حديث المِرآة عن الدبلوماسية المغربية

حديث المِرآة عن الدبلوماسية المغربية
الإثنين 23 ماي 2022 - 22:09

من نافلة القول إن موضوع الوحدة الترابية للمغرب يشكِّل قطب الرحى في سياسته الخارجية ويمثِّل واحدة من مناطات ”الولاء والبراء” عِند صناع القرار بالمغرب. فلا غروَ أن ينتشي المغاربة بأي اختراق يتحقق في هذا الباب، خاصة إذا كان من عيار التسليم الأمريكي بمغربية الصحراء ثم إقرار مجموعة من الدول الوازنة بواقعية الطّرح المغربي المتمثل في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. يعضد هذه الإنجازات همهمات عن كنز اسمه جبل طروبيك، قبالة شواطئ الجنوب المغربي، وغمغمات عن حقول نفط وغاز هنا وهناك… فَحُقَّتْ لنا الغِبطة، وحُقّتْ علينا الذكرى كي لا يُنْقض الغزْل وتنفلت الصخرة مرّة أخرى من يد سيزيف.

ثمّ أمّا بعد،

أستأذن في البداية أن أقارن بين المغرب وتركيا، وهي مقارنة لا ريْب في نقصها، لكنها قد تساعدني على بسط وتبسيط رُؤيتي. من جهة أخرى سأُركِّز أكثر على دولتين يحزُّ في النفس أن يَحُول الجفاء والغباء دون إقامة علاقة واقعية معهما، دولتين نَعرف ونُنكر بَعضا من سياساتها، ثم نحرض ضد أي قطيعة أو إمعان في استفزازهما، وأعني الجزائر وإيران.

ذات مرّة، قدّر حُكّام تركيا أنّ الشِّرّة الاقتصادية التي عرفتها بِلادهم قمينة بتأمين مُغامرات عسكرية ودبلوماسية، فاستعدوْا القاصي والدّاني واسْتحالتْ أُطروحة داود أوغلوا المعروفة بـ”تصفير المشاكل” إلى ”تصفير الأصدقاء”. تعددت الجبهات، وتشتت الانتباه، وكانت المحاولة الانقلابية، وجاء كوفيد، وانزلقت الليرة، وأمستْ المعارضة المحتشمة صراخا ومطالبات بانتخابات قبل أوانها… أما خارجيا، وهو ما يهمنا الآن، فقد كثر الهمز واللمز من كل الجهات. حتى أن الرئيس ترامب حذر الأمريكيين من أن غريمه بايدن لن يستطيع مقارعة ”مكر” أردوغان، ناهيك عن مناوشات مع ماكرون وميركيل وآخرين… فيما رأينا بعض العرب يضعون ”المجوس” و”العثمانيين الجدد” في رأس قائمة الأعداء.

ومن رحمة الإله بتركيا أن ساستها توقّفوا مليا أمام المرآة، أو ربما استوقفتهم المرآة. حدّثتهم صادقة، كعهدها. رأوا فيها وجوههم وواقعهم، أو جزءًا منه… أصغوا إليها وتمعَّنوا حالهم من خلالها. واقتنعوا أنها ليست عميلة ولا غبيَّة، لكنها فقط مرآة… فطفقوا يصلحون ما يمكن إصلاحه، حتى سمعنا عن محادثات مع أرمينيا واليونان. والذي يعرف مدى العداوة التاريخية التي تربط، أو تفصل، بين تركيا وهاتين الدولتين بالخصوص، سيعي جيدا عمق إيمان الأتراك بالمرآة.

وهنا وجب التنبيه إلى أن الإنصات إلى المرآة يستوجب شجاعة المُنصت والراوي. فكمْ من مُعرِضٍ ومكذِّبٍ ومخوِّن بعد أن صعقته المرآة بحقيقة الحال، وكم من مرآة آثرت السلامة بعد أن هُشمت أخواتها، فصامت عن الكلام أو خانت ”مرآتيتها”، فزينت القبيح وبرّرتْ الزلّات.

ترى ماذا ستقول المرآة للدبلوماسي المغربي…

لا جرَم أنها ستذكِّره، وتذكِّرنا، أنّ جلُّ المؤشرات الدولية التي تهم الاقتصاد، التعليم، الرشوة، الحكامة و…. تصنفنا في خانة الدول المتخلفة.. لربَّما حزَّ في نفسها أن تجرح كبرياءنا فاستعاضت عن ”المتخلفة” بـ”السائرة في طريق النمو”…

أيُّ مرآة خبيثة، متآمرة، عميلة، هاته التي تودّ تعكير مزاجنا… وحين يهدأ روعك ستجد نفسك مضطرا للإقرار بأن المرآة ما زاغ بصرها وما طغى..

وكن على يقين أن المرآة ذاتها، لا تطمئن كثيرا للمؤشرات الدولية، فهي تعرف أن جانبا معتبرا من اقتصادنا غير مهيكل وهناك ما هو ”تحت أرضي” لا يعلم به إلّا الله والراسخون في الميدان. كما أنّ مجتمعنا لا يزال ولله الحمد يعرف بعض قيم التضامن التي تَحول بين المغرب وثورة للمحرومين لا تْبقي ولا تذر.

كلام مرٌّ علقم، وجَرْس جاف جلف…

أظن، والله أعلم، أنَّ المرآة تودُّ بِقسوَتها هاته تنبيهنا إلى كوْن البلد يعاني من هشاشة كبيرة، نتأثر بالحرِّ والقرّ، بتقلُّب الأسواق وسوقية المتحكمين في الأسواق، داخليا وخارجيا.. من الأبناك الدولية نستدين وبِالأشقاء العرب نستعين..

في هكذا بحرٍ لُجّيٍّ تشتد الحاجة إلى الرزانة، إلى الحكمة، إلى البصيرة… وأعزُّ ما يُطلب حينها السلم والسلام مع الذات والأغيار..

بالأمس القريب، كنتَ إذا تمعَّنت في الواقع الجيوسياسي للمغرب ستجد في الشرق جارة متجهمة مغلوقة حدودها، وفي الجنوب جارة علاقتنا بها فاترة دون طعم ولا رائحة، وفي الشمال بحر فاتح فاه ليبتلع أبناءنا الحالمين اليائسين ومن وراء البحر تقبع إسبانيا وهي تلعن التاريخ والجغرافيا التي ربطتنا وإياها…

أكيد أن الوضع، الدبلوماسي، بات أقل بؤسا من الماضي، فالغيوم بيننا وبين الإسبان أخذت تنكشف. ومسألة الوحدة الترابية، كما أشرنا، راكمت نقاطا جديدة، عكسها افتتاح قنصليات عديدة في الأقاليم الجنوبية.

صحوة دبلوماسية رائعة، جاهل أو متجاهل من يعتقد أنها أتت من فراغ. لا شكّ أن ثمة آليات اشتغلت ومجهودات بُذلت، في السرِّ والعلن، كي يتحقق ما تحقق. وليس للمغربي إلّا أن يصفق بحرارة…

بعيدا عن الحماس، أوْ بُعيْده، وجب التذكير بقاعدتين لربما نفعتا العباد والبلاد، أولاهما ”التخلية قبل التحلية” وثانيهما ”درء المفسدة أولى من جلب المنفعة”.

ليس يخفى على مسؤولينا أنّ محدودية إمكانيات المغرب لن تساعده على ممارسة الترغيب والترهيب، تلكم لعبة لها أهلها كما لعبة الغولف أو الهوكي… وأي تنطع منا سيرهقنا لا محالة…

لا أخالني أضفتُ جديدا حين أُذكِّر أنَّ أسهل طريقه لحل المشاكل، وأقلها تكلفة، هي محاولة تفاديها…. إذا لم نستطع وصف ذلك بالشجاعة فلنسميها براغماتية.

ما ذا سنجني من شيطنة إيران، ولماذا قطعنا العلاقات مع فنزويلا ذات يوم…

في سنة 1984 انسحبنا من منظمة الوحدة الإفريقية، التي أصبحت في ما بعد منظمة الاتحاد الإفريقي، بسبب البوليساريو، لنعود إليها سنة 2017، ويبدو أننا أدركنا بعد 33 سنة أن الطبيعة لا تقبل الفراغ.

أما قضية ”شعب القبايل” فتلك نار أخشى أن نصطلي بها قبل غيرنا، وقديما قالوا إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمي الناس بالحجر. وكأننا لم نستفد من أخطاء الماضي، أليس المغرب هو من أغلق الحدود دون تنسيق مع السلطات الجزائرية، وبعد حين صرنا نمتعض ونستهجن بل ونصرخ…

كان الغاز يُساق إلينا سوْقا، وها نحن نبحث عن حلول ترقيعية من هنا وهناك… أحرجنا أنفسنا وأحرجنا معنا الآخرين…

قالت المرآة: ”الحق مع الأسدِّ لا الأشد”…

أجبتها: نعم يا صديقتي وإنَّ من التعنِّت ما يجلب العَنَت…

أتُرانا نطالب بدفن رؤوسنا في الرمال وتجاهل ما يحاك حولنا…؟

بل هي التؤدة، وتفادي اللغط. ولا يشين الحِلم صاحبَه، فإن لم يكن حلما فليكن صبرا… وإن لم يكن صبراً فتصبُّرا… لنفسح المجال للفضلاء والعقلاء وما أكثرهم في كلا البلدين.

وأما إيران فدعونا نستحضر لحظتين معبرتين تختصران الكثير من الكلام.

يروي عبد الهادي التازي أن المرحوم الحسن الثاني، أثناء زيارته لإيران في أبريل 1968، ركب مع الشاه رضا بهلوي سيارة مكشوفة، فأخبره هذا الأخير أنه أكثر أمنا وهو مع الملك، لأن لا أحد من الشعب يجرؤ على واحد من آل البيت يعني الحسن الثاني..

وبعد ثورة 1972، لم يتغير موقف الإيرانيين من الأسرة العلوية ومن المغاربة قاطبة، صرح بها أحد الدبلوماسيين الإيرانيين في المغرب، وصرح بها بشكل أكثر وضوحا الرئيس أحمد نجاد. دعونا نستمع، أو نقرأ، ذلك من الوزير المغربي السابق محمد اليازغي:

“تم اللقاء مع الرئيس الإيراني محمود أحمد نجاد صدفة، كنت ممثلا رسميا لملك المغرب في القمة الإسلامية التي انعقدت في إسطنبول، بعد أن دخلت الوفود إلى قاعة الاجتماعات، استقبلنا رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ثم مر بجانبي وزير الخارجية الإيراني الذي أعرفه جيدا، قدمني للرئيس الإيراني الذي تحدث معي بلغة عربية سليمة وقال لي ‘نحن نحبكم، نحبكم، نحبكم’ وكررها ثلاث مرات. وأضاف ليست لنا مشكلات معكم”.

إنَّ الذي قال ذلك هو أحمد نجاد، الذي شارك في اقتحام السفارة الأمريكية بطهران، والذي كانت تصريحاته لا تراعي إلاَّ ولا ذمة في أمريكا وحلفائها. ولا يمكننا إلّا أن نصدِّقه فيما قال. نصدقه ليس لأنه ولي من أولياء الله، بل لأن حب آل البيت جزء من عقيدة المسلمين كافة وتزداد أهميته عند الشيعة. وكما قلنا فإيران كانت ولا تزال تغلظ القول لدُول أقوى وأغنى من المغرب، وبالتالي فتوددهم إلينا ليس من خوف ولا طمع.

وإذا رغبت الدبلوماسية المغربية أن تنأى بـ ”آل بيْتِية” الأسرة الحاكمة من ”درن” السياسة، فلا ضير من سقف أدنى نستطيع تحته تحييد إيران والحيلولة دون وصول مسيِّراتهم إلى سماء العيون وربما الرباط… تقول المرآة إن الوقاية خير من العلاج…

وسواء تعامل المغرب مع إيران من باب ”الحب” أو ”الواقعية” فلا بأس من التذكير بأن مؤلف كتاب ”النباهة والاستحمار”، علي شريعتي، هو إيراني، وهو من الملهمين بطريقة أو بأخرى للثورة الإيرانية. بمعنى آخر يُحبذ الوضوح والصراحة، دون ذلك مضيعة للوقت والجهد ليس إلّا.

أما مسألة الأمن الروحي ومحاولات زعزعة الاستقرار في إفريقيا، فتلكم زوايا يمكن تدويرها بالحوار المباشر وليس بانفعالات وتدابير أحادية…

ومما يؤسف له أن الانطباع السائد حول القطيعة المغربية الإيرانية، هي أنها وليدة ضغوط أجنبية. نرْبأُ بالمغرب أن يَفْجر في الخصام مع إيران إرضاءً للآخرين، أو يومئ إليه كـ”عدونا المشترك” الذي عليكم أن تساعدوننا للتصدي له…

ألا فلْنعلَمْ أن السعودية اسمها السعودية وإيران اسمها إيران والولايات المتحدة اسمها الولايات المتحدة، لن أتمسّك بحقوق الملكية الفكرية على هاته المعلومات الجيوستراتيجية. كل ما أروم الإشارة إليه أن الأصل هو التعامل مع كل دولة حسب شروط ذاتية تحددها قِيمنا ومصالحنا. وإذا عدنا إلى البلدان السالف ذكرها نجد أن جل دول العالم تقيم علاقات سياسية واقتصادية معها في نفس الوقت، ولم نسمع أن الأرض خسفت بإحداها نتيجة ذلك ولم تسقط عليهم السماء كسفا…

لست أدري من أوحى إلينا أن إقامة علاقة دبلوماسية بين دولتين متشاكستين كمن يجمع النار بالماء في حقيبته الدبلوماسية… قد يِسمي البعض هذا الطرح بقفزات بهلوانية على الحبال، أما نحن فنسِميه بعزف موزون على الأوتار نِتاجه سيمفونية اسمها مصلحة البلد. وليس يضيرنا إن لم تُطرب البعض، همُّنا أن نختار مقاماتها باحترافية وأن تؤديها أوركسترا تتنفس الوطنية وسيستحسنها حتما المغاربة.

أسمع المرآة وهي تُردد مع البُحتري:

عليَّ نحت القوافي من معادنها +++ وليس عليَّ إذا لم تفهم البقر.

لن نزعم أننا ابتدعنا مقاربة لم يأتِ بها الأوائل، فها هي الولايات المتحدة تهرع إلى فنزويلا عدوتها اللدودة بغية تأمين إمدادات إضافية من البترول وها هي مجموعة كبيرة من الشركات العالمية تفرك راحتيها في انتظار رفع الحصار على إيران كي تنال حصتها من المشاريع الإيرانية المجمدة جراء العقوبات الأمريكية …

تمتمت المرآة: ليس علينا أن نكون مَلكيّين أكثر من الملك..

الخلاصة، نحن دولة مُتخمة ومُثخنة بمشاكل الأرض والسماء، نصارع الماضي والحاضر والمستقبل، نسعى في ما نسعى لحسم موضوع وحدتنا الترابية فلنلتزم الحكمة والأناة والتروِّي وسعة الصدر وبُعد النظر… لا حاجة لنا بالعداوات المجانية وحتى البخس ثمنها… قِبلتنا مصلحة الوطن والمواطن… وحبذا لو تجنبنا الكوْلسة ووسّعنا من دائرة المستشارين حينما يتعلق الأمر بمواضيع استراتيجية كبرى.

تقول لكم المرآة: تصبحون على بلدة طيبة وربٍّ غفور.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية