لقد جاء الإطار العام المنظم للامركزية المحلية، ليؤسس لميلاد ثقافة جديدة تنبني على أسس الحكامة الجيدة ومبادئ التدبير العمومي عبر ترسيخ ديمقراطية القرب وتدعيم مجال المسؤوليات المحلية، وذلك بناء على عدة محددات ثابتة وأخرى مواكبة.
ومن بين المقتضيات التي عرفتها القوانين الأخيرة المنظمة للجماعات الترابية، ما يتعلق بتحسين تسيير المجالس المحلية وأجهزتها المساعدة وتحسين النظام القانوني للمنتخب الجماعي.
إضافة إلى ذلك، جاءت هذه التعديلات بتصور جديد قوامه ، تدبير نظام التدبير الاستراتيجي للفعل الترابي ، يضع تصورات شاملة ومتكاملة للتنمية في إطار يغلب عليه التخطيط الاستراتيجي المتعدد السنوات.
يعرف التدبير الاستراتيجي بكونه منهجية للعمل وفق تصور “رؤية” معينة لتحقيق أهداف واضحة منبثقة عن حاجيات وأولويات معبر عنها، وذلك خلال إنجاز برامج عمل في فترة محددة وحسب الإمكانات المتوفرة أو الممكن تعبئتها، وبصيغة مبسطة فإن التدبير الاستراتيجي هو وضع برنامج عمل يشتمل على عمليات عبارة عن حلول لمشاكل تم إبرازها من خلال تشخيص الوضعية الحالية.
وهو كذلك، عملية حصر وتجميع موارد المجتمع مادية كانت أو بشرية، وتنظيم طريقة استغلالها بما يكفل تحقيق أهداف محددة خلال أقصر فترة زمنية ممكنة، ومن هذا التعريف نستشف بأن تخطيط التنمية الترابية ينطوي على ما يلي:
عملية حصر الموارد سواء أكانت مادية أو بشرية، ويجب أن يكون الحصر سليما حيث تتوقف على دقته دقة العمليات التخطيطية وكفاءتها؛
عملية تحديد الأهداف المطلوب تنفيذها خلال فترة زمنية محددة، وهذه العملية هي أساسا من اختصاص السلطة السياسية العليا في أي مجتمع بالرغم من أن الجهاز التخطيطي هو الذي يقوم بوضع مجموعات الأهداف البديلة التي تقوم السلطة السياسية في المجتمع باختيار البديل الذي يقترب بدرجة أكبر من الصورة التي تطلبها للمجتمع؛
عملية تجميع موارد المجتمع بشرية كانت أو مادية بكافة الطرق والوسائل الممكنة حتى يمكن زيادة حجم الرأس المال البشري والعيني في المجتمع؛
عملية تنظيم استخدام الموارد من حيث توطينها ومزج عوامل الإنتاج بما يحقق أقصى كفاية تخطيطية ممكنة.
إن التدبير الاستراتيجي للعمل الترابي يتأسس على إدخال مجموعة من الاليات والطرق التدبيرية التسييرية الجديدة والمتجلية أساسا في وضع صورة حقيقية لواقع التدبير الترابي الفيلة بتوضيح مكامن قوته وضعفه ، ومن خلالها وضع مخطط عمل علمي وعملي قوامه العمل على تجاوز كل الاختلالات التي مازالت تؤثر على بلوغ جودة الخدمات الترابية ، هذه الاليات تتجلى أساسا في إدخال مجموعة من الامكانات المادية واللوجستية من قبيل التسويق الترابي وخلق أقطاب ترابية تتأسس على التخصص وبلوغ الأهداف بالإضافة إلى بضرورة الاحتكام لمبادئ الحكامة الجيدة كالتدقيق والمساءلة والمحاسبة وغيرها هذا من جهة، بالإضافة إلى ضرورة النهوض بالرأسمال البشري والعمل حسن توزعه ومن ثمة تحفيزه في أفق قيامه أحسن قيام بالمهام الموكولة إليه من جهة أخرى، كل هذه الأمور مجتمعة ستؤدي لامحالة إلى تبني الجماعات الترابية في تدبيرها لبرنامج عمل حقيقي يوضح من خلاله لكل الامكانات المادية البشرية واللوجستية في شق ولتطلعات المرتفقين من جهة أخرى ، الأمر الذي سيمكننا في اخر المطاف من بلوغ معنى التدبير الاستراتيجي الترابي المبني على توفر الموارد ، سرعة النتائج ومن ثمة جودة الخدمات بمنطق رابح-رابح.
ومن هذا المنطلق، يمكننا القول بأن يعد التخطيط ليعد الركيزة الأولى للتدبير الاستراتيجي للفعل الترابي، بحيث يقوم بترتيب الوظائف واختصاصاتها ثم يليه التنظيم للاستعداد للقيام بعمل ما أو لإنجازه بالاعتماد على موارد محددة، ثم التتبع والمراقبة وهي الوسيلة الوحيدة لضمان تحقيق هذا العمل بالسرعة المطلوبة والجودة المنشودة وبأقل تكلفة ممكنة.
ومن هنا، يتحدد المعنى الخاص للتدبير الاستراتيجي في ارتباطه بقضايا ترتبط في مجملها بتدبير الشأن العام، وذلك من خلال تنامي الحديث عن ظاهرة تبذير المال العام الترابي وتزايد الاهتمام بمجال المراقبة المالية للجماعات الترابية وخاصة من خلال الأدوار الموكلة للمجلس الأعلى للحسابات والمتجلية أساسا في : ” تقييم الخدمات التي تقدمها المرافق العمومية الترابية بالنظر إلى مبادئ الحكامة الجيدة وقواعد الكفاءة والاقتصاد في استعمال الموارد العمومية”.
وتأسيسا على ذلك ، فالتدبير الاستراتيجي للفعل الترابي سيقدم آليات تتكيف والنظرة الواقعية لتصريف الشأن العام، بمناهج مختلفة وملائمة حسب نوعية المهام المنوطة والمشاكل المطروحة، وربط حوار التواصل مع المحيط العام”.
إن التحول الديمقراطي الذي عرفه المغرب خلال السنوات الماضية، والذي كرسته الإصلاحات الدستورية الأخيرة، الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، امتد إلى الجماعات الترابية، هذه الأخيرة أخذت حيزا كبيرا في النقاش العمومي، تمخض عنه الاقتناع بالتهيئة للدخول لمرحلة جديدة لجماعات محلية تتفاعل مع فلسفة العولمة من الناحية النظرية على الأقل ، و نقل الممارسة التدبيرية من الطابع الإداري البيروقراطي، إلى التدبير المقاولاتي، أي أن تصبح الجماعة الترابية كمقاولة من حيث تدبيرها وتسييرها لإستراتيجيتها التنموية.
إن تحديات المرحلة الراهنة والمستقبلية المرتبطة بتدبير الشؤون الترابية وخاصة الاقتصادية والاجتماعية منها ، لتتطلب انخراط كل الفاعلين لفتح نقاش عمومي بناء وفاعل ، قوامه التشخيص الحقيقي لمتطلبات التنمية الترابية يمكن من إعداد برامج عمل ميدانية تستهدف الحاجيات الأساسية للمواطن
ومن هذا المنطلق ، يمكننا القول بأن مفهوم “الجماعة المقاولة” أصبح يفرض نفسه بإلحاح في هذا المجال ، ليس فقط لكونه أسلوبا قد أبان عن نجاعته في تحقيق نتائج إيجابية كان لها وقعا على تجويد الخدمات الترابية وتحسين المستوى المعيشي للمواطن، فضلا عن أننا نعتبر أن هذا المعطى يشكل نقطة التقاء بين ما أصبحت تعتمده جماعاتنا الترابية من مناهج تدبيرية توصف بأنها “حديثة” كشركات التنمية المحلية ، والشراكة قطاع عام –قطاع خاص، فان التجربة أثبتت عدم فعالية هاته الأنماط لكونها لا تتعامل بالمنطق المقاولاتي المبني على منهاج رابح-رابح، إذ لا يتصور من منظومتين- القطاع العام والقطاع الخاص- غير متكافئتين من حيث الموارد البشرية ، المادية واللوجستية أن تحققا نفس النتائج ، وبالتالي فلا مناص من نهج هذا الأسلوب التدبيري الذي يعطي للجماعات الترابية إمكانيات متعددة من أجل التفاوض في أفق الدخول في شراكة سواء كانت وطنية أو أجنبية، الأمر الذي لا يمكن بلوغه من وجهة نظرنا، إلا عبر تفعيل مجموعة من الآليات الكفيلة بالتأسيس لميلاد مفهوم التدبير الاستراتيجي للفعل الترابي، والمتمثلة أساسا في :
إنشاء منتدى وطني للجماعات الترابية- يضم كل جهات المملكة- يكون بمثابة أرضية خصبة لبحث كل القضايا المرتبطة بالتنمية الاقتصادية وعبرها التنمية الاجتماعية و اصدار تقارير سنوية تكون بمثابة مرجع رسمي بالنسبة لكل الجماعات، وخزانا مباشرا لابتكار الأفكار والمشاريع؛
التسويق عبر إحداث خلايا للتواصل الداخلي والخارجي الإلكتروني، تسند إليها مهام التعريف بالمعطيات الجغرافية، والمؤهلات الاقتصادية والاجتماعية لكل جهات المملكة؛
ضرورة الانخراط المباشر و اللامشروط في مسلسل وطني قوامه التشبيك الجماعي لبلوغ أسلوب “مجموعة الجماعات”، الأمر الذي وإن تم التعاطي معه بجدية سيمكن الجهات الضعيفة بنيويا واقتصاديا من الإستفادة من الجهات القوية اقتصاديا، لأن التجربة أثبتت أن قوة تنافسية الدول ترتبط بقوة تنافسية وحداتها الترابية؛
ضرورة الاحتكام لوسيلة تعاضد الوسائل من أجل تنفيذ المشاريع، الأمر الذي وإن أحسن التعاطي معه سيؤدي لامحالة إلى جذب الاستثمار ومن ثمة خلق التنافسية وبالتالي ميلاد مفهوم المقاولة الترابية؛
ضرورة حث الأحزاب السياسية على تنظيم دورات تكوينية بشكل مستمر لكل منتخبيها وخاصة في الأمور المتعلقة بالتدبير الاقتصادي الترابي، لأن التجربة وكما سبقت الإشارة إلى ذلك من خلال مجموعة من الإحصائيات، أثبتت أن جهل المنتخب الجماعي بأدنى أبجديات التدبير اليومي الترابي لازال مرتفعا ، وهوما ينعكس سلبا على مردودية المشاريع الترابية ، ويؤدي إلى تبذير المال، ما مرجعه إلى الطرق “العشوائية” في تدبير الاقتصاد الترابي، ومن هذا المنطلق، يمكننا اعتبار التدبير الاستراتيجي للاقتصاد الترابي بمثابة صمام أمان الإقلاع الاقتصادي الترابي الاستراتيجي، مما يتطلب معه ضرورة اعادة النظر في مستويات تكوين المنتخبين، والقيام بالتحسيس بضرورة التعاون والشراكة بين جميع الفاعلين” أحزاب سياسية، قطاع خاص ، منظمات المجتمع المدني، ومواطنين” ؛
ضرورة التخفيف من ثقل المساطر الادارية في مجال الاستثمار سواء الوطني منه أو الأجنبي، الأمر الذي يقتضي تعميم آلية الشباك الوحيد عبر المراكز الجهوية للإستثمار، هذه الأخيرة التي لازالت في حاجة إلى المزيد من الأطر والكفاءات البشرية ، الإمكانيات المالية واللوجستية الكفيلة بضمان انخراطها في عالم الاقتصاد الترابي الرقميNTIC؛
الجهوية المتقدمة، كخيار تنموي وتدبيري، من شأنه أن يقدم إطارا جديدا يضمن تنسيقا أكبر بين مختلف البرامج والأنشطة؛
ضرورة إشراك المجتمع المدني والساكنة في وضع تصوراتهم للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الترابية، وذلك في أفق ضمان التكريس الحقيقي للأدوار الجديدة التي كفلها الدستور الجديد لهما ، بما سيؤدي إلى تبني التدبير التشاركي المبني على توزيع الأدوار بين مختلف الفاعلين و تفعيل مضامين دستور 2011 المبني على مبدأي المساءلة والمحاسبة؛
التخفيف من حدة الوصاية المفروضة على الجماعات الترابية ، وتعويضها بالرقابة القبلية، المصاحبة والبعدية ، هاته الأخيرة التي أبانت عن نجاعتها في تدبير المشاريع بالقطاع الخاص؛
دعم الإستقلال الإداري والمالي للجماعات الترابية، وبالمقابل تفعيل آليتي المحاسبة والمساءلة الدستوريتين المقرونتين بالتفتيش والمواكبة ، في أفق خلق أقطاب للتنمية الاقتصادية الترابية؛
اعتماد التكوين المستمر لفائدة المنتخبين ، في المجالات المرتبطة بالتدبير واستعمال الوسائل التكنلوجية الحديثة الكفيلة بتوسيع رقعة تسويق المنتوجات الترابية وضمان فرص إضافية لجذب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، هاته الأخيرة والتي لابد من تحفيزها عبر تقديم خصم ضريبي مهم لفائدتها، وبشراكة مع الجماعة الترابية ، مشروط بدفتر تحملات يلزمها بالاستثمار لمدة معينة وبتشغيل أبناء الجهة ، وضمان تكوين يتلاءم وأنشطتها؛
اعتماد اليات التعاون والشراكة والتعاضد والتوأمة بين الجماعات الترابية داخليا ، والانفتاح على التجارب الأجنبية الناجحة في مسألة التدبير الاقتصادي الترابي، والعمل على تفعيل الدور الرئيسي للتوأمة من خلال إحداث منتديات مشتركة لتبادل التجارب والخبرات الميدانية؛
الانخراط في مسلسل إنشاء مجموعات الجماعات الترابية، وذلك لما لها من فوائد إيجابية تتمثل أساسا في تجميع الموارد البشرية ، المادية واللوجستية البين ترابية من أجل تحقيق مشاريع ضخمة بطريقة تضامنية وتشاركية؛
الحرص على إعداد مخططات للتنمية الجماعية توازن بين الموارد المتاحة والنفقات والأهداف المتوقع بلوغها، ما يفرض خضوع المشروع لكل مراحل التخطيط الاستراتيجي ابتداء من التشخيص وانتهاء بتطبيق المشروع بما يمكن من تقييم نتائجه على المستوى القريب، المتوسط والطويل الأمد؛
ضرورة التعامل مع القطاع الخاص كشريك أساسي في مسألة التنمية الاقتصادية الترابية، لماله من الكفاءات البشرية والموارد المالية واللوجستية ، ما يؤهله لأن يصبح شريكا حقيقيا إلى جانب الجماعات الترابية في مسألة صناعة القرار الاقتصادي الترابي؛
الحرص على انفتاح الجامعة على محيطها الاقتصادي، من خلال خلق مختبرات للتكوين تنسجم ومتطلبات التنمية الاقتصادية ؛
تطوير اليات الخطاب السياسي الذي بلغ أدنى مستويات الرداءة .
إن الاعتماد على مثل هذه الوسائل التدبيرية الحديثة في تدبير قضايا الفعل الترابي ، لينم عن رغبة الدولة المغربية في الرقي بمستوى خدماتها الترابية إلى أحسن الأحوال وذلك إسوة بالدول المتقدمة في هذا المجال والتي اتخذت من التدبير الاستراتيجي أسلوبا لها في تدبير الشأن العام الترابي، وهو ما تترجمه نسبة الجذب لرؤوس الأموال الأجنبية بما انعكس إيجابا على وتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الترابية والوطنية.
إن العمل بهذه التقنيات الحديثة في المجالات المرتبطة بالتنمية الترابية، ستعطي لا محالة الفرصة للجهات لكي تبلغ أهداف التنمية الترابية.
إن اتجاه الحديث اليوم عن التدبير العمومي الجديد، القائم على إدخال أساليب إدارة الأعمال في المنظمات العامة، وإدخال قيم جديدة مثل المنافسة، قياس الأداء، التسويق، التمكين….، أصبح يفرض مراجعة الحدود بين القطاع الخاص والقطاع العام، وبين الحقول الاقتصادية والحقول الاجتماعية، كمدخل أساسي لإعادة صياغة المهام والأدوار والوظائف، بما يسمح باستثمار أمثل للخبرات والوسائل المشتركة والمشاريع، لخلق فعل جديد مؤسس على تقاسم الأدوار والمسؤوليات والمهام، في سبيل إحداث قطيعة مع المقاربات التقليدية لتدبير الشأن العام، الذي أفرز لنا ما أصبح يعرف بأزمة الحكامة، هذه الأخيرة التي أصبحت كثقافة ومنهجية جديدة، تساءل الآليات التدبيرية التقليدية أسسا وممارسة وعقلية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.