تطرح نتائج الدراسة الدولية للتوجهات في الرياضيات والعلوم TIMSS2019 التي تشرف عليها الجمعية الدولية لتقويم الأداء التربوي والتي صدرت قبل أيام أكثر من سؤال حول وضعية التعليم المغربي وآفاقه، خصوصا وهي تعنى برصد أداء المنظومة التربوية على المستوى الدولي في مجالي الرياضيات والعلوم بمستويي الرابع ابتدائي والثانية إعدادي. وبالرجوع إلى بعض الأرقام -ودون الدخول في التفاصيل التي نتناولها مع أكاديميين ومهتمين في هذا الملف. فبالنسبة للعلوم في السنة الرابعة ابتدائي حصل المغرب على 374 نقطة جعلته يحتل الرتبة 55 من 58 دولة متفوقا على جنوب إفريقيا وباكستان والفلبين ومسبوقا بدول مثل الكويت والسعودية وعمان وقطر والإمارات.
ورغم هذه الرتبة التي لا تختلف كثيرا عن رتبة دورة 2015، فقد تمكن من تحقيق تقدم بـ22 نقطة مقارنة مع نتائجه سنة 2015. أما في السنة الثانية إعدادي حصل تلامذتنا على 394 نقطة جعلتنا نحتل الرتبة 36 من 39 دولة متفوقين على جنوب إفريقيا ولبنان ومصر ومسبوقين بدول مثل الكويت والسعودية وعمان وقطر والإمارات والأردن والبحرين. ومقارنة مع سنة 2015 لم يتقدم المغرب سوى بنقطة واحدة. بخصوص نتائج الرياضيات ففي السنة الرابعة ابتدائي حصل المغرب على 383 نقطة جعلته يحتل الرتبة 54 من 58 دولة مناصفة مع الكويت، متفوقا على جنوب إفريقيا وباكستان والفلبين ومسبوقا بدول مثل السعودية وعمان وقطر والبحرين والإمارات، محققا بعض التقدم وصل لست نقط مقارنة مع نتائج سنة 2015. وفي السنة الثانية إعدادي حصل المغرب على 388 نقطة جعلته يحتل الرتبة الأخيرة من بين 39 دولة مسبوقا بدول مثل جنوب إفريقيا والكويت والسعودية وعمان ومصر والأردن ولبنان وقطر والإمارات والبحرين، ومقارنة مع سنة 2015 تقدم المغرب بأربع نقط. ربما هناك تقدم ببعض النقط لكن المراتب بقيت نفسها تقريبا لأن جل الدول المشاركة تقدمت بنقط وهناك من حسنت ترتيبها وأخرى بقي الوضع كما كان في السابق.
دائما ما يطرح السؤال حول الخلل والأسباب الكامنة وراء تحقيق هكذا نتائج والكل يردد “ضربة من ورا ضربة وشكون يحد الباس”، ستكثر التحليلات ويخرج المجلس الأعلى بدراسة وتقرير في الموضوع ولكن كيفية معالجة الوضع تبقى غائبة أو لنقل مستعصية. ولمعرفة بعض الأسباب التي قلما يتم الانتباه إليها نورد مثالين: الأول يتعلق بالمجلس نفسه، فقبل سنة كشف تقرير له الواقع المؤلم للتلامذة المغاربة في عدة جوانب لها علاقة بتمدرسهم، التقرير يتعلق بتقييم نتائج التلاميذ المغاربة في الدراسة الدولية الأخرى (بيرلس)، التي تجرى كل 5 أعوام لقياس مدى تقدم القراءاتية للتلاميذ، والهوة الصارخة بينهم وبين نظرائهم في 50 بلدا، من بينهم 8 دول عربية، حيث أن المغرب حصل على 300 نقطة فقط متأخر بـ200 نقطة في هذه الدراسة التقيمية الدولية عن المعدل الدولي المحدد في 500 نقطة. بالرجوع إلى بعض عناوينه نجد أن المغرب احتل المرتبة الأولى في ما يتعلق بنسبة التلاميذ الذين لم يشارك مدرسوهم في أي تكوين يهم القراءة بنسبة 66 في المائة مقابل 16 في المائة على الصعيد الدولي.
ويشير التقرير إلى أن التلاميذ الذين شارك مدرسوهم في دورات تكوينية أعلى أو مساوية لست ساعات، تقدموا على التلاميذ الذين شارك مدرسوهم في تكوينات خلال مدة أقل بفارق أربعين نقطة. كما أن التلاميذ الذين مارس مدرسوهم هذه المهنة أقل من عشر سنوات أحسن تحصيلا من التلاميذ الذين اشتغل مدرسوهم في قطاع التعليم لمدة أطول، وأن 9 في المائة من التلاميذ المغاربة يتمدرسون في مؤسسات أقل نظاما وأمنا مقابل 3 في المائة على المستوى الدولي، مسجلا وجود ارتباط واضح بين الدراسة في مؤسسات أقل أمنا وبين ضعف التحصيل الدراسي، مشيرا إلى أن معدل تحصيلهم سجل ضعفا بـ53 نقطة مقارنة مع زملائهم المتمدرسين في مؤسسات عالية الأمن.
المثال الثاني بخصوص واقع جامعاتنا التي تخرج هؤلاء الطلبة والعاملون بها والمدرسون الباحثون، فتصنيف جامعاتنا والشواهد التي تسلمها وما يقع في جلها والذي ظهر للعلن مؤخرا كفيل بإشفاء الغليل. ويمكننا الرجوع هنا وكمثال فقط إلى ما كشف عنه التقرير الصادر كذلك عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين كمؤسسة وطنية رسمية والمعضلة التي تتخبط فيها الجامعات المغربية، يتعلق الأمر بالطلبة المسجلين في سلك الدكتوراه، كونهم سبب أزمة بسبب اللامبالاة وعدم مناقشة أطاريحهم في وقتها المحدد. وجاء في التقرير المعنون بـ “تقييم سلك الدكتوراه.. لتشجيع البحث والمعرفة”، أن “سلك الدكتوراه في المغرب أصبح مثل عنق الزجاجة الذي تتراكم فيه الأعداد دون أن تتبع مناقشة الأطروحات نفس الإيقاع”.
مسمار آخر يدق في نعش الجامعة المغربية، يضاف إلى المعطيات الصادمة إن لم نقل الكارثية تلك التي سبق وقدمها محمد الصغير جنجار، الخبير الانثروبولوجي والمدير المساعد لمؤسسة الملك عبد العزيز للدراسات الاسلامية والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، خلال ندوة دولية حول تقييم البحث العلمي في موضوع “تقييم البحث العلمي، الرهانات والمنهجيات والأدوات” خلال ذات لقاء بالرباط، فقد جاء في المداخلة أن الكتاب المغاربة في العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يقبلون على النشر بشكل كبير حيث أن 5 .47 بالمائة منهم لم ينشروا سوى نص واحد على مدى 17 سنة فيما نشر 5 بالمائة منهم 17 نصا بمعدل نص واحد كل سنة، مشيرا إلى أن أربعة حقول دراسية تستحوذ على اهتمام المؤلفين المغاربة في المجال هي المجتمع والقانون والتاريخ والإسلام، حيث استحوذت على 50 بالمائة من الانتاج الفكري المغربي فيما ظلت اللغة الفرنسية مستعملة في حقلين اثنين هما الاقتصاد والتدبير، كما أن المؤلفين المغاربة في هذه المجالات ينشرون أعمالهم في المغرب أساسا في مجلات مغربية (84،46 في المئة) مع اتجاه واضح للنشر في مجلات عربية بالشرق الأوسط والخليج (13،57 في المئة)، لكن بوتيرة أقل في أوروبا وأمريكا (1،98 في المئة)، أما بخصوص لغة الانتاجات الفكرية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، اعتبر أن غالبية الانتاجات تتم باللغة العربية (72،40 في المئة) فيما الإنتاج باللغة الفرنسية الذي كان إلى حدود أواخر سنوات السبعينات يشكل أكثر من نصف الإنتاج الفكري لنخبة محدودة، لم يعد يمثل سوى (24،07 في المئة).
ما يمكن أن نستخلصه من المثال الأول لتفسير المراتب المحصل عليها اليوم أو في السابق: نجد غياب التكوين للمدرسين، غياب التجديد في الموارد البشرية والاشتغال لمدد طويلة جدا بالقطاع ثم تدهور النظام والأمن داخل المؤسسات التعليمية… بخصوص المثال الثاني فالمؤسسات نفسها التي يتخرج منها من سيدرس ويعلم تحتاج إلى أكثر من وقفة، فهناك انعدام النشر العلمي والأكاديمي المعترف به دوليا في مجال التربية والديداكتيك والتكوين، غياب الإنتاج بلغات أخرى، نسبة النشر ضعيفة جدا بل غيابها في منابر دولية علمية ذات تصنيف متقدم… إذن فاقد الشيء لا يعطيه، ماذا ننتظر من مكون هو أصلا في حاجة لتكوين ذاته وهنا نتحدث خصوصا عما له علاقة بمجال التربية والتكوين…؟
تللميذ اليوم انشغلوا بالهواتف الذكية والالعاب الالكترونية التي قضت على تفكبرهم وجمدت عقولهم واصبجوا عبيدا لتلك الادوات التي ابعدتهم عن الدراسة والاجتهاد