الشيخوخة وإصلاح التقاعد في أفق ترسيخ الكرامة الإنسانية
يشهد المغرب تحولا ديمغرافيا متسارعا، تتزايد معه أهمية قضايا الشيخوخة والتقاعد والرعاية الاجتماعية، باعتبارها من الرهانات الأساسية لبناء الدولة الاجتماعية وضمان العدالة بين الأجيال. ولم تعد الشيخوخة مجرد مرحلة عمرية تستدعي الرعاية، بل أصبحت قضية حقوقية وإنسانية تفرض توفير شروط العيش الكريم، وصون الاستقلالية، والاعتراف بمكانة المسنين باعتبارهم رصيدا من الخبرة والذاكرة والعطاء.
إن حماية كبار السن لا ينبغي أن تظل محصورة في المقاربة الإحسانية، بل يتعين أن تقوم على سياسات عمومية دامجة تضمن الحق في الصحة والحماية الاجتماعية، وتيسر الولوج إلى الخدمات الإدارية والرقمية، وتحمي المسنين من الإهمال والاستغلال والعزلة. كما تقتضي تطوير مؤسسات الرعاية والمراكز النهارية والنوادي الاجتماعية، وتعزيز التضامن الأسري والمجتمعي، بما يحفظ كرامة المسن ويصون مكانته داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، يشكل إصلاح منظومة التقاعد أحد المداخل الأساسية لترسيخ العدالة الاجتماعية، بالنظر إلى ما يواجهه عدد من المتقاعدين من تحديات مرتبطة بضعف المعاشات وارتفاع تكاليف المعيشة والعلاج. غير أن تقييم التوجهات الحكومية الحالية يقتضي استحضار المسار التراكمي للسياسات العمومية، إذ لا ينطلق البرنامج الحكومي الحالي من فراغ، بل يتأسس، في جانب من توجهاته، على ما راكمته الحكومة السابقة من مكتسبات وإصلاحات ومبادرات في مجالات الحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي وتوسيع التغطية الصحية. ومن ثم، فإن تطوير هذه الأوراش واستكمالها يظل مسؤولية متواصلة تتجاوز منطق القطيعة، وتستدعي البناء على الإيجابيات ومعالجة الاختلالات القائمة.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من التدابير الجزئية إلى رؤية متكاملة ومستدامة تجعل كرامة المتقاعد والمسن في صلب الإصلاح. ويقتضي ذلك تحسين المعاشات بما يراعي تكاليف المعيشة والتضخم، وتقوية الحماية الاجتماعية لفائدة الأشخاص الذين بلغوا سن الشيخوخة دون معاش أو دخل قار، مع دراسة إمكانية إقرار حد أدنى يضمن العيش الكريم، وفق معايير واضحة وآليات تمويل مستدامة.
كما يظل إصلاح أنظمة التقاعد ضرورة هيكلية تستوجب حوارا اجتماعيا مسؤولا يوازن بين ضمان حقوق المتقاعدين، واستدامة الصناديق، والإنصاف بين الأجيال والقطاعات. ويمكن أن يشمل ذلك تعزيز حكامة الصناديق، وتوسيع قاعدة المساهمين، ومحاربة التهرب من التصريح بالعمال، ودراسة سبل تنويع مصادر التمويل، بما يضمن عدم تحميل الأجراء وحدهم كلفة الإصلاح.
أما على المستوى الصحي والاجتماعي، فإن ضمان الشيخوخة الكريمة يستدعي تطوير خدمات طب الشيخوخة، وتيسير الولوج إلى الأدوية والعلاجات، وإحداث آليات لمواكبة المسنين الذين فقدوا استقلاليتهم الذاتية، بما في ذلك الرعاية المنزلية والمساعدة على الحركة. ويوازي ذلك اعتماد تدابير عملية لتسهيل تنقلهم وولوجهم إلى المرافق العمومية، ومواجهة الإقصاء الرقمي، وتعزيز الحماية القانونية من كل أشكال التمييز القائم على السن.
وتبقى هذه المقترحات رهينة بإرادة سياسية واضحة، وتخطيط مالي واقعي، وتنسيق بين القطاعات الحكومية والمؤسسات الاجتماعية والنقابات والجمعيات المعنية. فالإصلاح المستدام لا يقوم على إعلان الالتزامات وحدها، بل على تحديد الأولويات، وضبط الكلفة، وتقييم النتائج، وضمان استمرارية المكتسبات وتطويرها.
إن الانتقال من الذاكرة إلى المكتسبات ليس مجرد شعار، بل تعبير عن ضرورة الاعتراف بما قدمه كبار السن من تضحيات في بناء المجتمع، ورد الاعتبار لهم من خلال سياسات ملموسة تحفظ حقوقهم وكرامتهم. وبين ما راكمته الحكومات السابقة وما يتعين على الحكومة الحالية استكماله وتطويره، تظل الغاية واحدة: بناء منظومة اجتماعية عادلة ومستدامة تجعل الشيخوخة مرحلة آمنة، وتضمن للمتقاعد حياة كريمة، وتترجم مفهوم الدولة الاجتماعية إلى حقوق وخدمات يستفيد منها المواطنون على قدم المساواة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.