الإنفلات القانوني في "أمة" الريسوني

الإنفلات القانوني في "أمة" الريسوني
الثلاثاء 5 مارس 2013 - 12:31

لقد أطل عالم المقاصد المغربي أحمد الريسوني بمقال تنظيري حول وضع الأمة و الدولة عنوانه “الأمة والدولة بين الوضع السوي والوضع المقلوب”. مقال إعتبر فيه أن الأمة هي الأصل، وليس الدولة، على جميع الأصعدة سواء من حيث الخطاب الشرعي أو الصلاحيات والمسؤوليات أو الأولوية والتقديم. و إذا كنا نوافق الرأي بالقول أن الأمة بمعنى الشعب هي الأصل على صعيد الأولوية بما يضمن مصالح جميع مكوناتها المختلفة، فإننا نختلف في إعتبار الأمة بالمفهوم الريسوني الذي لا يتجاوز فئة قد تكون غالبية أو اقلية من التابعين لمدرسة دينية معينة ، هي الأصل على صعيد الأولوية و التقديم بما تضمن مصالحها الفئوية دون الإلتفات إلى الفئات الأخرى. و على فرض وجود “أمة الريسوني” بأغلبية مستحيلة و هي المائة في المائة، فإن قوله بأصليتها على صعيد الأولوية و التقديم بما يضمن مصالحها قول لا يستقيم ندرج الإشكال عليه في طوايا هذا المقال. ثم إن القول بأصليتها بمعنى تأصل الصلاحيات و المسؤوليات على مستوى التنفيذ منها مباشرة كلام خطير يوحي بفكر فوضوي و يدعو و إن بطريقة غير مباشرة إلى جعل المجتمعات العصرية عبارة عن جماعات تتجاوز المؤسسات و التنظيمات و القوانين و التشريعات لتمارس أقوى مظاهر الإيمان بحسب الفهم الضيق للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. إنه لمن المفاجأة أن نرى في هذه الأيام فقيهاً في المقاصد يفرق الإجتهاد على أمته بهذا السخاء. فقيه في المقاصد من كثرة ما تفقه صار يرى أن الأمة بجاهلها و عالمها و طالبها و أبلهها و متطرفها أهلاً لتشخيص المقصد الشرعي ثم المرور إلى تنفيذ الحكم الملائم.

اشكال في التعريف

لعل أول نقاط الضعف في مقالة الريسوني المذكورة – نشرتها جريدة هسبريس (5 مارس 2013) – غياب تعريف معقول للأمة. و بما انه ذكر الآيات القرآنية المخاطبة للأمة في بعض القضايا فإنه يفهم منه الحديث عن تصور خيالي لأمة إسلامية لم يبذل أي جهد في تحديدها. فلا تكاد تفهم إن كان حديثه يقصد به المسلمين من طنجة إلى جاكرتا أو يقصد به المسلمين على إختلاف حدودهم الدولية كل حسب دولته. و في كلتا الحالتين لا توجد أمة متجانسة عقدياً و فقهياً و مذهبياً بالطريقة التي تخول لأفرادها ممارسة عدد من الصلاحيات التي نافح عن تخويلها للجماعة و على رأسها الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و إذا افترضنا تطبيقاً لهذا الشق فقط من الصلاحيات الجماعية التي يريد الريسوني تمريره للأمة مباشرة فإن النتائج ستكون كارثية. خذ على سبيل المثال صوفي من محبي الحلاج و الماضين على دربه في تونس تأتي جماعة سلفية فتقتتله كما قتل الحلاج.

فتأتي بعد ذلك جماعة صوفية تقاتل الفئة الباغية لتسبح أمة الريسوني في حمامات من الدم. فعند السلفية الصوفية منكر و عند الصوفية السلفية منكر.

ولست أدري حينها ما سيقوله الريسوني عن قتل الأمة بالأمة؟ و أغلب ظني أنه سيقول أن الأولى اجتهدت فأصابت فلها حسنتان و الثانية اجتهدت فأخطأت فلها حسنة واحدة و كلاً وعد الله الحسنى..

من داخل “أمة” الريسوني

إنه و مع استحالة إيجاد تصور واقعي للأمة التي يتحدث عنها الريسوني، فإننا لن نترك الموضوع دون محاولة فهم تصوره لأمته. إنه ليس تصوراً طوبوياً تتحقق فيه الراحة و السعادة لأمة و تختفي فيه الشرور. و لكنه تصور خيالي يفتقر إلى العلمية لأمة متجانسة فكراً و فقهاً و معتقداً وصلت بنباهتها و فطنتها و تعلمها مستوًى أصبحت به قادرة على التصدي لصلاحيات مختلفة بسبب عجز أو عدم كفاءة الدولة، لتنطلق بمركزيتها و حريتها في المبادرة فكراً و قولاً و عملاً متحركةً في كلّ اتجاه، ومبدعةً في كل جانب. كل هذا، كما يتصوره الدكتور الريسوني، يتحقق دون أن يؤثّر ذلك سلباً على الدولة وقيادتها ورعايتها، بل لا يؤثّر ذلك على الدولة إلا بمزيد قوة وعافية ورقي على حد قوله. و هنا ندرج بإختصار بعض الاشكالات المتعلقة بهذا التصور الخاطء:

1. كون التصور مخالف للتوجه الفقهي لصاحبه

لو افترضنا جدلاً وجود أمة متجانسة في الفكر و العقيدة و المذهب نسميها “أمة الريسوني” لتوضيح المعنى. و كان في هذه الأمة شخص مزدوج الجنسية أتى منكراً عقابه المفترض هو الرجم، و علمنا أن رجمه سيضر بمصالح الأمة ككل و سيؤدي إلى حصار من دولة أو دول أجنبية يمنع عن الأمة الدواء ما قد يخلف فيها الكثير من الضحايا.

الريسوني يقول عن تغيير المنكر ومقاومة الفساد: “هذه وظيفة أخرى من وظائف المجتمع والجماعة، وظيفة تغيير المنكر إذا ظهر ومقاومة الفساد إذا بطر. ولكن هذه الوظيفة أيضاً قد حوصرت وحصرت، ودُفع عامة الناس بشتى الأساليب والآراء عن ممارستها، أو على الأقل ضُيّق عليهم في ممارستها، بينما النصوص متضافرة صريحة في تحميل هذه المسؤولية لعموم الناس نساءً ورجالاً؛ يؤدّونها في مدنهم وقراهم كافة؛ وحتى مع ولاتهم ووجهائهم. ومن غريب ما صنعته الممارسة السلطانية، ذلك الفقه السلطاني الذي جعل تغيير المنكر باليد خاصاً بالدولة، وتغيير المنكر باللسان خاصاً بالعلماء (وبقيود وشروط)، وأما الأمّة برمّتها وعامّتها فلم يبقَ لها إلا تغيير المنكر بالقلب، أي عدم التغيير الفعلي”.

وإعتماداً على كلامه يمكن لجماعة في قرية معينة رجم المذنب دون أي اشكال كما ذكر. لكن الذي خفي عنه هو كون هكذا فعل لا يجوز بحسب فقه مقاصد الشريعة، و الذي يعتبر الدكتور من اعلامه في المغرب. فإذا اخذنا بعين الإعتبار التعارض بين مصالح ومفاسد المكلف مع غيره، فقد ذكر الشاطبي في مسألة عموم الضرر أن الضرر العام يرفع بالجملة، فيمنع جالب المصلحة أو دافع المفسدة مما هو مقدم عليه لأن المصالح العامة تقدم على المصالح الخاصة. فهنا قدم الريسوني مصلحة قرية على مصلحة عموم الأمة مخالفاً فقهه.

يقول الريسوني في المآلات :” مفهوم المآلات.. وهو ما يؤول إليه فعل من الأفعال فمثاله ما يلي : امتنع النبي عن قتل المنافقين مع علمه بهم ومع علمه باستحقاقهم القتل ، وقال أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه… وتخلى عن إعادة بناء البيت الحرام على أساس بناء إبراهيم عليه السلام ، حتى لا يثير بلبلة بين العرب وهم حديثو عهد بالإسلام… فلولا رعاية المآلات والنتائج لوجب قتل المنافقين ” (نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، مجلة الرائد ، عدد 183 ، سنة 1996). و هنا نطرح اشكالاً حول معقولية القول بإستطاعة “أمة الريسوني” المفترضة لكي تشخص المآلات! من منا يستطيع تخيل أمة يعلم فيها أهل القرى و المداشر بالمصالح الإستراتيجية و الحسابات السياسية؟

2. كون التصور خارج عن دولة الحق القانون

لو افترضنا أن قيام قرية من “أمة الريسوني” بالنهي عن المنكر في نفس المثال أعلاه، أي مثال قيام شخص منها بما يستحق الرجم، و هب افترضنا كذلك أنه في هذه الحالة لا يترتب ضرر بعد اعدامه على الأمة إطلاقاً. هنا نشكل على الريسوني في مساءلة أهلية اهل القرية من ناحية الخبرة في التعامل مع الجريمة أولاً. ثانياً نشكل عليه في قضية عدم أهلية أهل القرية و معهم الوالي أو القائد من ناحية القدرة على تشخيص أهلية الجاني للمحاكمة. فقد يكون مريضاً نفسياً ما يرفع عن المتابعة و يحيله إلى المرفق العمومي المختص. ثم ثالثاً و في حال كان المذنب أهلاً للمحاكمة، فهنا نسائل المحاكمة العادلة و حق الدفاع و كذلك حق الطعن و الإستئناف. و ليس من الحكمة أن يرى الريسوني جماعة من أهل القرية أو المدشر في أمته و معهم الوالي أو القائد بأنهم خبراء في علم الإجرام و خبراء في الطب و القانون كذلك..

إنه و بناء على ما ذكرناه تسليماً بوجود “أمة” الريسوني، نستنتج أنها أمة عوامها لهم المكزية على حساب متعلميها في شكل جماعات متناحرة مع العالم و مع نفسها. انها أمة رجعية لا يستوعبها الخيال فما بالك من الواقع. هذا الواقع الذي تجاوز مفهوم الأمة بما ذكر من معنى بعدما أصبح مفهوم المواطن و المواطنة و الحق و القانون و المؤسسات و النظام هو المركز. مركز لا يمكن أن ننفي دور أمة المواطنين على اختلاف مكوناتها في امداده بأسباب الوجود سواء كان من خلال الإنتخاب أو الضرائب أو المشاركة المنظمة. الأوطان هذه الايام تحتاج إلى الإيمان بسيادة القانون و ليس سيادة القرى و المداشر. و هذا ما ذهب الدكتور الريسوني إلى عكسه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • عمر
    الثلاثاء 5 مارس 2013 - 16:47

    مقال بارع و دليل على الشيوخ هم سبب التخلف و لش الشباب هم الأمل

  • ahmed
    الأربعاء 6 مارس 2013 - 01:20

    تحية للكاتب٠
    الإسلاميون لا يقدمون تحديدا لأي شيء، إنهم لاينتعشون إلا في الكلام الفضفاض من قبيل" الإسلام هو الحل"، " القرآن دستورنا"٠ ٠ ٠ و لو تجاوزنا قليلا الخطب الرنانة لوجدنا أن كل ما يقترحونه كسياسات ٱقتصادية وثقافية و غيرها في البلدان التي يحكمونها هي سياسات علمانية لا سند لها في الدين٠ فماذا يقول الدين مثلا في الصيد البحري والطيران المدني و التبرع بالدم؟ إنه عصر الجهل المقدس، عصر الهكسوس الذين سماهم الفراعنة "حجازوت"٠

  • AHMED
    الأربعاء 6 مارس 2013 - 11:02

    لو افترضنا أن قيام قرية من "أمة الريسوني" بالنهي عن المنكر في نفس المثال أعلاه، أي مثال قيام شخص منها بما يستحق الرجم
    -حق اريد به باطل ماهي وساءل تغير المنكر و اقامة انحد?
    كفى من المغالطات وشكرا

  • حوار الأفكار
    الأربعاء 6 مارس 2013 - 11:13

    أشكر الدكتور الريسوني على إسهاماته واجتهاداته، كما أشكر الأستاذ الحراق الحسني على تعليقه ونقده البناء، وأرجو من الأول أن يرد على نقد الثاني ويستمر النقاش حضاريا مبنيا على حوار الأفكار يعود بالنفع على الأمة (بتعبير الريسوني) أو المواطنين (بتعبير الحراق الحسني)، كما أتمنى أن ترقى تعليقات المتتبعين إلى نفس المستوى وتبتعد عن لغة الطعن والسب والشتم والتي لا يجيدها إلا الغوغاء أصحاب العقول الخاوية وخصوصا دعاة التعصب والتطرف المذهبي التكفيري الجاهلي.

  • shhilat
    الأربعاء 6 مارس 2013 - 18:25

    ان الدكتور الريسوني لم يعن ان يقوم الجهال او المتطرفون في قرية ما او مدينة بتنفيذ العقوبة لكن عموم الناس في تلك المدينة او القرية هم الذين يقومون بذلك و اعطيك مثالا غضا طريا الى ما يرمي اليه حديث الريسوني, فعندما برا القضاء المغربي وهو الدولة ذلك البرلماني من تهمة الزنا و كل الدلائل تدينه فعلى الناس في مدينة او قرية البرلماني ان يدينوه و ينفذوا العقوبة فيه (توجد اجتهادات الان من علماء اجلاء ينفون وجود حدالرجم في الاسلام وانما الجلد فقط) و العقوبة لا تكون جسدية فقط بل قد تكون في نبذه و مقاطعته اجتماعيا مقاطعة كليةـ

  • عبد الغفار
    الخميس 7 مارس 2013 - 01:30

    مفهوم الأمة الذي طرحه الدكتور الريسوني أشمل مما توقف عنده الكاتب فالأمة تشمل الصوفي والسلفي والحركي لا كما مثل الكاتب كم في المقال

  • عياد
    الخميس 7 مارس 2013 - 16:14

    للأسف كثير من (مثقفينا) لاينبرون للتحليل إلا من خلال الفلسفات الغربية وهو راجع إلى عدة عوامل أهمها الفكر الإنهزامي الموروث عن المستعمر، المتقدم، النموذج، الأستاذ… وهو ما وقع فيه صاحب المقال الذي يحلل موضوع الأمة والدولة انطلاقا من وجهة نظر الأب مونتسكيو وغيره من فلاسفة (عصر الأنوار) جاهلا أو متجاهلا أن عالم الفكر المقاصدي أحمد الريسوني تصدى لتحليل الموضوع انطلاقا القرآن والسنة الصحيحة أي انطلاقا من هوية الأغلبية الساحقة المغاربة.

صوت وصورة
لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 13:22

لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر

صوت وصورة
الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 12:30 10

الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05 12

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00

الرجولة القاتلة

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08 2

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي

صوت وصورة
''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:00 1

''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس