في الريع الإعلامي

في الريع الإعلامي
الثلاثاء 6 مارس 2012 - 02:07

يكمن الريع، بالمعنى السوسيولوجي الصرف، في الحصول على” ثروة” أو سلطة أو إكرامية أو امتياز، دونما أن يكون مقابل ذلك استحقاق موضوعي ثابت، أو جهد جسدي أو ذهني مبذول، أو مسوغ قانوني يعطي المرء المستفيد “الحق في التمتع” بذات الامتياز دون غيره.

ويكمن، في الاصطلاح العام، في استئثار من لهم قرابة أو قرب من السلطان، أو من لديهم نفوذ ما على صناع القرار، أو من لهم رأي وازن بهذا اللوبي أو ذاك، استئثارهم بغنيمة جزافية، تمنحهم مداخيل قارة، دونما أن تنبني على حق مشروع أو اجتهاد خاص.

هي، بصرف النظر عن هذا التحديد أو ذاك، “مكرمة” أتت من السماء، تماما كما أتى الله شعوبا وأقواما وقبائل نفطا أو موقعا استراتيجيا أو مواد نفيسة، لا تستوجب لتقييمها جهدا عظيما، اللهم إلا جهد استخراجها، وعرضها بتكلفتها أو دونما اعتبار للتكلفة حتى، وأية تكلفة وهي رزق نزل من السماء فجأة أو بعد تذرع؟

إن التلميح، بالبناء على ما سبق من حديث، إنما القول بأن الذين تحصلوا بالمغرب تحديدا، وطيلة نصف قرن من الزمن أو ما يزيد، تحصلوا على رخص للنقل الطرقي، بالمدن وما بين المدن، وباتجاه الخارج أيضا، تماما كالذين تحصلوا على امتياز الصيد بأعالي البحار، أو استغلال مقالع المناجم والرمال أو ما سواها، إنما تحصلوا عليها نتاج قرب ما من السلطان أو دائرته، أو بفضل انتمائهم لحزب أو نقابة مهادنان، أو بفضل سلوك فرد غدا مطواعا بعدما كان عصيا على الطاعة، أو مقابل خدمة أسداها هذا المرء المستفيد أو ذاك لناد من النوادي، الثقافية أو الرياضية أو غيرها، وليس نتاج استحقاق مبرر، أو تميز مسوغ، أو مقابل خدمة للوطن تستحق الاعتراف والثناء والمجازاة.

لا يختلف الريع المتأتي من قطاع الإعلام والاتصال كثيرا عن ريع النقل والمقالع والمناجم وأعالي البحار. إنهما ينهلان معا من نفس الإناء، ويتقاطعان بعمق في الصفة والطبيعة، ولهما معا نفس النتائج والتبعات:

+ فعندما تمنح مؤسسة الإذاعة والتلفزة الوطنية مثلا، لشركة في الإنتاج، قد تكون قائمة وقد تكون وهمية، عندما تمنحها دون غيرها عقودا بملايين الدراهم لتصميم منتوج ما، أو صياغة برنامج ما، ولا تفي الشركة إياها بالمهمة، أو تفي بها دونما الحد الأدنى من الشروط، ويقبل منها العمل دون تدقيق، فإنما يدخل ذلك في نطاق الريع الخالص، في شكله كما في مضمونه.

الشركة هنا تكون قد استفادت من المال العام، لكنها لم تنجز ما يبرر الاستفادة، أو تنجزه بمستويات في الجودة متدن، أو دونما المواصفات الموضوعية المطلوبة.

+ وعندما يوزع المركز السينمائي المغربي عشرات الملايين من الدراهم، لدعم إنتاج هذا الفيلم السينمائي أو ذاك، ولا نرى من أثر لهذا الفيلم بعد انقضاء مدة من الزمن، أو نرى منه منتوجا ضحلا، هزيلا، لا أثر من بين ظهرانيه لجهد العمل، فإن ذلك إنما يعبر عن حالة ريع صرفة، مفادها استفادة المخرج ومحيطه من مال عام، دونما صرفه الصرف السليم.

+ وعندما نرى صحفا محددة ومطبوعات معينة، تتحصل على إيرادات للإشهار دون غيرها، وتستفيد من ذلك بحكم قربها من هذه الجهة النافذة أو تلك، أو غضها الطرف عن هذه المؤسسة أو تلك مقابل ذلك، فإن الأمر لا يمكن إلا أن يدخل في مجال الريع الإعلامي، ليس فقط من زاوية مدى شرعية ما تتحصل عليه، ولكن أيضا من زاوية أنها لم تبذل جهدا بالمقابل، اللهم إلا جهد المحاباة والتقرب والمحسوبية.

+ وعندما تعطى مؤسسة دون غيرها، امتياز احتكار اللوحات الإشهارية بالشارع العام، أو ببعض الأماكن العامة الاستراتيجية، أعني المرتادة بكثافة، ولا تلتزم المؤسسة إياها بأداء واجباتها الجبائية لفائدة الدولة أو الجماعة، فإن هذا ريع أيما ريع.

الريع في هذه الحالة ليس مصدره الاحتكام إلى أدوات لإنتاج القيمة، بل القرب من جهة نفوذ محددة، إذا لم تكن هي التي منحت الامتياز، فبالتأكيد هي حاميته أو الغاضة الطرف عن صاحبه، صاحب الامتياز أقصد.

إنها كلها حالات ريع إعلامي وإعلاني بامتياز، لا يبذل فيها أصحابها ذرة جهد لشرعنتها أو تبييضها بمنطوق الشرع والقانون.

ولما كانت كذلك، فإنها لا تنهل فقط من منطق غياب دولة الحق والقانون، بل ومن منظومة الفساد المعمم، الذي لا يعير كبير اعتبار للقانون، فما بالك أن يكون لديه تمثل ما عن دولة الحق والقانون.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • عبدالرحمن المواطن
    الثلاثاء 6 مارس 2012 - 05:59

    شكرا للأستاذ.
    -الأكيد ان منظومة الفساد لم تستثن مرفقا من مرافق الدولة في المغرب.ولو كشف عن كل لوائح الريع لتبين أن ما كشف لحد الآن ليس شيئا يذكر مقارنة بجبل الفساد/جبل الجليد العائم والخفي.
    -نحن ننتظركل الملفات النتنة/الخانزة التي تم التستر عليها منذ عقود.
    -لقد جاء دور المركز السينمائي المغربي ليعرف الناس حجم العفن المستشري في الجسم الإعلامي المغربي.
    -السؤال الآن هو:ماذا بعد نشر كل هذا الغسيل القدر؟المحاسبة؟المسائلة؟استرداد الأموال؟اعمال القانون؟ايجاد تخريجات قانونية وسياسية للإفلات من القانون؟
    -الأكيد:أن الكشف والفضح والتعرية ستكون لها نتائجها على المستوى السيكولوجي على المستوى الشعبي والجماهيري وسيغدي الأمل في التغيير وسيجدد شرارة الرفض للحكرة والمطالبة بالمساواة والإنصاف وإحقاق الحقوق-مع افتراض تجدد الحضور السياسي لحركة 20 فبرايرأو غيابها أو حتى موتها.

  • FOUAD
    الثلاثاء 6 مارس 2012 - 07:30

    bravooooooooooooooooo
    التعريف جميل جامع و الخلاصات دقيقة, بقي على اهل الدار ان ياتونا بالامثلة
    Mon salam

  • ziad
    الثلاثاء 6 مارس 2012 - 09:40

    الريع موجود في كل مكان و محاربه من المحال ,هو وسيلة من وسائل الحكم
    كثير من الموظفين لا يؤدون أي عمل مقابل أجرهم ولا يسألون
    ويعتبرون ذلك رزقا مكتسبا.تحكم الدولة المطلق في منابع الثروة يعطيها الإمكان
    في إعادة التوزير بالطريقة التي تراها ملائمة .الريع رزق والرزق من عند
    اللهو لا راد لقدر الله

  • mustapha
    الثلاثاء 6 مارس 2012 - 12:44

    مقال في الصميم
    إن الإنتهازيين في كل مكان وميدان الإعلام ملغم،أصبح خلالها بعض مدراء الصحف من الأغنياء والصحافييّن سماسرة. لم تعد مهنة المتاعب من أجل محاربة الفساد بل هي الفساد بعينيه،لم يعد الضمير لذى الصحفي أو المراسل في الإذاعة أو التلفزيون أو السينما أو النقابة أو الصحف. تراهم يلهتون عن المال سرا ويتظاهرون علنا بالنزاهة والإستقامة. أصبحوا يمتلكون عقارات وحسابات بنكية وسفريات..الخ

  • miloud
    الثلاثاء 6 مارس 2012 - 15:16

    يمكن اعتبار اقتصاد الريع اقتصادا مضادا ذلك ان الاقتصاد المضاد هدفه الاساس استنزاف الثروات دون مقابل (اللهم الولاء لاشخاص او للنظام بشكل عام ) وتكمن خطورته في كونه اذاتا لخلق فئة مجتمعية كسولة لكنها متوحشة تنقض على اقتصاد البلد دون ان تسهم في تحريك عجلته الاقتصادية ودون تدوير ما تحصل عليه من مكاسب في الدورة الاقتصادية ومن ثم فهي تاخذ ولا تعطي
    وعلى المستوى السوسيولوجي تخلق فئة مرتبطة اقتصاديا بالخارج ومستهلكة لكل من هو خارجي ومحتقرة لكل ما هو وطني
    اما على المستوى الاخلاقي فهي تسهم في تردي الاخلاق الاقتصادية لان الاقتصاد يصبح غنيمة وليس اجتهادا وبدلا وخلقا وتضحية . ويتحول المجال الاقتصادي الى مضاربة في حدود ضيقة وعلى انوع قليلة من السلع ومن تم تفقير مجموع الشعب واغناء فئة قليلة اما التماسك الاجتماعي فانه يهتزوتتقطع العلاقات الاجتماعية وتسود العدوات وتزاد ضروة كلما ازدادت هذه المكاسب ويختل ميزان العدل ويصبح اللامشروع مشروعا والمشروع لا مشروعا .و غالبا ما يودي ذلك عاجلا ام اجلا الى هزات وانتفاضات يتحول فيها من كان يعتمد النظام عليهم لتبث راكزه هم من يتسبب في تحطيمه وتخريبه

  • .saidmouwafak
    الأربعاء 7 مارس 2012 - 20:14

    نظمت الهيئات النقابية والجمعوية للنقل الطرقي بالمغرب.. لقاءا تواصليا مع وزير النقل.يوم 4.3.2012. ووجهنا الدعوة.للجرائد الوطنية.فادا بنا نتفاجا صباح الغد باشياء كتبها صحافي من جريدة معروفة لااساس لها من الصحة .وتوجه هدا الصحافي الى ناس لم يحضروا هدا اللقاء لياخدا ارائهم .ولم ياخد اراء الدين حضرواهدا للقاء.وهنا تولدت الي قناعة على انه في المغرب كل شيء يباع ويشترى. مول الطاكسي

  • amazigh n mrirt
    الخميس 8 مارس 2012 - 01:06

    il faut nommer directement ce diable qui se cache derrière tous ça.qui protège des petits diable.les voleurs des richesses du maroc depuis 50 ans.il faut du courage pour nommer le diable(avec un djellaba et un tarbouche) et dire la vérité au marocain.

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 4

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01 1

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49 3

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32 16

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37 4

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل