ترحيل الأسر من العشوائيات.. فرصة لتحسين العيش أم إعادة لإنتاج الفقر؟

ترحيل الأسر من العشوائيات.. فرصة لتحسين العيش أم إعادة لإنتاج الفقر؟
صورة: أ.ف.ب
الأحد 4 ماي 2025 - 04:00

إثر ترحيل عدد من الأسر من المساكن العشوائية بضواحي المدن إلى أحياء حضرية منظمة، يتجدد النقاش حول مدى قدرة هذه الأسر على الاندماج في النسيج الحضري، وما إذا كان الانتقال الجغرافي قادرا على تحقيق تحولات اجتماعية واقتصادية ملموسة لصالحها.

وفي هذا السياق، تُثار تساؤلات حول تأثير الانتقال إلى المدينة على المسارات الاجتماعية للأسر المعنية، حيث تتباين الآراء بين التفاؤل بتحسين ظروف العيش وبين القلق من إعادة إنتاج الفقر بأشكال جديدة، خاصة في حال غياب الآليات الضرورية للمواكبة التي تساهم في تحويل السكن اللائق إلى ارتقاء مجتمعي حقيقي.

إغراء المدن

حسن قرنفل، أستاذ علم الاجتماع، قال إن “المدن، والكبرى منها على وجه الخصوص، تُمارس إغراء كبيرا على مجموعة من الأشخاص القاطنين إما في المناطق القروية أو شبه القروية، حيث يعتقدون بأن فرص العمل وتحسين ظروف العيش وحتى الاغتناء هي أمور ميسورة وموجودة في الفضاء الحضري، وخاصة في المدن الكبرى”.

وأضاف قرنفل، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “فئة من هؤلاء السكان يرغبون في الهجرة إلى هذه الفضاءات ويمارسونها فعلا؛ غير أن هذه الآمال كثيرا ما ترتطم بصخرة الواقع، حيث يكتشفون أن ظروف العيش في المدن الكبرى صعبة جدا؛ من صعوبة إيجاد سكن لائق، إلى صعوبة العثور على عمل، وتأسيس أسرة، وتحمل أعباء تهم تمدرس الأطفال والاعتناء بهم”.

وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن “هذه التحديات تُطرح على الأسر في كل المواقع، سواء القروية أو الحضرية، لكن وقعها يكون أشد في المدن الكبرى، خاصة في ظل قلة الحيلة وضعف الموارد المالية، ما يدفع الكثيرين إلى السكن في أحياء عشوائية، تُقام غالبا في مناطق غير مهيأة، وبعيدا عن أعين السلطات، ودون توفرهم على الوسائل الضرورية للحياة الكريمة”.

تنظيم المجال بالترحيل

أكد حسن قرنفل أن “هذا الواقع يطرح في لحظة من اللحظات ضرورة الحد من الظاهرة وتنظيم المجال، ويتم ذلك غالبا عبر التخلص من هذه المساكن العشوائية؛ ما يجعل المقيمين فيها أول الضحايا”.

وأوضح أستاذ علم الاجتماع أن “ترحيل سكان الأحياء الهامشية لا يعني بالضرورة إعادة إنتاج الفقر، لأن هناك أحيانا برامج اجتماعية ترافق الترحيل، تعرض بدائل سكنية مثل الشقق الاقتصادية أو البقع الأرضية للبناء؛ مما يُحسن، نسبيا، من الوضع الاجتماعي للسكان”.

ودعا المتحدث ذاته إلى “ضرورة أن تُقام المساكن البديلة في فضاءات تتوفر على بنيات إنتاجية؛ لأن المشكل الأساس، حسب رأيه، هو أن هذه المساكن تُبنى غالبا خارج المدينة، أي خارج مجال النشاط الاقتصادي، ما يزيد من أعباء ومصاريف التنقل. ولهذا، يرفض كثير من سكان الأحياء الصفيحية مغادرة مواقعهم الأصلية، نظرا لارتباط مصالحهم المهنية والاجتماعية بها”.

تداعيات الترحيل الإكراهي

زكرياء أكضيض، أستاذ علم الاجتماع، قال إن “الحديث عن انتقال الأسر من أوساط إلى أخرى باستعمال مصطلح ‘الانتقال’ يحيل على حالة من الانتقال الطوعي والاختياري؛ غير أننا في هذا السياق لسنا بصدد انتقال طوعي، بل نتحدث عن انتقال إكراهي يتم في ظروف معينة، إما بدافع المصلحة العامة أو لأسباب أخرى تُقدّرها السلطات المحلية”.

وأوضح أكضيض، في تصريح لهسبريس، أن “هذا النوع من الانتقال الإكراهي من وسط إلى آخر له من دون شك تداعيات؛ إلا أنه لا يمكن الجزم بأنه سيؤثر مباشرة على الوضع الاجتماعي أو على تراتبية النظام الطبقي، بقدر ما يمكن القول إنه قد يحدث تحولات على مستويات عديدة”.

وأفاد الأستاذ الجامعي بأن “التحولات قد تمس أولا بنية الأسرة، حيث نلاحظ أن في المجالات الهشة هناك ميلا نحو تشكّل أسر ممتدة تتكون من الأب والأم والأبناء غير المتزوجين؛ وبالتالي، فإن الانتقال الإكراهي من مجال إلى آخر قد يفرض تحولات في هذه البنية”.

وأضاف المتحدث ذاته أنه “يمكن رصد تحولات أخرى على مستوى النمط الاقتصادي المعتمد، إذ في المناطق الهشة لا تزال هناك أسر تعتمد على تربية المواشي وعلى التنقل بوسائل تقليدية مثل العربات المجرورة بالحيوانات. ومن هنا، فإن الانتقال الإكراهي قد يؤثر سلبا على هذا النمط الاقتصادي، بما يشمل ليس فقط وسائل النقل؛ بل أيضا الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمجال الأصلي الذي غادروه”.

وأكد أكضيض أن “ما سبق يمكن ملاحظته بوضوح في حالة ‘كريان سنطرال’، أقدم حي صفيحي في مدينة الدار البيضاء، حيث نُقل السكان إلى مجالات جغرافية بعيدة أو في ضواحي المدينة؛ مما أثر على نمطهم الاقتصادي، إذ إن أغلب سكان صفيح ‘الحي المحمدي’ كانوا يشتغلون في قيسارية الحي المحمدي، التي كانت تؤمن لهم مداخيل أساسية لسد حاجاتهم”.

بين التحسين والتدهور

أبرز زكرياء أكضيض أن “الانتقال الإكراهي يؤثر أيضا على الممارسات الاجتماعية، إذ في المناطق الهشة، تنتعش أشكال من التضامن الاجتماعي، ومختلف آليات مؤازرة الأفراد في أوقات الوفاة أو المرض وغير ذلك. أما في حالة الانتقال، فإن هذه الأشكال قد تشهد تراجعا أو حتى اختفاء”.

وشدد أستاذ علم الاجتماع على أن “هذا الانتقال لا يغير بالضرورة الوضع الاجتماعي للأسر نحو الأفضل؛ بل قد يؤدي أحيانا إلى تدهور وضعيتها بدل تحسينها، نظرا لما يصاحبه من تحولات على مستوى بنية الأسرة والنمط الاقتصادي والممارسات الاجتماعية، مما يجعل الأسر تفقد رساميلها المالية والرمزية التي كانت تضمن لها القدرة على الاستمرار”.

وقال المتحدث عينه إن “السؤال المتعلق بإكراهات هذه الأوساط يبقى مرتبطا بشكل وثيق بما تمت الإشارة إليه سابقا؛ فالإشكال المطروح هو إلى أي حد تستطيع المجالات الجغرافية الجديدة أن تستوعب ممارسات وقيم وأنشطة هذه الأسر ونمط عيشها؟ وهذا يطرح تحديا حقيقيا: هل يتم التفكير في هذا الانتقال باعتباره يتلاءم مع نمط عيشهم ويستجيب في الوقت ذاته لحاجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والرمزية والطقوسية؟”.

وختم أكضيض توضيحاته بالإشارة إلى أن “عدم استجابة هذه المجالات الجديدة لحاجيات الأسر المُرحّلة قد يحولها إلى مجالات فارغة، بل وقد تصبح حاضنة لسلوكيات لا مدنية، مثل الجريمة، وتعاطي المخدرات، أو التطرف؛ لأن الفرد لم يجد في المجال الذي نُقل إليه فضاء جغرافيا يستجيب لمختلف أبعاد حاجاته. وهذا جوهر ما يمكن توضيحه بخصوص إكراهات هذه الأوساط”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • Mhamed
    الأحد 4 ماي 2025 - 05:51

    السيد صالح الخزاعي،

    مع كامل الاحترام والتقدير لجهودك الصحفية، أود أن أعبّر عن بعض الملاحظات بخصوص مقالك . من المهم التوضيح أن العديد من الأسر التي كانت تقيم في المساكن العشوائية كانت في الواقع تسكن وسط أحياء حضرية منظمة. وبالتالي، فإن ترحيلها إلى ضواحي المدن يثير تساؤلات مشروعة حول انعكاسات هذا الإجراء، لا سيما فيما يتعلق بالبعد الجغرافي عن مقرات العمل والخدمات الأساسية، وهو ما من شأنه أن يفاقم معاناة هذه الأسر على مستويات متعددة، خاصة في ما يخص التنقل اليومي وظروف العيش.
    عند تناول مواضيع بهذه الحساسية، التي تمس بشكل مباشر حياة المواطنين، يصبح من الضروري التحري بدقة والاعتماد على معطيات ميدانية موثوقة، بل ومن المستحسن استشارة مختصين في مجالات كالتخطيط الحضري وعلم الاجتماع، لضمان طرح موضوعي ومتوازن يليق بحجم التأثير الاجتماعي لهذه القرارات.
    كما أود الإشارة إلى نقطة مهمة تتعلق بالصورة النمطية التي قد يُفهم من المقال أنها تُلصق بسكان هذه الأحياء. فبين هؤلاء، هناك من حقق مسارات نجاح متميزة، سواء على المستوى الأكاديمي أو المهني، ومن الظلم اختزال هذه الفئة في صورة سلبية.

  • محمد الأحبادي
    الأحد 4 ماي 2025 - 06:06

    لماذا لا يتم إعادة إسكان مالكي دور الصفيح في نفس المكان وهو الاجدر والاولى وهذا هو الامر الطبيعي ولكن الحقيقة ان اغلبية دور الصفيح توجد في مواقع استراتيجية وهذا يسيل لعاب مافيا العقار بدءا من رؤساء الجماعات الى كبار المنعشين العقاريين .اظن ان الامر واضح وضوح الشمس في عز النهار .

  • مواطن
    الأحد 4 ماي 2025 - 07:07

    ان كنت محظوظا فتمنى إلا يكون هولاء جيرانك لان جلهم لايتخلصون من عشواءية نمط حياتهم ويتشبهون بعاداتهم السلبية المتعلقة بنشر الأوساخ في محيطهم ومحيط الإقامات وإزعاج جيرانهم وترك أطفالهم خارج المنازل إلى ساعات متاخرة من الليل حيث ينزعج الجيران من صراخهم ، وان حاولت تنبيه هولاء الجيران قصد احترام قوانين السكن المشترك يهاجمونك بشراسة كي لا تكرر انزعاجك منهم. انه الجحيم.

  • عمو
    الأحد 4 ماي 2025 - 07:45

    تنتجون كاريانات جديدة لكن منضمة البناء لا غير

  • simmo
    الأحد 4 ماي 2025 - 09:51

    هذا مشكل معقد ونتائجه متشعبة خطيرة مباشرة وغير مباشرة أبرزها تشريد العائلات. واعادة إسكان المحظوظين منهم تخفي كذلك اثارا سلبية أخرى منها ابعادهم عن مقرات عملهم ناهيك عن غياب شبه كلي للمراقق الحيوية كالمستشفيات والمدارس .و….

  • عزيز
    الأحد 4 ماي 2025 - 10:04

    قبل بناء المنازل يجب بناء الإنسان والاهتمام بالتعليم والصحة والشغل….الجاهل سكن في قصر او في كوخ فسيبقى جاهل …..في الحقيقة كثير من الناس غادروا الإقامات التي يسكن فيها اصحاب البرايك ((اطلب الله ان لا يكونوا جيرانك))

  • القضاء على الاسباب
    الأحد 4 ماي 2025 - 11:27

    قضية العشوائيات حان الوقت لمعالجتها من جميع النواحي واهمها وضع قانون صارم ضد كل من يساعد في بناء ها،فهاته العشوائيات تأتي بسبب التساهل او اللامبالاة وكذلك لأغراض إنتخابية حيث يقوم بعضهم بجلب ناس من البوادي ويساعدهم لبناء العشوائيات مقابل التصويت عليهم في الانتخابات الجماعية او البلدية وغيرها،فمع الأسف الشديد يلاحظ تواجد هذه العشوائيات في مختلف المدن ،وحاليا بدات الدولة بسبب ضغط تنظيم كأس العالم بازالة بعضها مثل في الرباط والدار البيضاء ،والغريب ان بعض المدن السياحية لازالت فيها العشوائيات مثل تطوان باريو ملاكة bario Malaga وبمدينة أصيلة دوار المكسيك قرب وسط المدينة وملعب كرة القدم ودوار بويبلو قرب المستشفى ،والمامول نقل هاته العشوائيات التي تشوه جمالية المدن المغربية الى اماكن أخرى مناسبة .

  • abdou
    الأحد 4 ماي 2025 - 13:01

    عموما الصحافيين و الأساتذة مشكورين على طرح هذه المواضيع و التفاعل على جوانبها .إلا أن . إعادة الإيواء وراءه ما وراءه، في العمق لمصلحة الحيتان الكبار و الباحتين للربح السريع و لو على القيم و حاجة الكادحين .. فيما الأصل أن تتبث الساكنة و إعادة إيوائها في أماكنها ! و من يمنع ؟ غير اصحاب الهمزة االي ذكرت . يا اسفاه على تعميق الغضب و الازمات !

  • رشيد
    الأحد 4 ماي 2025 - 15:40

    الترحيل بالقوة وااتهديد بالهدم يجعل السكان يقبلون بالحلول تحت الضغط التي تفرض عليهم بالطاكس فيقبلون الشقق رغم انهم ليس لهم ما يؤدون به القسط الشهري القرض بالإضافة إلى الماء والكهرباء فهم محتاجون للسكن ورغم انهم يرفعون عقود مع البنك فاكيد ما ان يسكنوا فلن يستطيعوا نادية القروض لان اغلبهم فقراء ومسنون وستخلق مشاكل مع البنوك التي ستطردهم من مساكنهم وسيعودون للشارع وهكذا سنعود للحالة الاولى فمن قبل كان السكان يستفيدون من بقع ويبني لهم مقاول ويحصلون على شقة بحوالي 2مليون اما حاليا فيشترون شقة ب10مليون بالإضافة إلى فوائد القرض وهنا الدولة لم تكن عادلة فقد اعطت المستفيدين الاولين باقل تمن من الحاليين رغم ان هي من قدمت البعض واخرت الاخرين فلم تعدل بينهم

  • غيور على الوطن
    الإثنين 5 ماي 2025 - 12:17

    من فقر إلى فقر أشد حسبنا الله ونعم الوكيل
    هذا من أسباب تمرد المواطن على بلاده

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة