المعرض الدولي للكتاب بين " المقاولاتية" وبين "العلل الفكرية"

المعرض الدولي للكتاب بين " المقاولاتية" وبين "العلل الفكرية"
الأربعاء 8 فبراير 2017 - 12:46

إذا كان الرأسمال الاقتصادي هو الثروات المادية والعائدات، والرأسمال الاجتماعي هو العلاقات التفاعلية والتعارفية، فإن الرأسمال الثقافي هو حصيلة التعليم والمعرفة والاجتهاد فيهما، وهو بتعبير بيير بورديو مجموع المصادر الثقافية التي ينهل منها الفرد، وتشمل العادات والرموز الدينية والفنية، وقد تشمل المؤهلات الفكرية للمحيط الأسري والنظام التربوي الذي يؤثر في الفرد ويوجهه بالمحاكاة وإعادة الإنتاج.

هكذا، يكون الرأسمال الثقافي مثابرة وتراكم وامتياز مجتمعي يتجسد في عناصر أساسية: هي ” الهابيتوس الثقافي” الذي يجعل الإنسان كائنا ثقافيا في فضاء عام، و” التحصيل الثقافي” المجسد في الكتب والآثار والأدوات الرقمية المخزنة، ثم “المأسسة الثقافية ” المجسدة في المكتبات ودور السينما والمتاحف والمعارض التي تعرض المنتوج الثقافي للتداول والاستهلاك؛ لكن التمايز لدى بورديو هو في الرأسمال الثقافي الذي نملكه، والقدرة على امتلاك نظرية ثقافية لا تنقضي بمجرد استهلاك المنتوج الثقافي، وهذا ما نقصده بـ”المقاولاتية”.

فمن سيصوغ هذه “المقاولاتية الثقافية”؟ وما تضاريس المثقف المغربي الذي عاش “الهابيتوس” و”التحصيل” ثم “المأسسة” أو لديه مساحات شاغرة وقابلة للتحيين؟ وهل لا يزال باستطاعتنا استعمال مفهوم “المثقف العضوي” أو “الملتزم” أو “الشقي” بالدلالة نفسها أم أن “سياق الثقافة” ودور المثقف قد تغير؟ ومن هو “المثقف المقاولاتي”، المفروض أن يزور المعرض الدولي، الذي من شعاراته “إنتاج الفكر”.

“المثقف المقاولاتي” و”الانتماء المجتمعي”:

إن “المثقف المقاولاتي” لا يتماهى فقط مع ثقافة المجتمع بل يجددها ويبدعها، إنه المثقف المنتج للثقافة، والباحث عن “أسواقها” و”مراكز إنتاجها “، وهنا تختلف درجات “الفعل الثقافي” في “بورصة الثقافة”، وهو ما أشرنا له بالتموجات القابلة للتحيين، والتي تعبر عن نبض المجتمع، فالمثقف الذي يكون فعله الثقافي خطيا أفقيا، مثقف بلا حياة، ونحن لا ننفي عنه” ثقافيته” لكن لا أثر لها في الواقع، والمثقف الذي لا يعتبر مشاكل المجتمع مشاكله ليس بمثقف مقاولاتي، وقد يكون مثقفا ذاتيا، والمثقف العالم الذي يشتغل في تطوير أسلحة الحرب، المادية والمعنوية، ولا يشعر بطاقتها التدميرية ولا يعارض استعمالها هو “مثقف حرب”.

وإذا كانت الثقافة خاصية إنسانية فالإنسان يرتبط بالمعرفة بمستوى معين، وبهذا القانون سنلغي الثنائيات الثقافية المتضادة التي تخلق التطرف (المثقف والأمي)، وسننظر إلى المجتمع أنه في “ارتقاء ثقافي”، أي أن الثقافة مستويات يسعى إليها المثقف، وإذا كنت مثقفا فلا يمكن أن ترتقي وحدك، لأن قانون الثقافة هو الارتقاء بالمجتمع، والمثقف هو الذي يخلق” الإيقاع الثقافي”، وكل مثقف يفرض إيقاعا معينا ينسجم مع إيقاع المجتمع.

يستعمل البعض مفهوم “النخبة المثقفة ” للتمييز داخل المثقفين، ولا بد لهذه النخبة من تناغم أو تحقيق لـ”البرازخ الثقافية” أي التفكير في قضايا المجتمع بروح من” الانتماء الاجتماعي” ومن “المسؤولية المجتمعية”.

ثم نجد مفهوم “الإنتلجنسيا” بالدلالة الماركسية، و”المثقف الشقي” عند هيجل، و”المثقف العضوي” وفق نظرية غرامشي، و”المثقف النقدي” حسب نيتشه وسارتر و”المثقف الملتزم” عند بيير بورديو، و”المثقف الرسولي” في طرح المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، ثم “المثقف الفطن الواضح الرؤية” عند الجابري.

يرى المفكر الجابري أن المثقفين هم الذين يتكلمون ليقولوا ما يعرفون، ليقوموا بالقيادة والتوجيه، هم الذين يلتصقون بهموم الوطن والطبقات المقهورة، فالمثقف يضع نفسه في خدمة المجتمع، يدافع عن الحق والحقيقة ويرفض الظلم والقهر، هو الذي يشتغل بالثقافة إبداعا وتوزيعا وتنشيطا، إنه المشارك في ” تنمية الثقافة” بتجلياتها المختلفة.

ويرى أن المثقفين هم الفئة الواعية المتسمة بموضوعية التفكير ووضوح الرؤية والقدرة على التحليل والمحاكمة المنطقية، وحدهم المثقفون القادرون على تصحيح صورة الوعي الجماهيري المزيف والدعايات المضللة.

ويخلص إلى أن غياب المشروع الثقافي للدولة أدى إلى ظهور “مثقفي المقابسات” المستهلكين للثقافة، الآخذين من هنا وهناك، الحاضرين في كل المجالس الثقافية.

العلل الفكرية:

أثارني تعليق أحد الصحافيين في ندوة وزير الثقافة استعدادا للمعرض أن من أهدافه “تجديد الفكر” وأحسست بثقلها، وكأننا أمام مشروع نهضوي، فالفكر هو الذي يغير ثقافة المجتمع، هو الذي يشخص مواضع الألم ويعطي النموذج الصحيح للمشهد الثقافي العليل، ومن “العلل الفكرية”:

ـ التفكير بإحساس الفرد ” العيني” لا بإحساس المجتمع ” الكفائي”:

إن الفكر في الأصل هو ولاء للمجتمع، والوعي المدني لا ينظم عادة إلا من خلال المؤسسات، وعلينا أن نعترف أن الأعمال الفردية تم الاهتمام بها أكثر من الجماعية، فـ”الفروض العينية” فصلت تفصيلا، بينما “الفروض الكفائية” ظلت عائمة، وقد يدخل الفكر والثقافة ضمنها، مع أن الفقهاء صرحوا بأن الفرض الكفائي إذا لم يقم به أحد صار عينيا، وقد ربطوه برد السلام وتجهيز الميت، فمن سيلزم بـ”عينية الفكر”؟ فالفكر لا ينتعش بتوصيات ضرورة الكفاية، ولا يمكن للمبادرات الفردية أن تحل مشكلة أمية مجتمع، وهل هذه مهمة وزارة الثقافة أم وزارة الأوقاف أم وزارة الداخلية؟ أم أن “عدم التخصص” حل لإحالة الملفات على أهل “الحل والعقد” الذين إذا ما تحركوا ففي إطار “فروض العين” وقلة الفاعلية، فالحجر لا يأخذ صلابته إلا باجتماعه وإلا فهو قبضة رمل.

ـ التفكير الكارثي:

إننا لا نتحرك إلا عند وجود أزمة، شأننا شأن “الدببة ” التي لا تتحرك إلا إذا أحست بالخطر، بينما التفكير السليم هو الذي يحس بالأزمة قبل وقوعها ويتخيل تداعياتها قبل أن تصبح أخطبوطا.

من أسباب هذا التفكير الكارثي قلة المعلومات التي تساعد على الفكر، فنحصل عليها بعد فوات الأوان، ( ما العمل وقد حصل ما حصل… نحن أبناء اليوم…الدائرة تدور وتسير الأمور…) هكذا يفتحنا التفكير الكارثي على التفكير التبريري.

ـ الانحسار الفكري الطوعي:

قد تكون فكرة الانشغال بالذات حقيقة، لكن هناك حقيقة توازيها أن الفكر يمكن أن يوسع من المجال الحيوي ويتجاوز الانحسار، فالاهتمامات الذاتية تبقى دائما محدودة وجزئية. فالتفكير القرآني ما كان منحسرا في الزمان والمكان، بل حدثنا عن تاريخ الأمم المختلفة وأمرنا بأخذ العبرة وأن نحمل الرسالة للعالمين، وواضح أننا لسنا في مستوى الرسالة.

ـ الانفصال بين الفكر وبين المنطق العملي:

إن تفكيرنا أرخبيلي أي على شكل جزر لا يربط بينها رابط، ففكر المغرب لا يصل إلى المشرق وكذا أفكار المشرق، بل إن الانحسار في القطر الواحد للإحجام عن القراءة، وقد ترتب عن ذلك عزلة المفكرين، لهذا لدينا أفكار كثيرة غير مطبقة، ولدينا أعمال لم تسبق بأي تفكير، فلابد من التفكير في العلاقة الجدلية بين الفكر وبين العمل.

أما بعد:

إن المعرض الدولي للكتاب حفل للمثقف المقاولاتي الذي ينتج الثقافة بالرموز والدلالات، يحلل المعطيات وينتقد الأحداث، ويؤثر في المجتمع ويدافع عن قضاياه. “المثقف المقاولاتي” صاحب “مشروع ثقافي” مشارك في الحياة العملية وليس فارس منابر، مشروعه الحرية والكرامة أكبر أسهم ” البورصة الثقافية”.

والمفروض فيه أن يطلع بمهام التجديد والتغيير ونشر الوعي ومحاربة “النخبوية” والتمركز حول الذات، وأن يغير نظرته لملامسة قدرات الشعوب التغييرية والالتحام بقضاياها وتجاوز نعوت الهامشية والإقصاء. فلماذا لم تعد مؤسساتنا وجامعاتنا تنتج مفكرين أو مشروع مثقفين جدد؟ ولماذا يتم إقصاء مثقفين لا منتمين؟ ولماذا لم تعد الأحزاب مدارس للفكر، تسهم في وضع المشاريع الأساسية للبلاد؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • aziz ghoufari
    الأربعاء 8 فبراير 2017 - 13:15

    لا يشبه المعارض الاخرى بل هو شبيه بأسواق "لقريعة" للخردة و لا علاقة له بالفكر مطلقا بل هو سوق من الاسواق الاسبوعية في البوادي المغربية- و لا جديد فيه لان الابداع و الحرية تغيب في المجتمعات العربية الاسلامية و ما عدا كتب صفراء كلها ماضوية و بالية و غارقة في "لغموليا" لفقهاء عاشوا في قرون خوالي في الشرق العربي فلا شيئ يغري ابدا- بل فقط مكان للضجيج و التلوت الصوتي- اين ما مررت لا ترى الا كتبا حتى في شكلها تعيد الكتب القديمة مثل كتب السحر الاحمر و عذاب القبر و ذكر الله و الحصن المثين و كتب الادعية (السفر الزواج الطلاق النجاح الرزق الصحة الحج الزكاة تفريج الكرب الطب النبوي الشفاء بالعسل و الحبة السوداء و معجزة السواك و بول البعير الخ) و استخراج الكنوز و الجن من الابدان و اذاب دخول الحمام و الاكل و الجماع و مزيا لبن الجمال و حلاوة و طلاوة البلح و ركوب الخيل الخ- هذا كل ما شاهدته في الدورة السابقة ناهيك عن الزحام الكثيف المعيق للحركة و للفكر- و ثمة كتب بالافرنجية تافهة يكتبها مغاربة تافهين وصوليين يعتقدون انهم بخربشاتهم و ركاكتهم و عدم المامهم بلغة اجنبية قد يوصلهم الى الشهرة او فتح ابواب IF

  • سالم العبدي
    الأربعاء 8 فبراير 2017 - 13:52

    مقال جيد و يسلط الضوء على المشهد الثقافي المغربي الضئيل و الفقير جدا و الذي يمكن اختزاله في غياب الفكر و الجهد الفكري الذي يميز الشعوب الحرة الديموقراطية الليبرالية المبدعة المجددة – عكس الشعوب العربية حيث لا يفعلون سوى ترديد و تكرار و اجترار نفس الكلمات سواء في المقاهي و المدارس و الجامعات و الصحف و الطاكسيات و حافلات النقل الخ – نفس الكلمات التي كان يرددها اقوام منذ عصور خلت و يعتبرونها هي الحقيقة المطلقة التي تفوق البحث العلمي و العقلي- فالناس تعتقد انها تتوفر على الحقيقة و لا مجال للبحث في امكنة اخرى او حتى استعمال العقل بل ان استعمال العقل هو حرام يقود الى الخروج عن الدين- حين تتجول في تلك البلدان الكثيرة الزحام بالبشر نتيجة غياب النظام و العقل و حيث البشاعات في كل جانب نفهم علاش هي بلدان يفر منها اي تفكير حر موضوعي علمي- فالناس موزعة في المكان بعشوائية قاتلة و الكل يتزاحم على لا شيئ و لا شيئ جميل يغري و لا هذوء من اجل التفكر و التأمل الخ- فبنيات تلك المجتمعات العجيبة الغربية في عصرنا الحالي (مدن معمار نقل صحة الخ) كلها ضد العقل او الفهم السليم- نحن امام مجتمعات بهيمية اي بلا عقل

  • HASSAN LIBRAIRE
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 22:02

    Quel est votre dernier livre que vous avez
    lu ce mois concernant un auteur marocain?il faut arrêter des blablas inutiles car nous avons des auteurs qualifiants connus sur la scène internationale
    merci de se débarrasser de votre mentalité archaïque qui ne sert à rien.nous sommes en 2017 et nous avons des librairies au niveaux, des livres aux niveaux ainsi que des lecteurs qui lisent d'une manière régulière. ..

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36 1

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03 2

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 3

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 7

تعليقات على النتائج الانتخابية