الكتابة بالأثر

الكتابة بالأثر
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:27

الكتابة بالأثر في ديوان “الكتابة من نقطة التلاشي” للشاعر المغربي سامي دقاقي

صدر العمل الشعري “الكتابة من نقطة التلاشي”، للشاعر المغربي سامي دقاقي، عن دار النهضة العربية بلبنان، في طبعته الأولى سنة 2012 فائزا وقتئذ في مسابقة شاعر لأول مرة إلى جانب ثلاثة أسماء أخرى هي: الشاعرة المغربية نسيمة الراوي والشاعر المصري أحمد يهوى والشاعر اللبناني جوزيف دعبول. تتوزع قصائده الخمس عشرة على اثنين وسبعين ومائة صفحة، وهي عبارة عن شذرات ومقاطع نثرية، بنَفس شعري، اعتمد فيه الشاعر على تكثيف العبارة، وحبك صور تحاكي الدفقة الشعورية، في إشارة إلى رؤية عميقة تختزل همومه وتطلعاته، منسجما مع موضوعات كثيرة، مثل موضوعة الحب، الوجود، الولادة، العدم، الموت…

منذ البداية يطالعنا سامي دقاقي بعنوان صادم، ورامز في آن، (الكتابة من نقطة التلاشي)، وتعرف نقطة التلاشي في الفنون التشكيلية، بنقطة الفرار، التي تنتهي إليها الخطوط المتوازية، وهي النقطة الأبعد التي تنتهي إليها الصور، هي أبعد نقطة تراها العين، وقد جعلها سامي نقطة محورية في كتابته.

ينسجم ذلك مع لفظة “التلاشي”، التي توحي باللايقين القائم على اللاتوازن، فيربط الشاعر هنا، معنى التلاشي بفعل الكتابة، هذه الكتابة التي يمكن اعتبارها، من منظور قصيدة النثر، تعبيرا عن معنى موازي، ومعنى منْفلت، وبعيد، نتطلّع إلى الظفر به.

مفارقة ومغامرة يخوضها الشاعر، من خلال كتابة نوعية بعيدة عن التجنيس قريبة من الشعر، مفتوحة على التأويل بكل مستوياته، بأفق ما بعد حداثي، بحيث تخلّص سامي من كل أشكال التقليد والكلاسيكية الشعريّة، نحو رؤية فنية وجمالية جديدة في التركيب والتصوير والإيقاع، تُخرج مفهوم القصيدة من النموذج الواحد إلى النموذج المتوحِّد، هذا الأخير الذي يربط القصيدة/ النص بصاحبها، فيجعلها مفتوحة على التعدد الدلالي، والتأمُّل الفلسفي، والاشتغالات، والهندسات البصرية على مستوى الأفْضية وسواد وبياض الورقة.

إذ تتعدَّد السُبل إلى فهم الحقيقة والوصول إليها، من خلال الخبرة والتمرّس في فهمنا للوجود وإشكالياته، فترتبط الكتابة بشرط افتعال نموذج يعتمد على التداعي الحرِّ، المرتبط بالنسقيّة التي يعتمدها الشاعر، والتي ترتبط بموقفه من الوجود والعالم والآخر. فلا كتابة ها هنا دون الربط بالعمليات الفكريّة العميقة التي يخوض فيها الشاعر بمقصدية وغاية، تستدعي وجود الأثر.

يقول في قصيدة ” الكتابة من نقطة التلاشي”:

“حين كنت مقيّدا إلى الصخرة

(ودائما ما أكون كذلك)

لم أفكّر في النّسر

الذي يمزّق كبدي…

ولا في شدّة الألم

أو زمن العذاب..

وإنّما فكّرت في قدَر الصخرة

التي ستظلّ تتحمّلني…” (الديوان ص 13)

استحضار البعد الأسطوري من خلال “سيزيف”و “بروميثيوس” يوحي من الوهلة الأولى بالمعنى الرمزي للأسطورتين، ولكن نكتشف أنّ التناول الموضوعي هنا متخلف، من خلال التوظيف المبتكر للشاعر، بحيث جعل الصخرة موضع اهتمام المتلقي عكس حامل الصخرة. إذ تصير الغاية هنا، البحث عن لحظة مبتكرة بعيدة عن المتداول، لحظة الشاعر التي يشكّل من خلالها وعيه الفطري عن العالم والوجود، من خلال الأسطورة اليونانية ودلالاتها الإنسانية، لحظة التغيير والتعبير الحر الموازي للحقيقة المتداولة.

يواصل سامي دقاقي لعبه الحر، وبحثه المتواصل عن الحقيقة الضائعة في تفاصيل اليومي، في جلّ النصوص، في مقطع من نفس القصيدة (الكتابة من نقطة التلاشي)، وهذه المرة يستلهم رمزية الفراشة، كمعادل للاحتراق والحلم والخِفّة، إنّه يجعل من خفّة الفراشة ثقلا مميتا. مفارقة يخوضه فيها سامي لَعبه الحر مرة أخرى من خلال رمزيّة الفراشة وتأثيرها.

يقول:

” الفراشة التي حطّت

على كتفه

كانت كافية لطرحة أرضا..

الكلّ ظل يفكّر في ثقل الفراشة (…) ” (الديوان ص 15)

يلتفت الشاعر إلى التفاصيل الصغيرة جدا، تلك التفاصيل العالقة على جدار الذاكرة المعتم، التي تشبه غرفة مظلة يبحث فيها عن ذبابة في زاوية من زوايا تلك الغرفة. ربما تمكّن دقاقي من إمساك الذبابة رغم عتمة الغرفة؟!

يقول في نفس القصيدة (الكتابة من نقطة التلاشي):

“بينما الخدم

ينسحبون في منتصف الرّعب

عبر الباب الخلفي

مهربّين أرواحهم وشوكات من ذهب..

هذا ما حصل فعلا

غير أنّ لا أحد –إلى الآن-

استطاع أن يحدّد هوية الضيف

الذي كان يتجوّل في حديقة القصر

بجناحيه السوداوين…” (الديوان ص 27)

هذه الإثارة اللغوية بالموازاة مع اقتناص تصويري مثير، تدفع المتلقي إلى الوقوف، وإعادة تمثيل اللحظة الشعرية ومن خلالها اللحظة الإنسانية الملْفتة لانتباه المتلقي (جناحين سوداوين/ الموت)…إنّها لحظة البدء الأولى، لحظة اكتشاف الحقيقة، أو لحظة التماهي في البحث عن الحقيقة، في بعدها التصويري السريالي، فتتحوّل المفردة إلى مفردات موازية، والمعنى إلى سياقات عديدة تستدعي التأمل والتفكير.

يقول في قصيدة “حادثة وعي.. على حافّة السّرير”:

“غيّرت الوسائد..

غيرت الأغطية..

غيرت الفراش..

نفس الدم الثقيل

يرقص على وجعي..

هل أستبدل أحلامي أيضا؟ !” (الديوان ص 37)

وفي نفس القصيدة يقول:

“الرأس..

يجنح إلى السيف..

محزوزا يسقط

جافّا

فارغا

يتدحرج في العدم..

الرأس المقطوع ذاته

يسأل:

هل بدأ حديث المقصلة؟ !” (الديوان ص41)

وفي نفس القصيدة (حاثة وعي.. على حافة السرير) يقول:

“أيّها السادة..

إنّه لأمر مؤسف

أنّ نسقط هكذا

دون مبرّرات

أو احتياطي حياة

أو لباس واق

مجرد أرض صلبة

نرتطم بها كي نكتشف عظامنا..” (الديوان ص 59)

نفس الاشتغال يخوض فيه سامي دقاقي غمار الكتابة، من خلال اقتناصه التصويري الملْفت، وكأنّه يجعل المتلقي الذي يمسك بآلة التحكّم عن بُعد، يُوقف اللّقطة التي تبدو أمامه على الشاشة الكبيرة، ويتأمل مليّا في تفاصيلها المُفجعة، فيرى نفسه من خلالها، متمعنا في اللّقطة وراسما أبعادها وآثارها الدرامية.

إنّه يمشي فوق حبل متأرجح باعتماد مهارة لاعبي السِّرك، إنّه اللّعب الحرّ وتفادي السقوط من فوق الحبل المتأرجح.أو بعبارة أخرى، السباحة داخل مساحة صغيرة وعميقة جدا، أشبه بالسباحة داخل بئر عميقة، فأي خطأ يمكن أن يسبّب الغرق فورا، لكن الشاعر سامي دقاقي يتمكن من النجاة دائما … إنّه يتنفس داخل البئر ويتفادى الغرق بمهارة، فعليه أن يضبط أنفاسه بعناية بالغة…إنّه يتعلم الغرق بطعم الهواء… أو يجعل السباحة داخل البئر ممكنة!!

-شاعر وباحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 22:33 3

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 4

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"

صوت وصورة
الاتحاد الدستوري في مقر "البام"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 12:43 2

الاتحاد الدستوري في مقر "البام"

صوت وصورة
شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 11:55 1

شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس

صوت وصورة
عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:49

عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع