التمييز باسم الفضيلة

التمييز باسم الفضيلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:00

نشهد اليوم تحولا أنثروبولوجيا من أعمق التحولات التي عرفها التاريخ الحديث، يتمثل في الانتقال التدريجي من مجتمع تحكمه سلطة القانون إلى مجتمع يخضع لمنطق التقييم الدائم. فإذا كانت البنى التأديبية التقليدية تضبط الأجساد عبر الإكراه الظاهر، فإن البنى الرقمية الجديدة أصبحت تمارس سلطتها على الوعي الإنساني من خلال آليات متواصلة من التحقق والمصادقة والتقييم.

لقد كان القرن العشرون يخشى المراقبة البوليسية، وهيمنة الأجهزة الإيديولوجية، والرقابة العمودية التي تمارسها الدولة. أما القرن الحادي والعشرون، فإنه يفتتح شكلا جديدا من أشكال الهيمنة يبدو أكثر رقة ولطفا في ظاهره، غير أنه أشد تغلغلا ونفوذا، إذ أصبحت قيمة الوجود الإنساني ذاته مرهونة بمدى الامتثال السلوكي لمعايير المنظومات الرقمية.

ولم يعد الإنسان يُقوَّم انطلاقا من أفعاله أو أفكاره أو مسؤوليته الأخلاقية فحسب، فقد صار يخضع لتقييم لحظي ومستمر، يقيس مدى قدرته على إنتاج مؤشرات للفضيلة تنسجم مع متطلبات البنيات الخوارزمية.

ولعل هذا التحول يأذن بولادة نظام حضاري جديد، تُدار فيه البشرية بواسطة مقاييس انفعالية وعاطفية، وتتراجع فيه الكرامة الأصيلة للشخص الإنساني لصالح الاعتراف الاجتماعي الذي تمنحه منظومات التقييم.

-Iالحوكمة بالأرقام

كان عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم يرى أن التضامن يشكل الملاط الخفي الذي تتماسك به المجتمعات، فهو توافق ضمني على مصير مشترك، يقوم على الثقة المتبادلة والتكافل الإنساني. وكان هذا التضامن يفترض وجود رابطة اجتماعية ذات عمق، تقوم على الاعتراف الضمني بهشاشة الإنسان ونقصه الملازم لطبيعته.

غير أن عصرنا يبدو وكأنه يستبدل بهذا المنطق شكلا آخر من التنظيم الاجتماعي، يمكن تسميته “الملاءة الأخلاقية”.

فلم تعد قيمة الفرد تستند، في المقام الأول، إلى نفعه الفعلي، أو إلى خبرته، أو إلى نزاهته الهادئة، أو إلى انخراطه الحقيقي في خدمة المجتمع، وإنما أصبحت رهينة قدرته على إنتاج آثار رقمية قابلة للاستثمار والتثمين: آراء عامة مصاغة وفق المعايير السائدة، واحتجاجات أخلاقية منسجمة مع التوجه العام، وتعاطف معلن، ومواقف فورية، وحضور عاطفي ظاهر للعيان.

وهكذا يندمج رأس المال الاجتماعي برأس المال الخوارزمي، لتتحول كل تفاعلات الإنسان إلى بيانات قابلة للاستغلال، وكل رد فعل إلى وحدة جديدة في رصيده الاعتباري، وكل موقف رمزي إلى عنصر يغذي سوقا ضمنية للفضيلة.

إننا ندخل، بذلك، عصر اقتصاد أخلاقي يقوم على الظهور والمرئية.

وفي هذا العالم، يصبح من يحجم عن عرض إحسانه أو عن إشهار تعاطفه موضع ريبة. أما من ينجز أعمال الخير في صمت، بعيدا عن الأضواء، فإنه يبدو، في نظر المجتمع الرقمي، شخصا غامضا اجتماعيا. ويُفسَّر غياب الظهور على أنه غياب للالتزام، حتى يغدو الامتناع عن إعلان التعاطف قريبا من الاتهام بانعدام التعاطف نفسه.

ومن هنا تنشأ صورة جديدة من صور الإقصاء، يمكن تسميتها “الإعسار الاعتباري”.

فالإقصاء في عصرنا لم يعد يحتاج إلى السجون أو الأغلال، وإنما يكفي أن تُقلَّص مساحة ظهور الفرد، وأن يُقصى من دوائر الانتباه، وأن يتحول إلى كائن عديم الأثر داخل الفضاء الرقمي. وهكذا يسبق الاختفاء الاجتماعي المحو الرمزي للإنسان ذاته.

-IIهندسة التعاطف

تتمثل إحدى أكثر التحولات إثارة للقلق في عصرنا في ظهور نمط جديد من الحوكمة، يقوم على توظيف الشعور بالذنب الأخلاقي بوصفه أداة لإدارة السلوك الاجتماعي.

ففي الماضي، كانت السلطة تفرض الطاعة عن طريق الخوف والعقاب. أما اليوم، فإنها تستميل الأفراد إلى الامتثال من خلال عملية متواصلة لإضفاء الطابع الأخلاقي على السلوكيات. ولم يعد الضبط الاجتماعي يتجلى في صورة المنع الصريح أو القمع المباشر، صار يرتدي وجها مطمئنا يحمل شعارات الرعاية والحماية واللطف والأمن النفسي.

وهنا تكمن خطورة هذا النمط الجديد من الهيمنة، إذ إنه يقدم نفسه على أساس أنه ارتقاء أخلاقي، لا وسيلة للسيطرة.

إننا نشيد، شيئا فشيئا، ما يصح أن نطلق عليه اسم “الغولاغ الزجاجي”، أو فضاء شفيفا، نظيفا، فائق الاتصال، يبدو وكأن كل شيء فيه قد صُمم لتوفير الراحة في العلاقات الإنسانية، غير أن أدنى خروج عن النسق المألوف يثير الشك والريبة. فالخشونة الطبيعية في الشخصية الإنسانية تُعامل باعتبارها خللا ينبغي إصلاحه، كما يُنظر إلى التردد، والغضب، والشك، والسخرية، على أنها أعراض لا تليق بمجتمع يسعى إلى الانسجام الدائم.

وفي ظل هذا النظام، لم تعد المعارضة تُقمع بصورة مباشرة، وإنما يجري تحييدها عبر الإخفاء الخوارزمي. فالنظام لا يعتقل المعارض، ولا يزج به في السجن، إنه ببساطة يتوقف عن منحه الوجود داخل الفضاء الرقمي. فيختفي من تدفقات المعلومات، ويُستبعد من دوائر الثقة، ويفقد خطابه قدرته على الانتشار والتأثير، ليتحول تدريجيا إلى شبح اجتماعي.

إنها طفرة عميقة في مفهوم السلطة، إذ لم يعد النفي عقوبة جغرافية تُبعد الإنسان عن وطنه، لقد صار نفيا رقميا ورمزيا. يظل الفرد حاضرا بجسده داخل المجتمع، لكنه يسحب من دائرة الاعتراف الجماعي، وكأنه لم يعد موجودا في الوعي العام.

-IIIصرخة ما يستعصي على القياس

هنا تتجلى القضية الفلسفية والسوسيولوجية الأهم في زمننا: الدفاع عما لا يمكن إخضاعه للحساب والقياس.

فالإنسان لا يمكن اختزاله في مجموعة من البيانات السلوكية أو المؤشرات الرقمية. إنه كائن تتنازعه التناقضات، وتكتنفه مناطق من الصمت والغموض، وتحركه اندفاعات لا تخضع دائما لمنطق العقل، وتحفظه ولاءات لا يراها أحد، وتغذيه رغبات لا تقاس بمنطق الإنتاج والمنفعة. ومن هنا تنبع عظمته الحقيقية، من كل ما يفلت من المقاييس والأرقام.

غير أن الحضارة الخوارزمية لا تعترف إلا بما يمكن تعقبه، وقياسه، وتصنيفه، والتنبؤ به. أما ما يتعذر قياسه، فإنه يميل شيئا فشيئا إلى السقوط خارج دائرة الوجود الاجتماعي.

فالتضحية الصامتة، والإحسان المجهول، والوفاء المتواضع، والتأمل المنعزل، والفكرة التي تنضج بعيدا عن ضجيج المنصات، جميعها أوجه للحياة تعجز البنى الرقمية عن التقاطها أو تحويلها إلى بيانات قابلة للتداول. ولهذا تغدو هذه الصور من الوجود هامشية داخل مجتمع يمنح الأولوية للأداء المرئي على حساب العمق الداخلي.

إننا نسير، على هذا النحو، نحو حضارة تعلي من شأن السطح وتهمش الأعماق.

وفي مثل هذه الحضارة، تصبح صورة الفضيلة أكثر قيمة من حقيقة الإنسان، ويغدو الأثر الرمزي الذي يتركه الفرد أهم من صدقه الداخلي. ويتعلم الإنسان المعاصر، بالتدريج، أن يؤدي أخلاقه أمام أجهزة التقييم الجماعي، وأن يعرضها كما تُعرض الأدوار فوق خشبة المسرح.

وهذا التمثيل المستمر للخير يفضي إلى نتيجة خطيرة، تتمثل في التآكل البطيء للعالم الداخلي للإنسان. فلم يعد الإنسان يعيش ليكون، وإنما يعيش لكي يُرى، ولكي يحظى باعتراف الآخرين.

-IV تحييد السياسة تحت هيمنة نموذج “الرعاية”

لعل أخطر ما تنطوي عليه هذه التحولات هو التآكل التدريجي للسياسة في معناها الأصيل.

فالديمقراطية الحقيقية لا تقوم إلا على الاعتراف بوجود الصراع، وإمكان الاختلاف، وتعارض المصالح، وتباين الرؤى حول العالم. وهي تفترض شرعية الجدل، وحق التناقض، وإمكان التصادم الفكري الذي يثري المجال العمومي ويغذيه.

غير أن الحوكمة الخوارزمية ما تفتأ تميل إلى استبدال الصراع السياسي بضبط سلوكي يقوم على التوافق العاطفي.

ولم يعد المخالف يُنظر إليه كخصم سياسي مشروع، وإنما يُقدَّم كعنصر يهدد المناخ الاجتماعي، أو شخص “سامّ”، أو “إشكالي”، أو “خطر على الجماعة”، أو فاقد للكفاءة في بناء العلاقات الإنسانية.

وهكذا تخضع السياسة لعملية تسييل داخل الخطاب النفسي. فتغدو الخلافات الإيديولوجية موضوعا للعلاج بدل النقاش، وتُقدَّم على أنها اضطرابات ينبغي احتواؤها، أو انحرافات أخلاقية تستوجب التصحيح، أو مواقف تستدعي التعديل باسم الرفاه الجماعي. وبهذا يتحول المواطن الناقد إلى فرد يُنظر إليه كحالة مختلة، لا شريكا في صناعة القرار.

إنها لحظة فارقة في تاريخ السلطة، فالسلطة التي تزعم حماية الإنسان من كل توتر تنتهي، في واقع الأمر، إلى إنتاج مجتمع عاجز عن مواجهة المأساة الملازمة للوجود الإنساني. وكل حضارة تسعى إلى القضاء على الصراع، تهيئ – من حيث لا تشعر – الأرضية لقيام امتثال شامل لا يترك مجالا للاختلاف.

ومن العسير أن يثور الإنسان على نظام يعلن باستمرار أنه يحميه، ويؤمن سلامته، ويرعى رفاهيته، ويحيطه بالعناية.

ومع مرور الزمن، قد يتحول المجتمع إلى ما يشبه حضانة أخلاقية كبرى: فضاء مريح، منظم، مراقب، لكنه يسلب الإنسان استقلاله ويُبقيه في حالة طفولة دائمة.

-Vنحو الانسحاب من سباق الأداء الاجتماعي

إذا كان هذا هو الاتجاه الذي تسير فيه حضارتنا، فإن المقاومة المقبلة لن تتخذ، على الأرجح، صورة الثورات السياسية التقليدية. ستكون مقاومة أكثر هدوءا، وأكثر عمقا، حتى ليكاد لا يُرى أثرها.

وربما يكون فعل المقاومة الحقيقي هو الانسحاب من عالم المقاييس، واستعادة الحق في الغموض، وصيانة مساحات من الصمت لا تبلغها سلطة التقييم المستمر.

وعندئذ يصبح الفعل الأكثر ثورية هو استعادة حضور إنساني لا يحتاج إلى وساطة المنصات الرقمية: أن نتحدث من غير أن ننشر كل كلمة، وأن نساعد من غير أن نعلن عن إحساننا، وأن نحب من غير شهود، وأن نفكر من غير أن نسارع إلى تحويل كل فكرة إلى محتوى قابل للتداول.

ولعل حرية المستقبل ستقاس بقدرة الإنسان على الإفلات، بإرادته، من دوائر المصادقة والاعتماد التي تفرضها المنظومات الرقمية. وتقتضي هذه المقاومة أيضا إعادة الاعتبار لقيمة السر.

وليس المقصود، بطبيعة الحال، السر الذي يخفي الجريمة، وإنما سر الحياة الداخلية، ذلك الفضاء الخفي الذي تتشكل فيه القناعات العميقة، وتنضج فيه صور الوفاء، وتولد فيه أصدق العلاقات الإنسانية.

إن “صرخة ما يستعصي على القياس” ليست سوى نداء إلى أخوة إنسانية لا تمر عبر الشاشات، ولا عبر المؤشرات، ولا عبر درجات السمعة الرقمية، أخوة تقوم على لقاء الإنسان بالإنسان، بكل ما يحمله من عثرات، ومفاجآت، وجوانب معتمة لا يجوز اختزالها أو محوها.

خاتمة

لعل الخطر الأكبر الذي يتهدد عصرنا يتمثل في بلوغه درجة من الكمال الوظيفي تجرده من إنسانيته، لا في انهيار المجتمع.

فالمجتمع الذي ينجح في تحسين كل شيء، وقياس كل شيء، والتنبؤ بكل شيء، وتصحيح كل انحراف، قد ينتهي إلى القضاء على المقومات الأساسية للتجربة الإنسانية: المأساة، واللايقين، والمبالغة، والتناقض، والهشاشة، وكل ما يجعل الإنسان كائنا لا يمكن التنبؤ به بصورة كاملة.

إن المثال الذي يبدو أن حضارتنا تتجه إليه هو مجتمع أشبه بخلية نمل أخلاقية هائلة، يخضع فيها كل فرد للمراقبة، والتقييم، والمعايرة الأخلاقية بصورة متواصلة.

غير أن الحضارة التي تلغي كل مساحة للظل، إنما تلغي، في الوقت نفسه، الشروط التي تجعل الحرية الخلاقة ممكنة.

فأن يكون الإنسان حرا اليوم، قد لا يعني أن يفتح آفاقا جديدة للسيطرة على العالم، ولكن أن يحافظ في أعماقه على مساحة لا تخضع لمنطق المنفعة، ولا تستعرض نفسها أمام الآخرين، ولا تقبل أن تُروَّض.

إن أسمى أشكال المقاومة في زمننا تتمثل في حماية ذلك الإقليم الداخلي الذي تعجز الخوارزميات عن قياسه أو تحسينه.

فهناك، عند تلك العتبة تحديدا، يبدأ الإنسان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المغرب والخليج في مواجهة التحديات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 19:00 1

المغرب والخليج في مواجهة التحديات

صوت وصورة
إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:29 4

إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة

صوت وصورة
كيفاش تجيب شهادة الملكية أونلاين؟
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:00 2

كيفاش تجيب شهادة الملكية أونلاين؟

صوت وصورة
أوزين: الملك يعزز مكانة المرأة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 17:00

أوزين: الملك يعزز مكانة المرأة

صوت وصورة
موقف "اليسار" من الانتخابات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 14:32 2

موقف "اليسار" من الانتخابات

صوت وصورة
العسري والتحالف مع "البيجيدي"
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 13:51 7

العسري والتحالف مع "البيجيدي"