الذهن الممتد لـ"جيل زد"

الذهن الممتد لـ"جيل زد"
الإثنين 2 نونبر 2026 - 12:03

التقييم السياسي والإعلامي لحراك جيل زد اليوم، ما زال سطحيا. أغلب القراءات الصحفية تختزله بسرعة. تحسبه تمردا عابرا، أو صراخ جيل بلا قائد وبلا برنامج. هذه قراءة سهلة ومريحة. لكنها قراءة عاجزة عن فهم ما يحرك الشارع فعلا. لهذا قررت أن أقرأ الظاهرة من زاوية أخرى. ليس كحدث أمني أو إداري، بل كظاهرة ذهنية من خلال فلسفة المعرفة ونظريات الذهن.

قراءتي هنا واضحة، ما يحدث في الفضاء العام ليس اضطرابا سياسيا تقليديا. إنه ولادة ذهن جديد له بنيته الخاصة وآلياته الخاصة. وعلينا أن نفكك هذه الآليات إذا أردنا أن نفهم سلوكه ونتوقع خطوته القادمة. فما الذي نراه في شوارع أوروبا؟

ما نراه من احتجاجات للشباب في عدة بلدان أوروبية، ليس تمردا. هو ولادة ذهن لم نعتده. ذهن لم يعد يسكن الجمجمة فقط، بل صار ممتدا يسكن خارجها.

قراءتي هنا تستند إلى فكرة الذهن الممتد. هذه الفكرة تتجاوز النظرة الكلاسيكية التي تحبس العقل داخل الجسد. الذهن بالنسبة لي منظومة، تتشابك فيها عمليات التفكير مع البيئة ومع الأدوات. فالفكرة بسيطة جدا: الأداة صارت جزءا منك. الدفتر لم يعد شيئا خارجيا، بل هو جزء من ذاكرتك. الهاتف لم يعد في متناول يدك، بل هو امتداد عصبي لك. هذه هي طبيعة جيل زد الذهنية. ذهنه ممتد بطبعه، لأن ذاكرته في هاتف، ومستقبله في منصة، وبيته في تطبيق. فإذا تعطلت أدواته، تعطل هو نفسه. وهذا بالضبط ما حصل.

على هذا الأساس، أي تعطيل قسري لهذه الوسائط، سواء بقرار سياسي أو بعائق إداري أو بتدهور خدمي وتعليمي، لا يفهمه الشاب كخلل خدمي خارج جسده. يفهمه جيل زد كعطب داخلي. عطب يصيب قدرته على التفكير والتكيف والوجود نفسه. وهنا تحصل اللحظة التاريخية، لحظة ينتقل فيها هذا الذهن الممتد من شاشاته إلى الرصيف. حينها يتحول العطب التكنولوجي والخدمي إلى فعل احتجاجي مجسد يمارس وجوده في الشارع.

فأي ذهن نزل إلى شوارع أوروبا؟

ليس جسدا يهتف، ولا حنجرة تصرخ: هو ذهن ممتد. خرج من فضائه الرقمي إلى الرصيف. وضع كل شيء هناك. ثم وجد أن الأدوات التي تمثل ذهنه معطلة. فصرخ بذهنه، لا بجسده.

لهذا أقول، لا تقرأوا ما يحدث بعناوين الصحف، اقرأوه بآليات الذهن. فإدارة الأزمات اليوم لا تحتاج نظرة تقليدية ترى المشكلة إخفاقا إداريا مجزأ. تحتاج أن تراها كعطب في الأدوات الذهنية للمواطن.

فإذا كانت المؤسسات والمكان هي امتداد معرفي يعالج به الشباب واقعه ويصوغ مستقبله، فإن انهيارها يخلق اضطرابا حادا في العقل الجمعي. ويدفع الذهن الممتد ليستعيد توازنه عبر المواجهة في الفضاء العام.

وتجسد هذا العطب المعرفي في فرنسا، حين أعلنت السلطات حذف 4000 منصب أستاذ (وما تبعه من شلل بثانوية كريتاي Créteil في ضواحي باريس وبقائها بلا أساتذة) حدث شلل حيوي في أداة المعرفة لدى التلاميذ. الشباب لم يقرأ القرار كخطة تقشف مجردة. قرأه كعطب داخلي استهدف أداة تفكيره. هذا العطب دفعه لنقل امتداده المتعطل من الفصل إلى إغلاق المؤسسات. فكيف يفكر هذا الجيل بلا أداة تفكير؟

رده كان بديهيا من وجهة نظره: نغلق كل شيء. انتقل القرار من كريتاي إلى مئتي ثانوية في إيل دو فرانس ومرسيليا وليون وتولوز. لافتة واحدة لخصت كل شيء: نحن لسنا بند توفير. إنه رفض صريح لتقليص امتداده المعرفي.

وفي السياق الإسباني، يتجلى العطب عبر السكن والمكان. كانت الشرارة حادثة إخلاء امرأة عجوز، 87 عاما، من منزلها في برشلونة. المخيلة المعرفية لجيل زد تلقتها كعملية بتر قسري. بتر لامتداده الذهني والحيوي في جغرافيا المدينة.

نفس الآلية التي شرحت فرنسا تشرح إسبانيا. إذا كان الذهن ممتدا إلى المدينة، فطرد العجوز هو بتر للمكان. جيل زد يرى على الشاشة عالما بلا حدود، وفي الواقع لا يجد غرفة بمفتاح. ذهن يسكن الفضاء الرقمي وجسد بلا سكن. وهذا التناقض بين الاتساع الافتراضي والانقباض المادي، قاد إلى تفاعلات متلاحقة. تحولت حادثة برشلونة إلى بؤرة زلزالية، امتدت ارتداداتها إلى مدريد وفالنسيا وإشبيلية. رفض واضح لمحو الامتداد السكني. فصدمات الامتداد الفردي المتراكمة، في أروقة المدارس المعطلة وأحياء السكن المغلقة، لم تبق مجرد إحباط فردي. شكلت المادة الخام لقفزة معرفية. إنها قفزة أخرجت الذهن من الشلل الذاتي إلى التشكل الجمعي والإرادة الموحدة.

ثم آلية القصدية الجمعية في السياق الألماني. هنا ينتقل الوعي من أنا أفكر إلى نحن نريد. هذا هو التحول الأخطر في حراكات اليوم. الأشكال التقليدية للحشد تعتمد على وسيط. حزب، ونقابة، وقائد بارز. بينما قصدية جيل زد الجمعية تعمل كسرب: إرادة جماعية وتنسيق لحظي عالي، ودون حاجة لهياكل قيادية صلبة.

تجلى هذا بوضوح في ألمانيا: أمام مقر المستشارية في برلين، وفي ساحة مارين بلاتز في ميونخ، وفي هامبورغ وفرانكفورت وكولونيا، رُفع شعار واحد: جيل زد يتولى زمام الأمور. تعممت الفكرة من برلين إلى أربع وثلاثين مدينة وجمعت مئة وثمانين ألفا. قصدية واحدة تشكلت كسرب. لهذا حين خرج منسقها أكرم سيلو في برلين ليتبرأ من العنف، لم يسمعه أحد. كيف يرد الفرد قصدية جمعية كاملة إلى قصده الشخصي؟

أما آلية التمثيل الذهني فتشرح التحول في الوسيلة، وتجلى ذلك في السياق السويسري. فالبيانات الرسمية والنصوص المطولة والبرلمانات التقليدية تراجعت. لم تعد تؤدي دورها كوسائط للمعنى. حل محلها المحتوى البصري السريع في مقاطع لا تتجاوز ثماني ثوان موجهة بالخوارزمية. الصورة الخوارزمية صارت هي البديل المعرفي الذي يشغل المساحة المفاهيمية لدى الشارع.

بلغ هذا ذروته ليلة التنكر بتاريخ 31 أكتوبر. استفاد حراك جيل زد من قدرة الذهن على قراءة نية ذهن الآخر عبر التخفي الرمزي. حوَّل القناع الموحد إلى أداة معقدة. فجمع بين التخفي القانوني أمام الرقابة والظهور المكثف في الفضاء العام. فقد حول رمز الاحتفال إلى أداة مواجهة.

تم استثمار هذه القدرة واختير القناع: في سويسرا في شارع لانغستراس Langstrass وساحة هيلفيتيا في زيوريخ وقرب محطة الترام في بازل، ثم تعمم إلى جنيف ولوزان. وفي ألمانيا بحي نويكولن Neukölln ببرلين وشارع تسايل في فرانكفورت، ثم إلى هامبورغ وشتوتغارت. وفي فرنسا في محيط ساحة الجمهورية بباريس، ثم إلى ليون. اختلط بزحام المحتفلين، لأن القناع تلك الليلة يجعلك ملثَّما بشكل قانوني. لبسه جيل زد لا ليختفي، بل ليظهر.

ثم نصل إلى الذهن المجسد والكواليا Qualia.الكواليا ببساطة هي ذلك الإحساس الداخلي الخاص الذي لا تنقله الكلمات. فرق بين أن أقول لك النار حارة، وأن تحس أنت بلسعتها. الخبر يُنقل، لكن حرقة الصدر لا تنقل.

من هنا، حاول جيل زد أن ينقل خذلانه بالكلمات. ففي فرنسا طالب الرئيس بالرحيل، وفي ألمانيا صدح قائلا: اذهب أنت بنفسك إلى الجبهة، وفي برلين غنى هجاء ضد المستشار بالراب. السلطة سمعت الكلمات، لكنها لم تذق مرارة ما ذاقه الجيل. لم تحس بالحرقة مثلما أحس بها. وحين لا تحس الدولة بحرقة الداخل، يضطر الشاب أن يجسدها نارا في الخارج.

ففي سويسرا احترقت الحاويات في شارع لانغستراس في زيوريخ، فتعممت إلى جنيف. وفي ألمانيا أغلق شارع تسايل في فرانكفورت بزجاجات حارقة، فتعمم إلى الكورفورستندام Kurfürstendamm في برلين. وفي إيطاليا اشتعلت ساحة كاستيلو في تورينو، فتعممت إلى ميلانو وروما. ليست حبا في التخريب. هي ترجمة جسدية لإحساس لم تجد له الكلمات مخرجا.

نحن لا نواجه جيلا يطلب مقعدا. إننا نواجه ذهنا يطلب مرآة تقول له: أنت موجود. فإن كسرنا المرآة، كسرنا الضوء. هذا هو الذهن الممتد، من كريتاي الفرنسية إلى برلين الألمانية، ومن زيوريخ السويسرية إلى برشلونة الإسبانية، تعلم كيف يغلق مدرسة بكلمة، وكيف يجمع شعبا بصورة، وكيف يلبس قناعا ليكشف وجهه. ولم يبق له إلا أن يتعلم كيف يشعل نارا ليقول: أنا أحترق.

فإما أن نسمع أنينه الداخلي قبل أن يصير لهبا، وإما أن نظل نطفئ الحاويات في الشوارع، بينما الحريق الحقيقي يشتعل في مكان آخر لا تصله الخراطيم، في ذهن جيل قرر أخيرا أن يكتب وجوده بيده.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
فوضى ومشادات داخل مجلس أزمور
الإثنين 2 نونبر 2026 - 20:44 1

فوضى ومشادات داخل مجلس أزمور

صوت وصورة
بنعبد الله يحتفي بخديجة بومليك
الإثنين 2 نونبر 2026 - 19:21 2

بنعبد الله يحتفي بخديجة بومليك

صوت وصورة
التويزي: البرلمان يواكب الرؤية الملكية
الإثنين 2 نونبر 2026 - 18:48

التويزي: البرلمان يواكب الرؤية الملكية

صوت وصورة
أرقام الزواج والطلاق في المغرب
الإثنين 2 نونبر 2026 - 18:35 6

أرقام الزواج والطلاق في المغرب

صوت وصورة
دفاع شرقاب يطالب بالسراح المؤقت
الإثنين 2 نونبر 2026 - 18:14 5

دفاع شرقاب يطالب بالسراح المؤقت

صوت وصورة
برلمانيون ومستقبل الصحراء
الإثنين 2 نونبر 2026 - 17:39

برلمانيون ومستقبل الصحراء