صحوة الموسم الفلاحي تشل أوراش البناء وتربك سير مشاريع مفتوحة

صحوة الموسم الفلاحي تشل أوراش البناء وتربك سير مشاريع مفتوحة
صورة: أرشيف
الأربعاء 30 أبريل 2025 - 06:00

أسهمت التساقطات المطرية الأخيرة في إنعاش الموسم الفلاحي، الذي كان يسير بخطى ثابتة نحو تكرار سيناريو مواسم الجفاف المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة. وقد أعادت تلك التساقطات الأمل إلى آلاف العمال الموسميين بأوراش البناء العقارية ومشاريع البنية التحتية المفتوحة، ليقرروا بشكل مفاجئ العودة إلى البوادي التي هجروها بسبب سوء الظروف المناخية، ومعاودة ممارسة أنشطتهم الفلاحية، بعد توفر الموارد المائية اللازمة؛ ما تسبب في شل بعض المشاريع المفتوحة وتعطيل سيرها العادي.

ويعكس هذا الواقع هشاشة سوق الشغل في قطاع البناء والأشغال بالمغرب، الذي يعتمد بشكل كبير على عمالة موسمية غير مستقرة. كما يطرح إشكالية غياب سياسات ناجعة لضمان استقرار اليد العاملة وتوزيعها المتوازن بين القطاعات؛ فيما أجبر هذا الانسحاب المفاجئ للعمال- الفلاحين من الأوراش المقاولات والشركات الفاعلة في القطاع على إعادة التفكير في نماذج تدبير الموارد البشرية وضبط التكاليف التشغيلية، بما يراعي خصوصيات الفاعلين والتزاماتهم التعاقدية، علما أن النقص الحالي في اليد العاملة أدى إلى زيادة في قيمة الأجور والتعويضات حسب المهام والتخصصات، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة أثرت بشكل سلبي على الميزانيات التوقعية لبعض المشاريع.

وفاقمت الصحوة الفلاحية أزمة التشغيل في قطاع البناء والأشغال، التي تفجرت منذ الإعلان عن احتضان المغرب حدث “مونديال 2030″، حيث تحولت إلى تحدّ آني يتطلب تدخلا عاجلا من مختلف الأطراف، بما في ذلك الحكومة والمقاولات والمؤسسات التكوينية.

ويطرح خبراء مجموعة من الحلول التي من شأنها احتواء تداعيات الأزمة المذكورة؛ وذلك من خلال تعزيز التكوين المهني وتحسين ظروف الشغل، والاعتماد على التكنولوجيا، حيث يمكن لهذه التدابير الحد من تأثير ندرة اليد العاملة وارتفاع الأجور على الأوراش وضمان استمرار هذا القطاع الحيوي في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، خصوصا أنه بين أهم القطاعات المشغلة حاليا في ظل انتعاش الطلب مدفوعا بالاستعداد لاستقبال “المونديال”.

أجور العمال

شهد قطاع البناء، مؤخرا، أزمة حادة نتيجة الارتفاع الكبير في أجور العمال ونقص اليد العاملة المؤهلة؛ ما أدى إلى تباطؤ كبير في وتيرة إنتاج السكن وارتباك في سير مشاريع البنيات التحتية. وارتبط هذا النقص بأسباب عديدة؛ أبرزها هجرة العمال إلى أوراش أكثر ربحية، تديرها شركات أجنبية، والعودة المفاجئة إلى القطاع الفلاحي، بالإضافة إلى غياب برامج تكوين فعالة.

وارتفعت أجور العمال المؤهلين بنسبة وصلت إلى 25 في المائة خلال سنة واحدة، ما زاد من تكاليف البناء؛ فيما أثر هذا الوضع سلبا على العرض العقاري بسبب تأخر تسليم المشاريع وضعف الربحية.

خالد الصبان، مسؤول موارد بشرية بمكتب للوساطة في التشغيل بالدار البيضاء، أوضح، في تصريح لهسبريس، أن “أزمة قطاع البناء في الفترة الأخيرة تعكس مشكلة هيكلية عميقة في تدبير الموارد البشرية، وتستوجب الوقوف طويلا لتحديد أسبابها ومعالجة تداعياتها، باعتبار أن الارتفاع الملحوظ في أجور العمال المؤهلين يعكس بشكل مباشر تنامي تكلفة اليد العاملة في هذا القطاع الحيوي. وإذا كانت هذه الزيادة الكبيرة في الأجور تعد مؤشرا على تحسن شروط العمل من ناحية، فإنها في الوقت نفسه تؤدي إلى تفاقم تكاليف البناء بشكل غير مسبوق؛ ما ينعكس سلبا على الأسعار النهائية للمنتجات العقارية وعلى الجدوى الاقتصادية للعديد من المشاريع”.

وفي السياق ذاته، أضاف الصبان أن استمرار ارتباط العمل في قطاع البناء بالموسمية وغياب التكوين المناسب يشكلان تحديا كبيرا في هذا السياق، حيث يعجز العديد من المهنيين عن التعامل مع التقنيات الحديثة أو متطلبات الأوراش الكبرى والمتطورة.

وأوضح أنه “في الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى العمال المهرة في مهام، مثل صب الخرسانة والحدادة، تفتقر الأسواق المحلية إلى نظم تدريبية تمكنها من تجهيز العمال بالكفاءات الضرورية التي تتماشى مع التحديات المعاصرة”.

وشدد على استعجالية تفعيل حلول استراتيجية؛ مثل تطوير برامج تكوينية متخصصة تتماشى مع احتياجات السوق، من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص لتوفير بيئة تعليمية وتدريبية مستدامة، وإيجاد آليات جذب وتحفيز العمال للبقاء في القطاع، عبر تحسين ظروف العمل وضمان استقرار الأجور.

العمالة الأجنبية

أصبح سيناريو الاستعانة عمالة أجنبية مطروحا في قطاع البناء خلال الفترة الأخيرة، باعتبار النقص الحاد في اليد العاملة بسبب اعتبار العديد من المغاربة أن هذا العمل موسمي أو مؤقت. وفي ظل هذا الوضع، برز المهاجرون الأفارقة المقيمون في المملكة كبديل أمام مقاولين ومنعشين عقاريين يجنبهم مشاكل وفواتير الإخلال بالالتزامات التعاقدية؛ فيما وجدت هذه العمالة فرصا دائمة في أوراش البناء، خاصة بجهة الدار البيضاء-سطات، وأصبح حضورها جزءا من المنظومة؛ غير أن هذا السيناريو يثير تساؤلات قانونية بشأن وضعيتها، إذ يشتغل الكثير من هؤلاء العمال في ظروف غير مستقرة ودون تصاريح عمل رسمية، بما يتعارض مع المادة التاسعة من القانون المنظم لمدونة الشغل التي تشترط توفر العمال الأجانب على رخص قانونية.

وأفاد منير بوعثمان، مقاول وصاحب شركة للبناء والأشغال العامة، في تصريح لهسبريس، بأن “موضوع الاستعانة باليد العاملة الأجنبية، وبالخصوص المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، أصبح أحد أبرز التحديات التي نعيشها اليوم كمقاولين في قطاع البناء. ومنذ سنوات، ونحن نلاحظ عزوفا متزايدا من لدن اليد العاملة المغربية عن هذا النوع من الأعمال، فكثير من الشباب لم يعد يرى في المهن المرتبطة بالبناء أفقا مستقبليا مستقرا، بل يعتبرها شاقة ومؤقتة، ويفضلون غالبا الاشتغال في قطاعات أخرى، حتى وإن كانت غير مهيكلة، أو يختارون الهجرة نحو أوروبا بحثًا عن فرص أفضل”.

وفي الإطار ذاته، أشار بوعثمان إلى أن الضرورة الاقتصادية فرضت البحث عن بدائل لضمان استمرارية الأوراش، حيث لا يمكن ببساطة توقيف المشاريع أو المخاطرة بتأخيرها؛ لأن ذلك يترتب عنه جزاءات مالية وفقدان ثقة الشركاء والزبائن.

وشدد على أهمية اللجوء إلى تشغيل عمال أجانب مستقبلا، معظمهم من المهاجرين المقيمين في المغرب في وضعية قانونية واضحة، حيث أظهرت بعض التجارب القليلة في القطاع أن هؤلاء العمال أبانوا عن كفاءة والتزام وقابلية للاشتغال في ظروف صعبة، ويبادرون غالبا إلى تعلم المهارات المطلوبة في الورشات بسرعة، منبها إلى أهمية تسهيل السلطات المساطر القانونية باستصدار رخص الشغل للعمال الأجانب، مع الأخذ بعين الاعتبار دينامية قطاع البناء الذي يحتاج إلى مرونة واستجابة سريعة لحاجيات السوق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

15
  • مياوم
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 06:18

    السلام عليكم، حتى مش ماتيهرب من دار العرس

  • B EZZAID
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 06:19

    سبحان الله أنا أستغرب لهذا الخبر فأينما وليت وجهك وفي أي مدينة مغربية تجد عمالا ينتظرون في طوابير من يساومهم للعمل في المنازل أو اوراش البناء ومنهم البنائون و الرصاصون والكهربائيون وغيرهم من االمهنيين وغير المهنيين ومعهم أدواتهم والآن نسمع عن خصاص ونقص في العمال !!!

  • واطني ياوطني
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 06:20

    كون كاني مطهلين في عمل ديالهم ميهربوش عليهم كيف ما قالو ناس زمان حتى قات ميهراب من عرس

  • عبدالله
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 06:25

    الأجرة في مجال الفلاحة والبناء في العرف المغربي لاتكون حسب الوقت المستغرق وإنما حسب العمل المنجز، وبالتالي لاينسجم مفهوم الأجرة بالشكل الحالي المعمول به مع مفهوم الأجرة لدى البنائين المغاربة الا في حالة المتعلمين أو الرسميين.

  • Abdou
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 08:14

    المغرب يعرف اوراش بناء ضخمة بالمدن الكبرى توفر مناصب عمل لكثير من اليد العاملة بأجور محترمة. وقد دفعت ظروف الجفاف والانكماش الافتصادي خلال السنوات الاخيرة بالعديد من الشياب والرجال الى اللجوء للعمل بتلك الاوراش حتى ولو لم تكن لديهم تجارب في ميدان البناء.
    مع الامطار الاخيرة سيفكر عدد منهم بترك البناء والعودة الى قراهم لفعل اشياء اخرى خاصة منهم الذين لم يكونوا بنائين في الاصل او يفضلون التواجد مع اسرهم لاسباب مختلفة خاصة انهم يتوفرون الان على أموال عملهم بالبناء.

  • مصطفى
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 08:31

    صحيح صعيب دبا تلقى خذام و معلم نص مشا بوادي يفلح و نصف اخر مشا لشركات اجنبية خذامة مع دولة

  • متغربة
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 09:00

    الإنسان بطبيعته الفطرية يبحث عن ظروف عمل جيدة وتطوره في المجال الذي يعمل فيه، مع الأخذ بالإعتبار حقوقه المفروضة على المشغل من عقد عمل، اجر قار، تأمين صحي يضمن له حقه في حالة وقوع حادثة للعامل أثناء تأدية عمله ولا ننسى تأمين التقاعد. وإدى ما كانت هذه الشروط متوفرة دون ان ننسى أن بلدنا الحبيب يتوفر على نسبة كبيرة من الشباب العارفين على العمل.
    وفي حالة توفر كل ما ذكرته سابقا مع تكوين مقنن في المجال،فإن الشباب ستكون لهم الرحمة للعمل في المجال.

  • العايدي
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 09:00

    اللي يخدم موجود خاص غير تخلصو الناس المستحقات ديالهم. المهم هو الباترونا كتدير المبرر باش تغرق المغرب والمهاجرين باش الارباح ديالها تزيد والمغرب يربح المشاكل الاجتماعية ….

  • أمين
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 09:20

    العمل في البناء متوفر جدا الان وخاصة بمدن المونديال و بمدن الناضور والداخلة. الشباب المتواجد بالمدن الصغرى ويرغب في العمل ما عليه سوى أخد المبادرة و جمع المعلومات والسفر إلى تلك المدن.
    من جهة أخرى من يفكر في بناء منزل للاسرة فعليه تأجيل الموضوع شيئا ما نظرا لقلة اليد العاملة و ارتفاع أجورها الان إضافة إلى ارتفاع أثمنة الاسمنت و الحديد و مواد البناء الأخرى نظرا لأن الطلب عليها كيبر جدا حاليا.

  • عبد الكبير
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 09:55

    ربما ليس الأجور هي التي ارتفعت بقدر ماهي زهيدة من قبل، ولما تحسنت قليلا خيل للفاعلين أنها مرتفعة.فقطاع البناء قطاع صعب يتطلب جهد كبير ومخاطر مرتفعة،لذلك وجب أن يكون الأجر محترم.

  • البناء و الفلاحة
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 10:38

    يعاني كل من قطاع البناء و قطاع الفلاحة من نقص كبير في اليد العاملة خاصة ذات التجربة. و قد لاحظنا استخدام المهاجربن غير الشرعيين لسد الخصاص.
    السياسات الحكومية المتعاقبة التي ترتكز على تقليل الولادات بشتى الطرق ….ستزيد من حدة المشكل. و سنرى ابشركات المغربية التي لا تحترم العمال المغاربة تضطر الى تشغيل الاجاتب مع احترام جميع القوانين.
    المغرب يشيخ يا سادة… ليس هناك انفجار ديموغرافي و لا هم يحزنون…هناك سوء تدبير للموارد البشرية ، عدم كفاية مؤسسات التكوين، تدني مستوى التعليم…..
    عدد سكان المغرب يوجد في مدينة واحدة في الصين.

  • مغربي
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 11:09

    كيف يعقل أن ثمن المنزل يصل الى 700000 درهم والمهني يصل 150 درهم في اليوم ؟ وقيمة البقع الأرضية مابين 5000 درهم و10000 درهم للمتر المربع والمهني لاقيمة له

  • الحقيقه
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 12:45

    نقص اليد العاملة المغربية لان الشباب كله خوا البلاد ،الان غادي يعوضوهم بالمهاجرين الغير الشرعيين الافارقة
    و من ثم تغيير التركيبة السكانية المغربية لاخرى هجينة

  • مع الشغيلة التجنبية
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 18:25

    مشكل المغرب لليد العاملة بالخصوص في الأعمال الشاقة سيصبح مثل مشكل امريكا مع المكسيكيات الذين يتحملون الشغل في البرد القارس و الحرارة العالية و كدلك في IT بحيث ان Software developer هندي يتقدى 50 الف دولار في السنة و الامركي يصل إلى 130 الف دولار في السنة . أنا مع الشغيلة الأفريقية بالمغرب لان بالمغرب تستطيع ان تجد طبيب جراح بسرعة و لا تجد بلومبي او تريسيان و المشكل ان لا خبرة له ادى و حدته

  • قنيطري
    الأربعاء 30 أبريل 2025 - 20:15

    راه حتى المقاولين متيخلصوش مزيان يربح الملايير ويعطي ببعامل 70 درهم

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 11

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية