انشغل كثيرون بالسؤال الخطأ في خضم الحمى العالمية التي أثارها الذكاء الاصطناعي. راحوا يتجادلون حول ما إذا كانت الآلات قادرة على تأليف موسيقى تضاهي ما ينتجه البشر، وكأن القضية كلها مسابقة في الجودة أو الكفاءة التقنية. لكن السؤال الأهم ليس إن كانت الآلة قادرة على تأليف أغنية جميلة، بل إن كان الجمال وحده كافياً ليمنح العمل الفني معناه.
هذا هو جوهر الفكرة التي أثارتها جيني جادج، الباحثة المتخصصة في فلسفة الموسيقى، والتي تكتب في تقاطع نادر بين الموسيقى والعقل، وتشغل منصب أستاذة مساعدة في الفلسفة بجامعة ملبورن، وتحمل دكتوراه في الموسيقى. ففي مقالها المنشور في صحيفة فايننشال تايمز “الدفاع الأخلاقي عن الموسيقى البشرية” دعت إلى النظر إلى الموسيقى بوصفها قضية أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون قضية تقنية.
تكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل النقاش من ميدان الجودة إلى ميدان الكرامة الإنسانية. فالآلة قد تتعلم في المستقبل القريب كل القواعد الموسيقية التي اكتشفها البشر عبر قرون طويلة، وقد تصبح قادرة على إنتاج ألحان لا يميزها المستمع العادي عن ألحان المؤلفين المحترفين. ولكن حتى لو تحقق ذلك كله، يبقى سؤال جوهري قائماً: ما الذي يجعل الموسيقى مهمة بالنسبة لنا أصلاً؟
لا أظن أن الجواب يكمن في الأصوات وحدها. فعندما نستمع إلى أغنية خالدة، فإن ما يثيرنا ليس النغمات المجردة بل الحياة المختبئة خلفها. الموسيقى في جوهرها ليست منتجاً سمعياً، بل تجربة إنسانية تحولت إلى صوت. إنها أثر تركه إنسان على الزمن. ولهذا السبب تحديداً ننجذب إلى الأغنيات التي نشعر أنها تحمل أصحابها في طياتها. نحن لا نصغي إلى اللحن فقط، بل إلى الإنسان الذي يقف وراءه.
لقد اعتدنا عبر التاريخ أن ننظر إلى الفن بوصفه أحد أعظم الشواهد على الوجود الإنساني. فالمصانع تنتج السلع، والمؤسسات تنتج الخدمات، والحواسيب تنتج الحسابات، لكن الفن كان دائماً المجال الذي يترك فيه الإنسان بصمته الأكثر خصوصية. إنه المكان الذي تتحول فيه خبرة فرد واحد إلى معنى يتقاسمه الملايين.
ومن هنا يبدأ الاعتراض الأخلاقي على الموسيقى التي تنتجها الخوارزميات.
فالخوارزمية تستطيع أن تحاكي الحزن، لكنها لا تعرف ما هو الحزن. تستطيع أن تنتج أغنية عن الفقد، لكنها لم تفقد أحداً. تستطيع أن تقلد الحنين إلى الوطن، لكنها لم تعش تجربة المغترب. تستطيع أن تكتب مقطعاً موسيقياً عن الحرب، لكنها لم تستيقظ مذعورة على صوت انفجار.
إنها قادرة على إعادة ترتيب آثار المشاعر البشرية، لكنها عاجزة عن اختبار تلك المشاعر نفسها.
وهنا يبرز الفرق الفلسفي العميق بين التعبير والمحاكاة. الفن البشري تعبير عن تجربة معاشه. أما الفن المنتج خوارزمياً فهو محاكاة لأنماط سبق أن تركتها تلك التجارب في الأعمال الفنية السابقة. وبين الأمرين مسافة شاسعة. إنها المسافة نفسها بين إنسان يروي ذكرياته، وآخر يقرأ ملخصاً عنها.
الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، أحد أبرز فلاسفة القرن التاسع عشر، كان يرى أن الموسيقى أكثر الفنون قدرة على النفاذ إلى جوهر الوجود الإنساني. فهي بالنسبة إليه لا تصف العالم بل تعبر عما يكمن خلف مظاهره. وبعده بقرن تقريباً، حذر الفيلسوف والناقد الموسيقي الألماني تيودور أدورنو من تحول الفن إلى مجرد سلعة تخضع لمنطق السوق والاستهلاك.
ومن المثير للتأمل أن مخاوف أدورنو عضو مدرسة فرانكفورت النقدية، تبدو اليوم أكثر حضورا من أي وقت مضى. فالذكاء الاصطناعي لا يهدد الموسيقى لأنه يعزف أو يؤلف، بل لأنه يدفعنا تدريجياً إلى النظر إلى الفن باعتباره منتجاً نهائياً منفصلاً عن رحلة إنتاجه. وعندما يحدث ذلك يصبح السؤال الوحيد هو: هل أعجبتنا الأغنية أم لا؟ بينما يتوارى السؤال الأعمق: من الذي عاش هذه التجربة وقدمها لنا؟
إن قيمة الموسيقى البشرية لا تكمن فقط في ما تنتجه، بل في الثمن الإنساني الذي دفع للوصول إليها.
حين نصفق لعازف عود أو بيانو مبدع، فإننا لا نصفق لدقة أصابعه فحسب، بل لسنوات التمرين والتعثر والإحباط والإصرار التي اختبأت خلف الأداء. وحين نبكي مع أغنية عظيمة، فإننا لا نبكي بسبب ترتيب النغمات وحده، بل لأننا ندرك أن إنساناً آخر عاش الألم نفسه ووجد كلمات أو ألحاناً عجزنا نحن عن العثور عليها.
لهذا السبب تحديداً تبدو المقارنة بين الإنسان والخوارزمية ناقصة. فهي تقارن بين النتيجة والرحلة، لا بين شيئين متماثلين.
وقد ترك الشاعر والروائي الكندي ليونارد كوهين، عبارة شهيرة تكاد تختصر جوهر القضية حين قال إن هناك شقاً في كل شيء، ومن خلاله يدخل الضوء. كانت تلك العبارة تحتفي بالنقص الإنساني لا بالكمال. وربما لهذا السبب تحديداً تعلق الناس بأغنياته. فالجمهور لا يبحث دائماً عن الأداء الأكثر إتقاناً، بل عن الصدق الأكثر حضوراً. والصدق لا يُبرمج.
يمكن للخوارزمية أن تبلغ الكمال التقني، لكن الفن الإنساني لم يكتسب قيمته يوماً من الكمال. إن جزءاً من سحر الموسيقى يكمن في ارتعاشة الصوت، وفي التردد العابر، وفي النبرة المكسورة، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها مهندس الصوت، لكنها تكشف حضور الإنسان خلف العمل.
ولعل أخطر ما يمكن أن نخسره في عصر الذكاء الاصطناعي ليس وظائف الموسيقيين ولا عائدات شركات الإنتاج، بل الفكرة نفسها التي تربط الفن بالمعنى الإنساني. فإذا أصبحت الأغنيات وفيرة بلا حدود، ومجانية تقريباً، وقابلة للإنتاج بكبسة زر، فقد نكتشف أننا ربحنا الكمية وخسرنا القيمة.
عندها لن يكون السؤال: من ألّف هذه الموسيقى؟
بل: هل ما زال هناك إنسان خلفها؟
وربما هنا تحديداً تكمن أهمية ما تطرحه جيني جادج. فهي لا تدافع عن الموسيقى البشرية لأنها أفضل بالضرورة، بل لأنها أكثر استحقاقاً أخلاقياً. إنها تدعو إلى تذكر أن الفن ليس مجرد أصوات جميلة، وإنما شكل من أشكال الحضور البشري في العالم.
فحين نستمع إلى ناظم الغزالي أو كاظم الساهر أو إلى أي صوت حقيقي عبر تاريخ الموسيقى، فإننا لا نسمع ألحاناً فقط. نحن نصغي إلى مدن رحلت، وأزمنة انقضت، وعواطف جرى اختبارها بالفعل. نصغي إلى بشر عاشوا ثم تركوا أصواتهم شاهدة على مرورهم القصير فوق هذه الأرض.
ولهذا فإن الدفاع عن الموسيقى البشرية ليس معركة فنية فحسب.
إنه دفاع عن حق الإنسان في أن يبقى جزءاً من قصته. وفي زمن تتسع فيه سلطة الخوارزميات كل يوم، قد تصبح هذه القضية أقل ارتباطاً بالموسيقى مما نتصور، وأكثر ارتباطاً بالسؤال القديم المتجدد: ما الذي يجعلنا بشراً في المقام الأول؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.