للولوج إلى الوظيفة العمومية، مع الاعتداد بتعبيراتهما المحلية في تقييم الكفايات التواصلية وتحديد المستوى المطلوب بحسب طبيعة المهام. ويعتمد هذا الشرط في مباريات التوظيف وفق جدولة معلنة تواكب تعميم تدريس الأمازيغية وتوفير مسارات تعلمها. كما يقتضي إقرار برنامج ملزم لتأهيل الموظفين المزاولين بآجال واضحة ووسائل تتيح لهم اكتساب الكفايات المطلوبة في اللغتين. فالمؤسسة مطالبة بأن تكون قادرة على خدمة المواطنين بهما، وتظل الترجمة المتخصصة مكملة لهذه القدرة مع العناية بتكوين أعوان الاستقبال واستقرارهم المهني.
ويقتضي ضمان الاستعمال الفعلي حماية المواطن من التمييز بسبب لغته أو لكنته وإتاحة التظلم والانصاف، مع صون حرية نقد السياسات والمناهج والإنفاق. فوضوح الأفعال التي تستوجب المساءلة يحمي الحقوق ويحفظ حرية النقاش.
في الإعلام ينبغي توسيع الإنتاج بالأمازيغية ليشمل العلوم والاقتصاد والنقاش السياسي ومضامين الطفولة. أما الاستثمار الرقمي فيبدأ بالموارد التي تحتاجها أدوات البحث والكتابة ومعالجة الكلام من مدونات نصية وصوتية ومعاجم ومصطلحات. ويمكن للجامعات والمؤسسات والمقاولات أن تتقاسم هذا العمل وفق شروط تحترم التنوع اللساني وحقوق أصحاب المحتوى وخصوصية البيانات. فالسيادة الثقافية في عصر الذكاء الاصطناعي تقتضي أن ننتج الموارد التي تحتاجها لغاتنا وأن نشارك في تطوير الأدوات التي ستعالجها.
تستدعي هذه الأولويات برنامجا حكوميا يحدد المسؤوليات والموارد والآجال ويخضع لتقييم علني. ويمكن اعتماد أفق 2030 موعدا سياسيا لقياس تحول ملموس مع احترام الآجال القانونية القائمة.
ومسؤوليتنا تجاه الأجيال المقبلة أن نترك لها وطنا فخورا بعراقته وحضارته ومؤسسات تستوعب هويتها ولغة تتسع لطموحاتها وتفتح أمامها فرص التعلم والإبداع. بهذا يكون إنصاف الأمازيغية بناء لقدرة الوطن على صنع مستقبل يليق بتاريخه ويجدد تميزه الحضاري.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.