المهدي المنجرة

المهدي المنجرة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 19:49

صانع الرؤى الفكرية المستقبلية

من أراد معرفة موقع أي مفكر أو فيلسوف أو عالم، ومنزلته على الصعيد الفكري والعلمي، فلينظر بلا تردد إلى القضايا الكبرى التي يطرحها ويناقشها، وليتأمل بعد ذلك بجلية وعمق درجة قدرته على معالجتها بموضوعية ودون مجازفة، حتى يتسنى له عمليا الوصول إلى خلاصات مليئة بمواقف غير بعيدة عن منهج هذا المفكر المعبر عن توجهاته وقناعاته؛ تلك القناعات التي تُقاس درجة فاعليتها داخل أي مجتمع بمدى قدرتها على التأثير الإيجابي في الواقع، من خلال تقديم سبل العلاج (الدواء) بعد اكتشاف مكامن الخلل والأعطاب (الداء).

وإذا ألقينا نظرة فاحصة على فكر الراحل المغربي المهدي المنجرة (13 مارس 1933م – 13 يونيو 2014م)، نجد أنه يجسد هذا الطرح بامتياز؛ إذ يتناول القضايا الإستراتيجية والمستقبلية القائمة على التحليل العلمي الشامل، وهو ما يرسخ مكانته كرائد للإصلاح والدعوة إلى التغيير في عالم معاصر تثقله أفكار الصراع.

وفي اعتقادي، فإن مصير الأفراد والمجتمعات يظل مرهونا بالقضايا الجريئة التي أثارها المنجرة في مناسبات عدة، لكونها تتجه نحو ما ينبغي أن يكون عليه الواقع. من هنا، فإن الباحثين المنصفين المعنيين بتشريح الواقع الحالي لا يجدون أي حرج في الأخذ بهذه الرؤى لبناء المستقبل، مما يجعلها حرية بالقراءة والتحليل العميق. فالإغفال عن جوانب من فكره لا يؤدي فقط إلى التيه المعرفي والمنهجي، بل يُفضي إلى الابتعاد عن الحقيقة؛ إذ يرتكز منهجه على توليد الوعي الاستباقي وإشاعته إنسانيا قبل تفاقم الأزمات والآفات المهلكة.

والحق أن خطابه التنموي يتجه أساسا إلى دول العالم النامي لصياغة حركة نهضوية أصيلة، تروم تشييد معالم التنمية المستقلة وركائزها، بعد الكشف عن المعوقات التي تحول دون هذه الغاية الكبرى، وعلى رأسها القوى الغربية ومؤسساتها الساعية للهيمنة على القرار الدولي، كما سنرى في ما بعد.

يمكن إدراج المهدي المنجرة ضمن ألمع رواد الفكر المعنيين بالشأن النهضوي والتنموي في العالم العربي والإسلامي؛ إذ ظل مشغولا بسؤال النهضة الذي ما يزال يؤرق الضمير الحضاري إلى اليوم. وهو سؤال يبدو بظاهره بسيطا، لكنه يحمل تعقيدا عميقا في جوهره، كما يلمس ذلك كل من تمعّن في أسباب تعثر مشاريع النهوض الحضاري الحديثة والمعاصرة.

ولعل المنزلة الاستثنائية لِفكر المنجرة في بناء المستقبل تتجلى في عصاميته المنهجية؛ فقد التقت خلفيته العلمية الصلبة في البيولوجيا والكيمياء مع اهتماماته المبكرة بالعلوم الاجتماعية والسياسية، مما منحه قدرة استثنائية على التحليل. وقد تبلور هذا التكامل المعرفي مبكرا منذ رئاسته ل “رابطة الطلاب العرب” في أمريكا، وصولا إلى حصوله على الدكتوراه عام 1957م من “مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية”عن أطروحته حول “الجامعة العربية” حيث أجرى تفكيكا مفاهيميا رصينا وازن فيه بين أبعاد الوحدة العربية والمرجعيات القومية والإسلامية، ومفهوم الأمة.

وتأسيسا على ذلك، نجد أن تحليلاته لم تتوقف عند حدود التنظير، بل امتدت لتشريح القضايا الإستراتيجية القائمة على التحليل العلمي. ومن ثم، فإن الأخذ برؤاه وتحليلها ليس مجرد ترف فكري، بل ضرورة منهجية، لتفادي التيه المعرفي، وإشاعة الوعي قبل وقوع الأزمات. كما أن خطابه التنموي يظل موجها بالأساس لكسر أغلال التبعية، وتشييد معالم التنمية المستقلة أمام معوقات الهيمنة الغربية ومؤسساتها.

رواج أعمال المنجرة

لقيت كتابات المهدي المنجرة إقبالا منقطع النظير، فجل المهتمين بالقضايا الإنسانية يرحبون بفكره ويترقبون بكل شغف جديد طروحاته، لتنير طريقهم وتعينهم على فهم واقعهم سعيا لبناء مستقبلهم. وقد دفع كل هذا أحد المراكز الدولية الكبرى للترجمة إلى إدراج المنجرة ضمن الألفين شخصية التي طبعت القرن العشرين. فحديثه عن المستقبل التنموي والنهضوي لا يأتي من فراغ، بل إن أدوات التحليل التي يعتمد عليها لاستشراف آفاق المستقبل تجعله ينفذ إلى أبعاد متعددة دون إغفال تفاصيل الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، والتي ينطلق منها لوضع خلاصات علمية وفكرية مؤسسة على تجاربه وخبراته في ميادين مختلفة.

فهو يرى أنه بدون علم المستقبليات يصعب التحدث عن مسألة التنمية؛ لأن المستقبليات – بوصفها الرؤية التي نبصر بها الأشياء – تدمج التنمية وتعتبرها ظاهرة باطنية لها أهداف ومقاصد تتشكل قبل ظهورها بوقت طويل. فتحقيق التنمية عمليا يتطلب وجود رؤية شمولية، إذ اعتمدت الحركات الإصلاحية في العالم على رؤى بعيدة المدى للوصول إلى غاياتها، وبدونها – كما ذهب المنجرة -لا يمكن بناء إستراتيجية، وبدون الإستراتيجية تنعدم السياسة الرشيدة، وبدون السياسة ينتفي التقدم في شتى ميادين الحياة.

وعليه، فإن الإفلاس السياسي الذي تعاني منه الأنظمة العربية والإسلامية يعود أساسا إلى الافتقار للرؤية والتدبير الإستراتيجي، حيث يعتمد المسؤولون غالبا في دراساتهم المستقبلية على الأجانب وتقارير البنك الدولي دون الاهتمام بما يكتبه خبراء بيئتهم الوطنية، نظرا لتركيزهم على البقاء في السلطة والاعتماد على وسائل غير مشروعة للحفاظ على مواقعهم، مما يهدد مستقبل المجتمعات داخليا وخارجيا.

لذا، فإن تشييد معالم الرؤية المستقبلية لا يمكن أن يشهده أي نظام يتسم بما يلي:

أولا: التفقيرقراطية”؛ أي حينما يغدو الفقر منهجا منظما للتدبير والحكم، وهو ما يفسر اتساع هوة الفوارق الطبقية منذ مرحلة الاستقلال إلى اليوم.

ثانياً: “الجهلقراطية”؛ حيث يستحيل تحقيق التنمية في ظل استفحال الأمية والجهل في عصر يتسم بمجتمع المعرفة.

ثالثاً: “الشيخوخقراطية”؛ وتتمثل في غياب “الديمقراطية العمرية”، واحتكار القرار من قبل شيوخ يعزلون الطاقات الشابة.

رابعاً: “الكذبقراطية”؛ حين يتحول التضليل إلى أداة أساسية للحكم، فيقتنع الحاكم بكذبه ويفقد كل مصداقية.

خامسا: الخوفقراطية”؛ أي اتخاذ الخوف وسيلة للضبط والتحكم. ومع تاريخنا المعاصر، نشأ استعمار جديد، يتشكل من تحالف بين الاستعمار القديم وحكام العالم العربي والإسلامي الذين عملوا على إفساد شعوبهم بعد الخضوع لإيديولوجية العولمة الغربية “الأمركة”.

فالاستعمار الجديد أصعب بكثير من الاستعمار القديم. وإذ كان هذا الأخير يتميز بالشفافية في المواجهة المباشرة بين المُستعمِر والمُستعمَر، فقد أصبحت الأمور أكثر تعقيدا اليوم عبر تحالف معقد يجمع بين المستعمرين القدامى والمستغلين العالميين الجدد.

لا يمكن إغفال أن الاستعمار الذي نعيشه في بداية القرن الحادي والعشرين هو هيمنة قوة عملاقة متمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما دفع فرانسيس فوكوياما إلى الإعلان عن انتصار الديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الرأسمالي في كتابه “نهاية التاريخ والرجل الأخير”، مؤكدا أن ما انتهى ليس الحرب الباردة فحسب، بل التاريخ بأسره بوصوله إلى الذروة في تطور الفكر الإنساني، وداعيا إلى عولمة النموذج الغربي فكرا وثقافة واقتصادا وسياسة.

وبالرغم من أن فوكوياما حاول مراعاة الأحداث العالمية الأخيرة، إلا أن طروحاته تعيدنا إلى سؤال قديم: هل يمكن الحديث عن تاريخ للبشرية واضح المعالم يتجه بالضرورة نحو الديمقراطية الليبرالية؟ وقد كانت إجابته بـ “نعم” لسببين: الأول يتصل بالاقتصاد، والثاني يتعلق بالصراع من أجل نيل التقدير والاحترام، علما أنه عدل عن أطروحاته لاحقا حين أقر بوجود الثقافات وضرورة ربط الأخلاق بالاقتصاد.

من هنا، يبدو أن الاستعمار الجديد غير مسبوق؛ فـ “الإمبريالية الكلاسيكية” كانت قائمة على المنافسة الصريحة وتقاسم العالم بين دول متعددة كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا والبرتغال وإسبانيا، أما اليوم فأمريكا تنفرد بالقرار الدولي ولا تقبل بأي منافس، وهو ما أسماه المهدي المنجرة بـ “الميغا إمبريالية”، أي الإمبريالية المضاعفة آلاف المرات.

الإمبريالية والميغا إمبريالية

يتجلى الفرق بين الإمبريالية الكلاسيكية والميغا إمبريالية في كون هذه الأخيرة لا تحتاج إلى الشروط الجغرافية التقليدية؛ إذ تستعين بالتكنولوجيا المتطورة للسيطرة على العالم عبر تقنيات المراقبة الرقمية. فالأقمار الاصطناعية تنقل تفاصيل ما يجري في شتى مناطق الكوكب، مما يكفل التحكم والسيطرة عن بعد. ولتحقيق هذه الغاية، تحوّل العالم إلى مجال استخباري مفتوح يتصدره كُتاب وصحفيون، وهو ما يمنح الميغا إمبريالية أسلوبا جديدا ولغة ذات تركيب مفاهيمي مغاير.

وتتحكم الولايات المتحدة الأمريكية في العالم عبر فكرة العولمة المتمثلة في “أمركة العالم”؛ أي لبرلة سياسة القوة، وخوصصة العلاقات الدولية لحساب قوة أحادية تجد نفسها بفعل عولمة القوة مسيطرة على قيادة العالم وفق إرادتها المنفردة، دون أن تترك للآخرين أي إمكانية للنقض أو الرفض. ويستند هذا الوضع إلى استعلاء ثقافي نابع من الجهل واللامبالاة تجاه أنساق القيم الأخرى وحقها في الوجود، مما يُفضي تدريجيا – كما ينظر المهدي المنجرة – إلى نزعة ثقافية تسلطية عالمية تقوم على منطق: “افعل مثلي إن كنت تتشبث بحقك في الوجود”.

فالعولمة كما هي محددة، وكما هي مفروضة حاليا، تكون أحد الأسباب الأساسية في صعود العنف وتناسل النزاعات التي نلاحظها على المستوى الكوني. هذا ما قاد المنجرة إلى القول بأن العولمة ذلك الحقل المناسب لمواجهات كونية كبرى، أكثر حدة وتهديدا لاستمرار الإنسانية على قيد الحياة، اللهم إلا إذا تم تصحيح هذه الاختلالات المتتالية.

أما الأنظمة التي تسعى إلى تحقيق الاستقلالية بعيدا عن قوى العولمة الأمريكية، فيكون مصيرها الخضوع للهيمنة الكاملة بعد هتك وجودها بالحرب، حتى تكون عبرة لباقي الدول الأخرى التي تنوي رفع رأسها أمام سيدتها أمريكا، القوة العظمى منذ سقوط الاتحاد السوفياتي “المعسكر الشرقي”، وما حرب عام 1991م على العراق سوى مثال حي لما ذكرنا.

بالنسبة لأسباب اندلاع الحرب على العراق، فمرتبطة حسب المنجرة بما يلي:

إن أمريكا لم تستسغ أن تكون في منطقة الخليج العربي بإمكانياته البترولية وحيويته الإستراتيجية قوة وهي العراق؛

ب. إن الاستقلال التكنولوجي العراقي يهدد المصالح الغربية كلها؛

ج. إن الآلة العسكرية العراقية حققت خبرة وقوة، أصبح من شأنها تهديد الكيان الصهيوني؛

د. إن الغرب أدرك قوة العراق الحضارية كمهد للثقافات، وكأرض للذاكرة العربية والإسلامية، الشيء الذي يهدد أطماعه في سيادة ثقافته وقيمه الغربية ضد الثقافة الإسلامية؛

ه. إن الغرب كما يرسم في السيناريوهات مضطر لتجديد ربط خيوط التبعية إليه بعد تآكل الاستعمار القديم (مرحلة ما بعد الاستعمار).

ثم إن هذه الحرب ليست عسكرية أو سياسية أو اقتصادية كما يعتقد بعض المتتبعين لفصولها، بل هي حرب قيم وحرب حضارية، لأنها تستهدف الإسلام (الخوف من الإسلام ومن مليار و600 مليون شخص). وهذا لا يمنع من الحديث في الحقيقة عن المصالح الاقتصادية، لأن العراق تملك إمكانيات هائلة من حيث النفط، كما تتوفر على علماء يتمتعون بقدرات عالية على مستوى البحث العلمي والتكنولوجي… وعليه ذهب المنجرة إلى أن ما أسماه بوش بأسلوب الحياة المتعلق بالقيم والعناصر الحضارية هو الذي أدى إلى الحرب على العراق، وفي الواقع فهي حرب ضد الإسلام لأنها ذات أبعاد صليبية.

صدام الحضارات: بين المنجرة وهنتنغتون

كان المهدي المنجرة أول من استعمل مقولة “صراع الحضارات” قبل المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون (الذي شغل منصب أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد وتوفي عام 2008م)، وذلك عندما تحدث المنجرة عن “الحرب الحضارية” التي تختلف تماما عن فكرة “الصدام” التي يتبناها هنتنغتون.

وقد اعترف هنتنغتون بهذه الحقيقة في الفصل العاشر من كتابه “صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي” بقوله:” العلامة المغربي المهدي المنجرة أطلق على حرب الخليج بأنها الحرب الحضارية الأولى”.

وقد أكد المنجرة للنخبة الثقافية والفكرية في العالم أجمع أنه في حال عدم احترام القيم الإنسانية والثقافية، فإن الحروب القادمة ستكون حروب قيم وثقافة؛ بيد أن صامويل هنتنغتون وجه خطابه لأصحاب القرار مؤكدا أن الخطر سيأتي من العالم غير اليهودي-المسيحي.

ومن المفيد أن نذكر في هذا الصدد أن حديث المنجرة عن المستقبل يتسم بالإيجابية والوقائية من أجل ترسيخ القيم الإنسانية، على عكس ما ذهب إليه هنتنغتون من تحريض ودعوة إلى الكراهية والقتال والظلم. والحق أن ما خلص إليه المنجرة هنا كان ثمرة تجربة فكرية وميدانية عميقة، لاسيما بعد استيعابه لأسرار دهاليز الفكر الغربي المعاصر وتوجهاته.

ولذلك دعا إلى إيلاء الأهمية القصوى للقيم، لأنها ستكون أحد الأسباب الرئيسية للحروب والنزاعات والصراعات القادمة. وقد نبه المنجرة إلى أن حرب القيم لا تعني بالضرورة حربا بين الديانات كما يظن البعض؛ إذ إن القوي – كما أوضح ابن خلدون (732 – 808هـ / 1332 – 1406م) – يفرض على الضعيف المنهزم عباراته ولغته ونمط تفكيره.

أما الحل الكفيل بضمان السلام، فيتمثل في تحسين التواصل الثقافي بين الشعوب والحضارات بوجه عام. ولتحقيق هذه الغاية، أسس المنجرة “صندوق التواصل الثقافي شمال – جنوب” الذي يمنح جائزة سنوية تُموّل من عائدات حقوق تأليفه؛ إيمانا منه بأن القيم هي أنجع وسيلة للدفاع عن الشعوب المغلوبة على أمرها داخليا وخارجيا؛ فهي نابعة من صلب المجتمع من جهة، وتتسم بالإبداع والتجديد والابتكار دون المساس بالأصول (كأركان الإسلام وأصول العقيدة) من جهة أخرى.

وعليه فإن قضية القيم عند المهدي المنجرة أمر ديناميكي، وأمر يتكيف مع المجتمع ومع الضرورة، وليس مجالا ضيقا بل فيه نوع من الحرية، والإجماع الحقيقي والديمقراطية.

الإسلام فلسفة وأخلاق

في هذا السياق، أكد المنجرة أن الإسلام ليس دينا يقتصر على الجانب العقدي فحسب -مع الاعتراف بأهميته المركزية – بل هو قبل كل شيء رؤية ومشروع مجتمعي، ونظام لقيم مجتمعية وثقافية، وهو في الوقت ذاته فلسفة حياة وتركيب عقلاني ومعاملات وأخلاق ونظام يدافع عن مبدأ التعددية الثقافية؛ وهذا أحد أسباب انتشاره، إذ الإسلام في أصله لم يدع إلى فرض نظام ثقافي متجانس.

فحقيقة القيم ومنزلتها في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتقني والعلمي في تقدير المنجرة تتوقف على مدى حركيتها، وقدرتها على تقديم الحلول لمشاكل الواقع الراهن، بل والتصدي لتلك التي تلوح في الأفق، وهذا هو جوهر الاجتهاد في زمن الحضارة الإسلامية “عصر الإبداع”.

وبمجرد غلق أبواب الاجتهاد بزغ “عصر التقليد”؛ أي عصر التكرار الذي لا يسمح بالعمل بمرتكزات التجديد، وهو ما أدى إلى التخلف والتهميش الذي يشهده المسلمون اليوم. ولكن يجب على الذين يدرسون الإسلام عموما أن يرجعوا إلى المنابع الأصلية التي تشجع على مسايرة التطور العالمي.

وهكذا أكد المنجرة أنه قبل أن يكون للإسلام مستقبل، يجب على المسلمين أن يكونوا أهلا لهذا المستقبل، وتساءل مستنكرا: نحن آلة متأخرة، ليس لنا الإمكانيات ولا الطاقة البشرية ولا العلم، فماذا ينفق المسلمون من أجل البحث العلمي؟ وفي هذا السياق دعا إلى محاربة الأمية والجهل الذي تفرزه، وضرورة الامتثال لقوله تعالى” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” وهو أول أمر في أول سورة أنزلت من القرآن الكريم. ولا خلاف في أن غياب الأخذ بهذه التعاليم أسهم في ضعف دول العالم الإسلامي وتشتتها، ومن ثم سهولة احتلالها والسيطرة عليها سياسيا وثقافيا واقتصاديا.

لا يحتاج المرء إلى عناء كبير ليدرك أن العالم الإسلامي محتل بكامله، بلغة التحدي قال المهدي المنجرة: ” أتحدى أي أحد يقول لي إن هناك دولة عربية أو مسلمة مستقلة، لا وجود لها بدون سيطرة أمريكية فيها “، وهذا ما يمكن تلمسه بنظره من خلال كوميديات مؤتمرات القمة العربية والإسلامية، فممثلوها مسيرون من بعيد من قبل أمريكا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وفي ظل هذا الوضع، فإن التغيير في العالم العربي والإسلامي لن يتحقق في اعتقاد المنجرة إلا عبر ثلاثة مشاهد:

. المشهد الأول: وهو “بقاء الأشياء على حالها”، وهو خيار غير ممكن عمليا، لأنه من غير الممكن أن ننزل إلى أسفل مما نحن فيه؛

المشهد الثاني: يتجلى في “الإصلاح”، وهو خيار انتهت فترته، وكان يمكن تحقيقه في السنوات الخمس أو العشر الماضية؛ وعليه فإن أي إصلاح الآن سيكون جزئيا، ولا يمكن أن يؤثر في الكل المأزوم؛

المشهد الثالث: يتمثل في “التغيير الشامل” الذي يمكن أن يتحقق عبر احتمالين: إما وعي حقيقي ومسؤولية كاملة من أصحاب القرار تجاه مستقبل بلادهم، والإيمان بأن الإصلاح الجزئي غير كافٍ، وإما اللجوء إلى ما يسمى “القطيعة”؛ على أساس أن الأولوية تكون للتحرك الثقافي. إذ لا يمكن لأحد من خارج البلاد العربية والإسلامية أن يحل مشاكلها، بل يمكن الاستفادة من خبرته لا من اختياراته، واعتباره آلة ووسيلة، لا اتباعه في المقاصد والغايات.

والحق أن ما جرى في بعض دول العالم العربي والإسلامي تحت مسمى أحداث “الربيع العربي” أو “الربيع الديمقراطي” لهو دليل ساطع على صدق توقعات المنجرة الاستشرافية، وهو ما صرح به قبل وقوعها بقوله ” نحن في الدراسات المستقبلية نعرف جيدا أن الواقع لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه اليوم، نحن في هذه الدراسات لا نأتي بأشياء من السماء؛ نحن نرى أن كل شيء مرتبط بالثمن الاجتماعي. التغيير آت لا شك فيه، والانتفاضة آتية لا شك فيها أيضا، ولكن هل ستكون بعنف كبير وبخسارة كبيرة بآلاف الأرواح؟ أم إنها ستأتي بلطف؟”، وهو ما سعى إلى تبيانه وتفكيكه في كتابه الموسوم”انتفاضات في زمن الذلقراطية”، وليس في زمن الديمقراطية.

موازين أخلاقية

إن الحركة النهضوية في حاجة ماسة إلى حوار داخلي حقيقي، يشعر فيه كل فرد منا بأنه مواطن ذو حقوق ووجود أصيل، وإلا فلن تكون لنا مصداقية. والمصداقية التي يبتغيها المنجرة هنا تحتاج إلى مرجعية أخلاقية؛ أي الاستناد إلى معايير وموازين أخلاقية راسخة، سيما أن الأزمة الأخلاقية هي أعتى الأزمات التي تصارعها دول العالم العربي والإسلامي.

لذا، فإن مواجهة هذه الأزمات بمختلف تجلياتها – كما يعتقد المنجرة – تتأسس على بناء مجتمع مدني واعد يملك القدرة على التفاعل مع المجتمع المدني الدولي وفق اختياراتنا الذاتية، بعد كفالة حقوق الإنسان وحرية التعبير على وجه الخصوص” ولما تكون هذه الحريات واقعية وحقيقية يأتي التغيير وتتضاءل تكلفته، لأنه ليس هناك حل آخر”.

ويمنح المهدي المنجرة الأولوية المطلقة للإنسان في جميع مشاريعه الإصلاحية؛ حيث يدعو إلى وضع برامج تربوية ملائمة لصناعة المستقبل، وذلك بمحو الأمية والفكاك من ربقة الفقر، عبر توزيع أكثر عدلا للثروات والموارد داخل البلد الواحد وبين البلدان بعضها مع بعض، ومن خلال استثمار أوسع في مجال البحث العلمي لتحقيق الكرامة التي هي جوهر التغيير؛ وهذا يستوجب حتما أن ينبع التغيير من الداخل لا من الخارج.

توفي المهدي المنجرة رحمه الله بعدما بيّن للشعوب ما لها وما عليها في الحاضر والمستقبل من خلال مؤلفاته القيمة، من قبيل “من المهد إلى اللحد” و”الحرب الحضارية الأولى” و”القدس العربي رمز وذاكرة” و”حوار التواصل” و”عولمة العولمة” و”انتفاضات في زمن الذلقراطية” و”الإهانة في عهد الميغا إمبريالية”. يُضاف إلى ذلك حواراته ومحاضراته التي ما تزال تشهد إقبالا استثنائيا يثير الدهشة.

سيظل فكر المهدي المنجرة خالدا؛ لأنه قبس يرسل إشعاعات لا تُنسى ولا تتناهى حدودها. وبحكم موسوعيته وشخصيته الفذة القادرة على خدمة الإنسانية، فإن الذاكرة المغربية معنية بتكريس ثقافة الاعتراف في حق مفكر كبير فقدته الساحة الفكرية والعلمية والثقافية العالمية. ورغم أن العظماء لا يموتون ولن يموتوا، لأن أفكارهم تبقى حية تنبض في دماء أهل الحكمة بعدما عضوا عليها بالنواجد؛ وعليه، فإذا كان المنجرة يعتمد في دراساته الحضارية على مقولة المؤرخ وفيلسوف الحضارات الفرنسي فيرناند بروديل (1902 – 1985م) “لا نعترف بحضارة إلا من خلال ما ترفض استلافه”، فإننا لا نعترف بدورنا بأي فكر تنموي إلا من خلال ما رفض استلافه المنجرة رحمه الله.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المعارضة تنتقد البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45 1

المعارضة تنتقد البرنامج الحكومي

صوت وصورة
دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:44 2

دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56 4

حامي الدين والبراءة في الاستئناف

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21 1

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37 1

الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"