شهدت ردهات مجلس الأمن الدولي في الثلاثين من أكتوبر 2026 زلزالاً دبلوماسياً وسياسياً غير مسبوق، لم يقتصر أثره على تصفية الحسابات الجيوسياسية بين القوى العظمى، بل أعلن رسمياً موت المقاربة الأممية الكلاسيكية لملف الصحراء المغربية. إن إسقاط مشروع القرار الأمريكي (S/2026/868) بفعل “الفيتو” الروسي، يليه الفيتو الأمريكي المضاد لإجهاض المقترح الروسي البديل، قد وضع حداً نهائياً لولاية بعثة “المينورسو” التي انتهت صلاحيتها القانونية والزمنية مع مطلع هذا اليوم، الحادي والثلاثين من أكتوبر.
هذا الانسداد الدبلوماسي في غرف نيويورك المظلمة لم يكن مجرد خلاف حول الصياغات، بل كان اصطداماً عنيفاً بين رؤيتين: رؤية أمريكية سعت إلى نقلة نوعية تكرس مبادرة الحكم الذاتي كإطار حصري وتؤسس لتصفية البعثة وتحويلها إلى مكتب سياسي بحلول أبريل 2027، ورؤية روسية حاولت يائسة الإبقاء على الوضع القائم ورهن المنطقة بمرجعيات بالية عفا عليها الزمن. والنتيجة الحتمية اليوم هي عجز مجلس الأمن عن إصدار قرار التمديد، مما يعلن البداية الفعلية لتفكيك البعثة وسحب طواقمها ومعداتها من الأقاليم الجنوبية للمملكة.
إن البلاغ الحاسم والطارئ الصادر عن الديوان الملكي المغربي لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي، بل كان إعلاناً لـ”مرحلة الحسم الترابي”. لقد وصف البلاغ بعثة “المينورسو” بأنها “إرث من سياق عفا عليه الزمن”، ليعلن المغرب بذلك طي هذه الصفحة نهائياً، ووقف المسار السياسي بصيغته القديمة، وسحب الملف عملياً من المتاجرة السياسية الدورية في أروقة الأمم المتحدة. هذا التحول يفرض علينا قراءة الأبعاد الجيومكانية والاستراتيجية الجديدة لهذا الواقع المستجد في ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: التحرر من قيود “التدبير” والانتقال إلى “الحسم المجالي”
على مدى عقود، شكّل التجديد الدوري لبعثة المينورسو أداة للابتزاز السياسي وضغطاً سنوياً على السيادة المغربية. اليوم، وبفعل هذا الزلزال، تحلل المغرب من هذه القيود. إن انتهاء وجود البعثة يعني انتهاء الوصاية الدولية الافتراضية على التدبير الترابي للأقاليم الجنوبية. المغرب اليوم يملك الشرعية الكاملة والمطلقة لإدارة مجاله الحيوي وفق رؤيته التنموية والسيادية الخاصة، دون الحاجة لانتظار تقارير أممية غالباً ما كانت تخضع للتوازنات والمصالح الضيقة للقوى الدولية.
ثانياً: الصحراء في قلب صراع الأقطاب والجغرافيا السياسية الافتراضية
لقد كشفت جلسة مجلس الأمن الأخيرة كيف تحول النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية إلى ساحة تصفية حسابات في إطار الحرب الباردة الجديدة بين واشنطن وموسكو. إن استخدام “الفيتو” المتبادل يوضح أن المجموعات الانفصالية لم تعد سوى بيادق صغيرة في رقعة شطرنج دولية كبرى. المغرب، بفضل دبلوماسيته الحكيمة، استطاع تحصين مكتسباته من خلال انتزاع اعتراف 11 دولة في مجلس الأمن بحصرية مبادرة الحكم الذاتي، مما يعكس شللاً تاماً للأطروحة الانفصالية التي باتت معزولة دولياً ومحتمية بـ “فيتو” روسي يخدم مصالح موسكو الجيوسياسية في إفريقيا أكثر مما يخدم أي شيء آخر.
ثانياً: الأمن الجيومكاني وبسط السيطرة التامة على “المنطقة العازلة”
الأثر الأكثر أهمية لهذا التحول يكمن في البعد العسكري والميداني. مع رحيل طواقم “المينورسو”، تسقط بالتبعية كل القيود التي كانت تفرضها الاتفاقيات العسكرية السابقة (وعلى رأسها الاتفاقية رقم 1) بشأن “المنطقة العازلة”. لم يعد هناك وجود ميداني أو “مناطق عازلة” بالمعنى القديم؛ فالقوات المسلحة الملكية باتت تملك التفويض السيادي المطلق لإعادة بسط السيطرة العسكرية التامة على طول الحزام الأمني وتأمين الحدود حتى الحدود المتاخمة للجيران. وهنا تبرز أهمية “الذكاء الترابي” وأنظمة الرصد الرقمية والدفاعية المتقدمة التي يمتلكها المغرب (من طائرات بدون طيار، ومنظومات استطلاع جيومكاني متطورة) لفرض واقع أمني جديد لا رجعة فيه، وتحصين الحواضر الصحراوية من أي تهديدات هجينة أو اختراقات بائسة.
إننا أمام فجر جيوسياسي جديد في شمال وغرب إفريقيا. إن موت “المينورسو” ليس أزمة للمغرب، بل هو التحرر الأكبر الذي سيتيح للمملكة فرض “الأمر الواقع الرقمي والميداني” على الأرض. لقد انتهى زمن التقارير والبعثات، وبدأ زمن السيادة الكاملة والمطلقة من طنجة إلى الكويرة، تحت مظلة الذكاء الترابي والجاهزية العسكرية التي لا تقبل المساومة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.