سردية كرة القدم ..

سردية كرة القدم ..
السبت 17 يناير 2026 - 21:45

في زمن تتكاثف فيه الانكسارات، ويضيق فيه الأفق، تخرُج كرة القدم من هامش اللّعب إلى قلب المعنى، فتغدو مرآة للذات الجماعية، ومُتَنَفَّسًا للرّوح العامّة. هي ليست جَريًا خلف الكرة، بل ركْضًا جماعيًّا نحو لَحْظة فَرح مُستحقّ، تُرَمَّم فيها الشّروخ، ويستعيد فيها الجميع نبرة “نحن”. وحين يلتقي المغاربة حول المستطيل الأخضر، تتَّحِد الأصوات وتختلف النّبَضات، لكنّ القلبَ واحد، والانتظارَ واحد، والحلمَ واحد. هناك في هدير المدرّجات وضجيج الشّوارع تتشكَّل الأنا الجماعيّة لا بوصفها فكرة مجرّدة، بل كإحساس حيّ يُعلِن أنّ للفَرح حقًّا، وللانتماء معنى، وللجماعة ذاكِرة لا تُهزم بسهولة. وفي هذا الأفق الرمزيّ، حيث تتقاطع كرة القدم بالهويّة، وينكشف الفَرح بوصفه حقًّا جماعيًّا، يمكن قراءة حضور الأنا الجماعيّة المغربيّة في علاقتها بسَرْدِيَّة الكرة، لا كلعبة فحسب، بل كفضاء لإعادة تعريف الذّات المشتركة.

وبطبيعة الحال، كرة القدم في المغرب ليست مجرّد ممارسة رياضيّة أو طقس ترفيهيّ، بل لحظة كثيفة تتقاطع فيها الهويّة بالوجدان، ويتحوّل فيها الانتصار إلى لغة تعبير عن الأنا الجماعيّة المغربيّة. وفي هذه اللّحظة بالذّات، لا يعود الفرحُ تفصيلًا عابرًا، بل يصبحُ حقًّا رمزيًّا تطالب به جماعة اعتادت التّفاوضَ اليوميّ مع القسوة والهشاشة.

لذا يبدو مفيدًا القول بأنّ “نحن” المغربي يتأسَّس على التّعدد والمرونة: تعدّد لغويّ وثقافيّ وجهويّ، ومرونة في التكيُّف مع التّحولات والضّغوط. غير أنّ هذا التّعدد في الحياة اليوميّة غالبًا ما يظهر في شكل تفاوتات اجتماعيّة واختلالات بنيويّة. هنا تتدخَّل كرة القدم بوصفها آلية توحيد رمزيّة تعيد إنتاج “نحن” في لحظة صفاء نادرة: جمهور واحد، أمل واحد، وانتظار مشترك.

وحين يلعب المنتخب الوطني، تُعَلَّقُ الاختلافات مؤقّتًا، لمغاربة جميعهم من البدو والحضر، المقيمون والمهاجرون، ذكورًا وإناثًا، يلتقون حول الرّاية نفسها والهتاف نفسه. لا لأنّهم فقدوا اختلافاتهم، بل لأنهم وجدوا لحظة تتجاوزها. في هذه اللّحظة، تتجسَّد الأنا الجماعيّة المغربيّة لا كخطاب نظريّ، بل كتجربة مُعاشَة محسوسة في الجسد والصّوت والدّمعَة والابتسامة.

سَرْدِيَّة كرة القدم تمنح المغاربة ما لا تمنحه لهم مجالات أخرى: احتضان الفرد، الاعتراف بالقدرة، الاعتراف بالجدارة، وبالحقّ في الفرح! لذلك لا يُقْرَأُ الفوز الكرويّ باعتباره نتيجة رياضيّة فقط، بل يُحمَّلُ بدلالات أعمق: استعادة للكرامة الرمزيّة، وكسر لصورة النّقص، وإعلان عن حضور مغربيّ واثق في الفضاءَيْن الإقليميّ والعالميّ. الفرح هنا ليس استهلاكًا عاطفيًّا عابرًا، بل إعادة تملُّك للذّات. وحقيقةً، الفرحُ المغربيّ يتميّز بطابعه الجماعيّ الصّريح: البيوت والشّوارع تتحوّل إلى فضاء احتفال، والهتاف والزَّغاريد إلى لغة جامعة، والجسد إلى أداة تعبير جماعيّ. الفرح هنا لا يُدار من فوق، ولا يحتاج إلى وساطة المؤسّسات، بل ينبُع فِطْرَةً من القاعدة: البيت والدّرب والحومة والمقهى والسّاحة العموميّة والمدرّجات. إنّه فَرح يصنع معناه بنفسه، ويعيد ما تقطَّع بين الفرد والجماعة في الحياة اليوميّة. الحقّ في الفَرح لا يعني الهروب من الواقع، بل تعليقًا مؤقّتًا لقسوته، هو شكل من أشكال المقاومة النَّاعمة يُواجه القلق بالهتاف، والإحباط بالأغنية، والانسداد بالاحتضان الجماعيّ، والإعلان بأنّ الحياة ما تزال تتحمّل الابتسام.

وعبر هذه الأطوار التي تُحقِّق الفرجة والهدف، تكشف كرة القدم عن عمق الأنا الجماعيّة المغربيّة، لا بوصفها هوية صلبة ومكتملة، بل باعتبارها جسدًا حيًّا يتغذّى من اللّحظات المشتركة. وحين يفرح المغاربة فإنّهم لا يحتفلون بهدف أو انتصار فقط، بل يؤكِّدون – بصيغة الجمع – حقّهم الإنسانيّ العميق في الفرح، وحقّهم في أن يقولوا: نحن هنا.. ونستحقّ هذه اللّحظة!

لا تنتهي الحِكاية عند صافِرة الحَكَم، ولا يُختزَلُ الحُلْمُ في تأهّل عابر، بل يمتدّ المعنى إلى ما بعد النّتيجة وما وراء البطولة. فالتّأهُّل إلى العالميّة ليس مجرّد عبور رياضيّ، إنّه اختبار للثّقة وللنّيّة، إنّه امتحان للأنا الجماعيّة وهي تواجه العالم بوجهها الكامل. هناك في المَدى المفتوح يصبح الفَرح وَعْدًا لا ذِكْرى، وتغدو الكرة رسالة تقول إنّ الطّريق ما زال ممكنًا، وأنّ الحلمَ حين يُحمَلُ جماعيًّا لا يشيخ ولا ينكسر. هي بداية لا خاتمة، وأفقٌ يُفتَح لا باب يُغلَق، لأنّ من تعلَّم أن يفرح معًا قادر أن يذهب بعيدًا… إلى حيث تُكتَبُ العالميّة لا كصدفة بل كاستحقاق.

-أستاذ مهتم بالشأن البيداغوجي – مديرية المضيق الفنيدق

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10 1

إرث المرابطين والموحدين

صوت وصورة
طريق مهترئة وخسائر متواصلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:58

طريق مهترئة وخسائر متواصلة

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26 10

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري

صوت وصورة
لشكر في مقر ''البام''
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 20:15

لشكر في مقر ''البام''