دراسة تميط اللثام عن "دول هامشية" مهملة من تاريخ نشأة المملكة المغربية

دراسة تميط اللثام عن "دول هامشية" مهملة من تاريخ نشأة المملكة المغربية
صورة: و.م.ع
الأحد 11 غشت 2024 - 01:56

من بين ما خلصت إليه دراسة جديدة أن “الأطروحات التي تحاول تحديد نشأة الدولة المغربية بفترة سياسية معينة تفتقد غالبا إلى معايير علمية واضحة”، إضافة إلى أن “القراءة الانتقائية والمتواترة كانت دائما وما زالت تقف عند الدول المركزية الكبرى (المرابطون، الموحدون، المرينيون)، ثم تضيف إلى هذه الدول المتجانسة بوجه عام دولة سابقة عنها زمنيا وهي دولة الأدارسة. ونظرا لأقدمية هذه القراءة وسعة انتشارها، فإن هذه الدول الأربع هي التي تمثل الدولة المغربية الوسيطية بالنسبة للوعي التاريخي الجماعي”.

جاء هذا في دراسة للباحث عبد الرزاق السعيدي، تهتم بـ”دور الهوامش في بناء الشخصية السياسية للمغرب الأقصى، مع إعطاء الأهمية للجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ورصد أدوارها في توطيد وتدعيم تلك العلاقات بين المركز والهامش من جهة والتأثير فيها، أو في الحد من تلك الصراعات والنزاعات والحروب التي سادت العصور الوسطى”، وقد صدرت ضمن الكتاب الجماعي الجديد الصادر عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية فيما يقرب 600 صفحة، بعنوان “دور الهوامش في بناء الشخصية السياسية للمغرب في العصر الوسيط مقاربة تاريخية لسيرورة الاستقلال وبناء الدولة بالمغرب”.

الدراسة، التي تروم “مساءلة للواقع التاريخي المغربي”، ذكرت أن “الدول التي أقصيت من خانة الدول المغربية بحكم بروزها في الهامش (…) تمثل مجموعة متسلسلة تتقاسم المسار نفسه مع الدول آنفة الذكر؛ وكذلك لأنها تمثل في نظرنا (…) الإرهاصات الأولية للاستقلال السياسي للمغاربة عن المشرق خلال الفترة المدروسة انطلاقا من الهامش، وليكتمل مسار الدولة المغربية الوسيطية (…) والتي تمثلت في الثورات المتتالية التي قامت بها القبائل المغربية ضد جور الأمويين والعباسيين، ثم التجارب الاستقلالية الأخرى التي قامت بها الاتحادات القبلية المغربية الكبرى، والمتمثلة في كل من صنهاجة ومصمودة وزناتة”.

وتحدث الباحث عن المجال باعتباره الفضاء الذي يغطيه نفوذ السلطان، ولأنه مترتب عن حركية عسكرية لاكتساحه؛ فحسب دارسين استشهد بهم، “في حالة التوسع يكون التعامل مع المجال تعامل غزو، فتعلن المجموعة البشرية الموجودة فيه ولاءها للسادة الجدد أي للمتغلبين إلى حين، وحسب شهية هؤلاء وغنى المناطق الهامشية تؤسس علاقات جبائية وتغريمية لا تنضبط لأوامر الشرع في الغالب الأعم، تمثلت في القبالات والمعونة والإنزال والتضييف والمكوس والزيادة في تقدير الواجب وجمع الميرة وتوفير العلف للسلطان وجيوشه وحاشيته عند التنقل والسفر والمرور بهذه الهوامش، بل قد تخللتها تجاوزات زادت من تهميش الهامش، إما بالمصادرة وسوء المعاملة، أو نهب للثروات”.

وبالتالي، لا عجب أن “وصلت المسألة في العهد المريني إلى تفويض الجباية لشخص ما يؤدي قيمتها مسبقا، وتمكينه من كل أدوات الزجر التي تسمح له ليس فقط باسترداد ماله، بل بتحقيق ربح وفير، كما هو الشأن بأوروبا الإقطاعية خلال الفترة التاريخية نفسها، مما كان له بالغ الأثر على وضعية الهامش اقتصاديا وديموغرافيا”.

مثل هذه الممارسات “حالت في الغالب دون استمرار ‘أسباب الوحدة’ بالغرب الإسلامي، ولفترة طويلة، باستثناء الموحدين”؛ وهو ما رجح الباحث أن سببه “كون جل الكيانات السياسية لم تحسن التصرف مع المجال ونقصد هنا الهوامش. أما الدولة الموحدية فقد تحكمت في المجال أكثر وفق مرجعية وإيديولوجية دينية تزكي هذا الطرح، إضافة إلى تحالفات واضحة واستثمار للهامش بشكل جيد”، مع العلم أن “مجال المغرب الأقصى قد ظل عموما مخبرا لتجارب محلية عديدة منطلقة من الهامش، ساهمت فيها مختلف الدعوات والاتجاهات العامة للفرق الإسلامية”، وهي تجارب “ساهمت في تكوين ‘الدولة المغربية’ وبلورة لبناتها الأولى”.

ومن الدول المهمشة من تاريخ تشكل “الدولة المغربية” التي وقفت عندها الدارسة “الدولة المكناسية” المسماة “دولة بني أبي العافية”، وإمارة بني يفرن أو “مملكة” تادلا/سلا، ودولة المغراويين. ونبه الباحث إلى أن “طرح دور الهوامش في علاقتها بالحواضر محاولة لتسليط الضوء على دور سكان البوادي في صنع تاريخ المغرب”، علما أن “ما نقصده اليوم بالهوامش، أي المناطق والبوادي والأرياف البعيدة عن الحواضر الكبرى، لم تكن بالضرورة تعيش الوضعية نفسها خلال الفترة المدروسة؛ فبعض تلك المناطق كانت مركزا اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا، مثل سجلماسة بتافيلالت وماسة بسوس وأغمات وغيرها”.

ومن بين خلاصات الدراسة أن “الدخول العربي الإسلامي إلى بلاد المغرب رغم ما يثيره من إشكالات، فقد كان بعيد الغور في تشكيل الكيانات السياسية في المغرب، وصار منهجا لا تقوم الدولة الوطنية إلا من خلاله، وخاصة البعد الديني، وقد أثر (التوافق والصراع) في مصير المنطقة ووضح المعالم الأساسية لصيرورتها التاريخية، وحددت بالتالي آفاق مستقبلها الديني والفكري والسياسي والاقتصادي؛ لكن الشخصية السياسية للمغرب، المتأصلة في الهامش، ظلت حاضرة على امتداد كل تلك المراحل التاريخية”.

كما خلص المصدر إلى أن “الإرهاصات الأولى لبناء الدولة الوطنية بالمغرب انطلقت من الهوامش، رغم ما اعتراها من شوائب، واعتبرت بمثابة اللبنات الأولى في استقلالهم عن القوى الخارجية، ومع ذلك فالطريقة التي بنى بها المغاربة فضاءهم السياسي وصاغوا من خلالها علاقاتهم بالكيانات القائمة في بلادهم قد أثرت بشكل كبير في بناء الشخصية المغربية منذ وقت مبكر، وصولا إلى التاريخ الوسيط مع الدولة المرابطية والدولة الموحدية وغيرهما بالمغرب”.

ومن بين ما نادت به الدراسة ما صاغه عبد الرزاق السعيدي في خاتمتها: “لا يزال للتاريخ وللعلوم الإنسانية والاجتماعية الدور الحاسم في التوعية بضرورة الحفاظ على وطننا الكبير، واستيعاب الوطنية التي تدعو إلى التوازن المجالي على الأصل على مستوى الكتابة التاريخية، بهدف خلق مجتمع متوازن ومدرك لما قدمته كل أطرافه وجهاته في بناء الدولة، في سياق فهم تاريخنا لطرح وإعادة طرح قضايا الجهوية والاختلاف الثقافي والجهوي في إطاره الصحيح”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • الصمدي من وجدة
    الأحد 11 غشت 2024 - 02:48

    نفس الأخطاء التي ارتكبتها إسبانيا من خلال قراء تاريخيّة استعلائية عن وجود العرب و المسلمين في الأندلس ومحو الهوية العربية الإسلامية
    تُرتكب في المغرب كذلك ، استقلال المغرب عن الشرق !
    من أين أتت الدولة الادارسة
    من أين أتت الدولة السعدية
    من أين أتت الدولة العلوية ؟

    نفس الأخطاء بالنسبة للأندلس !
    من بنى إمارة قرطبة ، اليس عبد الرحمان الداخل هروبا من العباسيين ؟
    من قتل مولاي إدريس الأول ، اليس العباسيين

    هناك خروج مؤخراً ناس يدعون فهمهم للتاريخ و بطريقة شوفينية يطرحون طرح استقلالية التاريخ و الكل أمازيغي ، سبحان الله !

    نعم نفتخر بيوسف ابن تاشفين و الدولة المرابطية ويقال لو كان سادس الخلفاء الراشدين لكان يوسف ابن تاشفين
    نفتخر بالمهدي ابن تومرت
    و نفتخر بحكم بنو مرين
    وكلهم كان الإسلام هو العمود الفقري لحكمهم

    لا يجب ارتكاب الأخطاء مثل أسبانيا الأندلس

    هناك من يخرج لنا أننا نحن موريين
    كأن المصريين يقولون نحن فراعنة وليس لنا علاقة بالعرب … عجيب امركم

    انشروا من فضلكم

  • oubariss
    الأحد 11 غشت 2024 - 02:50

    شتان بين التاريخ الشفوي والتاريخ الموثق .

  • نجم مود
    الأحد 11 غشت 2024 - 04:03

    لم تكن دولا بالمعنى المتعارف عليه في ذلك العصر فقد كانت امارات قبلية ذات كيان شبه مستقل

  • oubariss
    الأحد 11 غشت 2024 - 04:36

    تداخلت الأعراق و الأنساب منذ 14 قرن و إلى غير رجعة . ومازال هناك من يحن إلى الإعلاء والتميز الوهمي العرقي .

  • متتبع
    الأحد 11 غشت 2024 - 10:53

    ما يسميه الباحث الفاضل دولا ما هي الا امارات محلية لا يتعدى نفوذها حدود قبيلتها وقاءدها هو رمز السلطة الامر والناهي فلا جيش ولا ادارة ولا بيت مال…
    والا جاز ان نقول ان ولاية كاليفورنيا وفلوريدا ونيويورك….دول مستقلة عن الولا يات المتحدة والحالة ان الولايات بامريكا لها من الخاصيات ما لم تكن لهذه الامارات استقلالية التنفيذ والتدبير والادارة والمال والشرطة…..
    حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا.

  • تداخل الاعراق نعم، ولكن...
    الأحد 11 غشت 2024 - 11:09

    نشهد مؤخرا انبعاثا للاهتمام بالهوية المغربية وعلاقتها بالتاريخ وتاويلاته، وهذا مفيد جدا لتعزيز تامغرابيت. لكن هناك 3 نقاط مهمة يجب الانتباه اليها: 1. لمن يشكو المركزية الامازيغية، الطاغية على المراجعات التاريخية، يجب ان يفهم ان ذلك طبيعي جدا وصحي تماما، اذ هو محاولة لارجاع التوازن الى المقارات الهوياتية التاريخية التي طغت على المجال بطريقة فجة ولمدة طويلة. 2. للمحتج بتداخل الاعراق لبسط التسطيح الاثني المستحيل ما هو الا تمييع للحقيقة، والاجدر مقاربة الامر علميا بالتفاصيل والتحليل زمانيا ومكانيا دون مسلمات ايديولوجية مسبقة. 3. مبدأي الهامش والمركز ليسا دقيقان من زاوية منطقتنا، بل وحتى في مبعها الغربي الاوروبي، والاصح ان نتحدث عن مراكز وهوامش تتبع لظروف الزمان والمكان، وتغيراتها. فمثلا وادي درا (او درعة) كان في وقت معين هو المركز والباقي هوامش…

  • إمارات مستقلة و ليس دول
    الأحد 11 غشت 2024 - 12:23

    ليس كل كيان مستقل أوشبه مستقل يعتبر دولة لأنه لم يكن ذا تأثير كبير على محيطه الإقليمي….

  • yassine laamarti
    الأحد 11 غشت 2024 - 12:54

    حتى الدول التي سماها الباحث بالمركزية ابتدأت من الهامش. المغرب هو مسرح للهامش بامتياز. يجب إيلاء اهتمام أكبر للابحاث الأنثروبولوجية من طرف الباحثين في التاريخ حتى لا يعيدوا اكتشاف العجلة عدة مرات.

  • امارات ولهجات
    الأحد 11 غشت 2024 - 13:54

    الحديث عن الفرق بين الدولة والإمارة او القبيلة يشبه الى حد كبير الحديث عن اللغة واللهجة من قبل الذين لا يفقهون في علم اللسانيات. اولا لان الخلط بين المصطلحين منطلقه ايديولوجي صرف (كأن تقول ان العربية لغة بينما الامازيغية لهجة) لان جميع الالسن لها لهجات تفرعت عن اصل لغوي، ثم ان الادعاء كذلك يشوبه عيب خلط الازمنة anachronisme. فلا يمكن اسقاط مفهوم الدولة كما نعرفه اليوم على مفاهيم تنظيمية اجتماعية في ازمنة اخرى كانت تسود فيها مصطلحات ومعاني اخرى .

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 17

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل