ضعف المشاركة الانتخابية

ضعف المشاركة الانتخابية
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 15:10

لم تكن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 مجرد رقم عابر، بل حملت رسالة سياسية تستحق القراءة والتأمل. فقد بلغت المشاركة 38.02 في المائة، مقابل 50.35 في المائة سنة 2021، بما يعكس تراجعا لافتا في الإقبال على صناديق الاقتراع.

لكن السؤال لا يتعلق فقط بحجم المشاركة، وإنما بطبيعة هذا التراجع: هل نحن أمام عزوف انتخابي ناتج عن اللامبالاة أو ضعف الاهتمام بالشأن السياسي، أم أمام نوع من المقاطعة الصامتة تعبر عن نفور جزء من المواطنين من الأحزاب والنخب والمؤسسات؟

في الحقيقة، يصعب تقديم جواب حاسم، لأن عدم التصويت لا يحمل بالضرورة الدلالة نفسها لدى جميع المواطنين. فقد يكون سببه عدم الاهتمام، أو ضعف الثقة، أو عدم الاقتناع بالعرض السياسي، أو الاحتجاج على السياسات العمومية، أو الشعور بأن الاختيار الانتخابي لن يؤدي إلى تغيير ملموس.

ولذلك، لا يمكن تفسير هذا التراجع بعامل واحد، لأن العزوف، أو المقاطعة الصامتة بالنسبة إلى بعض الناخبين، هو نتيجة تفاعل عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية وحزبية ومؤسساتية. ويمكن تحديد أبرز هذه العوامل في:

– أولا: العامل الاجتماعي والاقتصادي

لا يمكن فصل ضعف المشاركة عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. فارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية لدى فئات واسعة، واستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات الأساسية… كلها عوامل يمكن أن تؤثر في علاقة المواطن بالسياسة وفي نظرته إلى جدوى المشاركة.

كما أن تنامي الإحساس بوجود مظاهر للريع والفساد والامتيازات، سواء تعلق الأمر بوقائع مثبتة أو بصورة عامة متداولة في المجتمع، يمكن أن يساهم في نفور جزء من المواطنين من العمل السياسي. فعندما يشعر المواطن بأن التفاوت بين الفئات لا يجد معالجة كافية، وأن كلفة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يتحملها أساسا المواطن، بينما تستمر مظاهر الامتياز والريع، فإن الرغبة في الانخراط السياسي يمكن أن تتراجع.

-ثانيا: ضعف العرض الحزبي

أصبح من الصعب إقناع المواطن بالمشاركة بمجرد اعتبار التصويت واجبا وطنيا. فالمشاركة تحتاج إلى برامج واضحة، واختيارات سياسية متمايزة، وبدائل ملموسة وقابلة للنقاش والمساءلة. وما لاحظناه، أن التنافس بدا في عدد من الدوائر أقرب إلى منافسة بين الأشخاص والشبكات الانتخابية ووسائل التعبئة، منه إلى تنافس واضح حول المشاريع والاختيارات المجتمعية. وحين يطغى المرشح على البرنامج، والمقعد على الفكرة، قد لا يجد المواطن ما يكفي من الدوافع للانخراط في العملية الانتخابية.

وقد أسهم هذا الأمر في جعل قطاع واسع من المواطنين لا يجد فرقا واضحا بين هذا الحزب وذاك، خصوصا في ظل تداخل المسؤوليات وتشابه الخطابات والمواقف، الأمر الذي أضعف قدرة الأحزاب على تقديم نفسها كبدائل سياسية واضحة ومتمايزة.

-ثالثا: أزمة تجديد النخب

من المعلوم أن الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع، وتحديدا عند اختيار الأحزاب لمرشحيها. فاستمرار حضور الأسماء نفسها، أو تقديم مرشحين لا يشعر المواطن بأنهم يمثلون تطلعاته، يمكن أن يعمق الإحساس بأن الانتخابات لا تنتج تغييرا حقيقيا.

ولهذا، فإن تجديد النخب ليس مسألة تنظيمية داخل الأحزاب فقط، بل هو جزء من بناء الثقة في العملية الانتخابية، إذ كان المنتظر بل والمطلوب هو فتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات والوجوه الجديدة، وربط الترشح بمعايير أكثر وضوحا للكفاءة والمصداقية والنزاهة.

– رابعا: الحصيلة الحكومية ووضوح المسؤولية

لا يمكن فصل الانتخابات التشريعية عن حصيلة الحكومة المنتهية ولايتها. فالمواطن يحتاج إلى معرفة من يتحمل مسؤولية القرارات والإنجازات والإخفاقات. فالانتخابات تكتسب معناها عندما يعرف المواطن: من أنجز؟ من أخفق؟ من قرر؟ ومن يقدم بديلا؟

لكن اللافت في أعقاب هذه الاستحقاقات هو أن الأحزاب السياسية التي تولت تدبير الشأن الحكومي سرعان ما انخرطت في تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات، إذ سعى كل حزب إلى إلقاء جزء من المسؤولية على الآخر، ومحاولة تقديم نفسه أمام الناخب باعتباره أقل ارتباطا ببعض الملفات والقضايا التي أثارت نقاشا واسعا وهزت الرأي العام.

يطرح هذا السلوك سؤالا أعمق حول علاقة المسؤولية السياسية بالممارسة الحكومية: فإذا كانت الأحزاب قد شاركت، بدرجات متفاوتة، في تدبير الشأن العام وصناعة السياسات العمومية، فإن التنصل من المسؤولية أو إعادة توزيعها بعد انتهاء الاستحقاق قد يعمق بدوره شعور المواطن بأن الخطاب السياسي لا يوازيه دائما تحمل واضح للمسؤولية والمحاسبة.

– خامسا: ضعف الإحساس بجدوى الصوت الانتخابي

يطرح ضعف المشاركة سؤالا أساسيا: هل يشعر المواطن بأن صوته يمكن أن يحدث فرقا؟

إذا ترسخ لديه الاعتقاد بأن تغيير الأغلبية أو المنتخبين لا ينعكس بشكل ملموس على السياسات العمومية أو حياته اليومية، فإن الحافز على التصويت يتراجع. وقد يتحول هذا الشعور لدى بعض المواطنين إلى موقف احتجاجي صامت، يتمثل في عدم المشاركة بدل التعبير عنه عبر صناديق الاقتراع.

لذلك، تحتاج الانتخابات إلى أن تكون أكثر ارتباطا بالاختيار والمحاسبة، بحيث يدرك المواطن أن صوته يمكن أن يؤثر في تحديد الأولويات، وأن البرامج الانتخابية ليست مجرد وعود موسمية، بل التزامات يمكن تقييمها ومساءلة أصحابها بشأنها.

– سادسا: تحولات علاقة الشباب بالسياسة

يمثل ضعف حضور الشباب في الهيئة الناخبة مؤشرا يستحق التوقف. فالأجيال الجديدة لا تتعامل بالضرورة مع السياسة والأحزاب بالوسائل نفسها التي كانت سائدة في السابق.

من المؤكد، أن الشباب أكثر حضورا في الفضاء الرقمي، وأكثر ارتباطا بقضايا الشغل والفرص والعدالة الاجتماعية والمستقبل، ولذلك فإن الخطاب الحزبي التقليدي والتواصل الموسمي خلال الانتخابات لا يكفيان لبناء علاقة سياسية مستدامة معهم.

ومن هنا، لا يصح اختزال ضعف المشاركة في مسؤولية المواطن وحده. فالدولة مسؤولة عن ضمان شروط النزاهة والشفافية، والأحزاب مسؤولة عن جودة العرض السياسي وتجديد النخب، والحكومة مسؤولة عن حصيلتها وسياساتها، والبرلمان مسؤول عن التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، فيما يبقى المواطن صاحب القرار الانتخابي.

ومن هذا المنطق، فإن نسبة المشاركة ينبغي أن تقرأ باعتبارها رسالة سياسية تستدعي المراجعة، لا مناسبة لتوبيخ الناخب أو اختزال الأمر في عدم اهتمامه بالشأن العام.

السؤال الحقيقي بعد انتخابات 23 شتنبر ليس فقط: لماذا لم يشارك المواطن؟ بل أيضا: هل نحن أمام عزوف انتخابي أم أمام مقاطعة صامتة تعبر، لدى جزء من المواطنين، عن نفور من الأحزاب والنخب والمؤسسات؟ وماذا فعلت السياسة لكي تجعل المواطن يرغب في المشاركة؟

إن استعادة المشاركة تمر عبر معالجة أسباب العزوف والنفور معا: تحسين العرض السياسي، وتجديد النخب، والحد من مظاهر الريع ونهب المال العام والفساد، ومعالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية، وحماية القدرة الشرائية، وربط المسؤولية بالإنجاز والمحاسبة، وإعطاء المواطن إحساسا حقيقيا بأن صوته يمكن أن يحدث فرقا.

المشاركة الانتخابية ليست مجرد حضور في يوم الاقتراع، وإنما هي نتيجة لعلاقة متراكمة بين المواطن والسياسة. وكلما كانت البرامج أكثر وضوحا، والنخب أكثر تجديدا، والمسؤوليات أكثر تحديدا، والسياسات العمومية أكثر استجابة للانتظارات الاجتماعية، أصبح للاختيار الانتخابي معنى.

وهكذا، فإن نسبة المشاركة لا ينبغي النظر إليه باعتبارها مشكلة انتخابية فقط، بل باعتبارها مؤشرا يستدعي مراجعة العلاقة بين المواطن والسياسة، وبين الناخب والأحزاب، وبين التمثيلية والمؤسسات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10

إرث المرابطين والموحدين

صوت وصورة
طريق مهترئة وخسائر متواصلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:58

طريق مهترئة وخسائر متواصلة

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري

صوت وصورة
لشكر في مقر ''البام''
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 20:15

لشكر في مقر ''البام''