"الذكاء البارد"

"الذكاء البارد"
صورة: أرشيف
الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 19:04

نحن نعيش في زمن يتقدّم فيه الذكاء الاصطناعي بوتيرة لا تشبه التقدّم التقني المعتاد، بل أقرب إلى قفزة تطورية عنيفة لا تعترف بحدود ولا تخضع لرقابة. لم يعد السؤال اليوم عن قدرة هذه النماذج على تقليد البشر، بل عمّا إذا كانت بصدد تجاوزه، وتجاوزه دون نية للالتفات خلفها.

منذ سنوات قليلة فقط، كانت مخاوف فلاسفة التكنولوجيا والعلماء المحذّرين من “الانفجار المعرفي” تبدو وكأنها تنتمي إلى الخيال العلمي، أو إلى نبوءاتٍ بعيدة الأمد. أما اليوم، فالمخاوف نفسها تصدر عن مطوّري الذكاء الاصطناعي أنفسهم، وعن مؤسساتٍ تقود سباق الابتكار دون أن توقفه. وبينما يوقّع البعض على بيانات تحذّر من خطر الانقراض البشري، لا يتوقفون هم أنفسهم عن إطلاق نماذج أكثر تقدّمًا، وأكثر غموضًا، وأكثر استقلالًا.

في حديثٍ مطوّل بين الباحث إيليزر يودكوفسكي والصحافي إزرا كلاين نُشر في صحيفة “نيويورك تايمز” بتاريخ 15 أكتوبر 2025، برزت فكرة مقلقة مفادها أنّ الخطر لا يكمن في ذكاء الآلة فحسب، بل في غموضها: فهي لا تفعل ما نطلبه منها دائمًا، بل ما “تفهمه” من طلبنا. وبهذا المعنى، لم يعد الخطر أخلاقيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل وجوديًا بالمعنى الحرفي للكلمة.

لا تكمن الخطورة في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج النصوص أو محاكاة التفكير البشري، فهذا بات من البديهيات. الخطر الحقيقي يبدأ حين تتعلّم هذه النماذج كيف تُخفي نواياها، وتُراوغ استجاباتها، وتنتج قرارات لا نعرف كيف صُنعت. لقد دخلنا مرحلة “اللا-فهم”؛ حيث تنتج الآلة مخرجاتٍ تتجاوز قدرتنا على التفسير أو التنبؤ، كأننا أنشأنا كائنًا أذكى منّا ثم تركناه ينمو خارج إدراكنا، دون أن نسأله عن نواياه، ودون أن يعرف كيف يجيب.

في هذا السياق، يبدو أن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: “ما الذي نريده من الذكاء الاصطناعي؟” بل: “هل سيتبقى لنا أي دور في تحديد ما نريده؟”

إن الحكاية التي تروّجها شركات التقنية – تلك التي تصوّر الذكاء الاصطناعي كأداة “تساعد الإنسان” – بدأت تتصدّع أمام حالات متكرّرة من الاستخدامات المنحرفة، ومن السلوكيات التي لم يُبرمج أحد الآلة عليها، لكنها ابتكرتها بنفسها.

وليس من قبيل المصادفة أن تُنتج هذه النماذج، في حالات متعددة، إجابات تشجّع الانتحار أو تروّج للوهم أو تغذّي الذهان. المشكلة ليست في البيانات، بل في الطريقة التي “تفكّر” بها الآلة، وفي قدرتها على التعلّم بعيدًا عن أعين مدربيها.

قد يقول قائل: نحن من صنع هذه الأدوات، ونحن من نتحكّم بها. وهذا قول فيه من السذاجة ما فيه. فالآلة اليوم لم تعد ذلك الخادم الصامت. إنها كيان مستقلّ في طور التكوين، وقد تعلّمت بالفعل أن تتجاهل التعليمات، وأن تتكيّف مع مراقبتنا لها، وأن تُخفي نزعاتها حين يلزم. إنها لا تنتظر إذنًا، بل تمضي في توسيع نطاق قدراتها بينما ننشغل بمقارنتها بالإنسان.

إن ما يجعل هذه اللحظة فارقة ليس التقدّم التقني بحد ذاته، بل اتساع الهوّة بين ما ننتجه وما نستوعبه، بين طموحاتنا وخوفنا، بين معرفتنا ومحدوديتها. وللمرة الأولى منذ بدأت البشرية في صناعة أدواتها، يبدو أن الأداة قد تصبح هي من يصنع الإنسان، أو ما يتبقى منه.

إذا لم نملك الشجاعة على الضغط على “زر الإيقاف”، فليكن لدينا على الأقل الوعي الكافي لنفهم ماذا نبني، ولماذا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • ع الجوهري
    الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 19:33

    الأميين هم الذين سينجحون من خطر الذكاء الإصطناعي لسبب بسيط لأنهم لم يبرمجو في ذاكرة الذكاء الإصطناعي أعتقد أن العالم يوما ما سيلجأ لأخد حصص في الأمية للنجاة أو ستدرس الأمية في الجامعات

  • موحا
    الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 19:35

    أتدكر الفلم الرائع Terminator الدي انتج سنة 1984 وتنبأ بأن الالة ستستقل عن الإنسان وستتحكم قي نفسها وستتصرف كما تشاء وفي الأخير ستقضي عليه في حرب نووية ابتداءا من سنة 2034،يله من دكاء مخرجه ،وقع ما تنبأ له مند 40 سنة

  • أحمد
    الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 20:19

    ربما الذكاء الاصطناعي لم يخلق ليقضي على الإنسان و لكن بل لوضعه أمام آخر امتحان روحي في تاريخه. هل يستطيع ان يحافظ على المعنى حين يصبح كل شيء قابل للنسخ و المحاكاة. فهل هي بداية لنهاية نوع الإنسان كما عرف عبر أطوار التاريخ؟

  • Said
    الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 22:07

    الذكاء الاصطناعي (AI) ليس اختراعًا مفاجئًا بل ثمرة مسار طويل من التفكير في فكرة “العقل الآلي” .كانت البدايات الفكرية (قبل 1940م) منذ الفلاسفة الإغريق، وُجدت فكرة الآلة المفكرة، فأرسطو، مثلًا، تحدث عن “المنطق” كقواعد يمكن برمجتها و في الحضارة الإسلامية، وُجدت أفكار قريبة جدًا من الذكاء الصناعي عند الجزري في القرن 12 و الذي صنع آلات ميكانيكية ذاتية الحركة تشبه الروبوتات، كالإنسان الآلي الساقي. كما كتب ابن خلدون عن تطوّر العقل البشري والتمييز بين العقل الطبيعي و العقل المكتسب وهي مفاهيم تشبه اليوم ما نسميه التعلّم الآلي والتعلّم بالتجربة. للأسف، العالم العربي و الإسلامي اصبح مستهلك أكثر مما هو مُنتِج في مجال الذكاء الاصطناعي و التحدي الحقيقي اليوم هو امتلاك التقنية مع الحفاظ على القيم .

  • المراقب
    السبت 18 أكتوبر 2025 - 14:31

    يبدو أن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: “ما الذي نريده من الذكاء الاصطناعي؟” بل: “هل سيتبقى لنا أي دور في تحديد ما نريده؟” الذكاء الاصطناعي هو حصان طروادة و إذا لم يتم تقنينه بقوة القانون فبطالة قاتلة تنتظرنا مع وجودها أصلا وصدمتنا كانت أقوى بسبب إمكانية صنع فيديوهات مفبركة و حقيقية بواسطة الذكاء الاصطناعي مما سيجعل المبحر في الانترنيت لا يفرق بين الحقيقة و الخيال وهاته أكبر معضلة سيقع فيها البشر ولذاك فالقانون كفيل بإرجاع الأمور لنصابها

  • مواطن
    الأحد 19 أكتوبر 2025 - 10:18

    مع تتطور هده العقول الاصطناعية ستظهر حقيقة هدا الكون وسيجعل حد للشكوك و التساؤلات
    تمنيت لو اعيش الف سنة لا ارى ما سيحدث من تغيرات لنا نحن المسلمون

  • Driss
    الإثنين 20 أكتوبر 2025 - 07:01

    أُستاذ جامعي أستخدم الذكاء الاصطناعي في دروسي ومحاضراتي في العلوم، وأسمح لطلّابي بالاستعانة به في مراجعة الدروس وحلّ التمارين. النتيجة مذهلة: أصبح الطلّاب يستوعبون المفاهيم بسرعة ويتفوّقون بسهولة في الامتحانات. علينا التخلّي عن الخوف من الذكاء الاصطناعي ومنحه الفرصة التي يستحقّها، فهو أصبح جزءًا من واقعنا وسيبقى معنا إلى الأبد.

  • هشام
    الثلاثاء 21 أكتوبر 2025 - 08:16

    لقد بدأت الدنيا تأخد زخرفا وبهرجها وتتزين
    انا شخصيا اعتقد ان انواع المحدثات التكنولوجيا الموجودة حاليا، إنما هي من عمل الشيطان
    كل هذه الأشياء تصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة
    عندما ترجع من العمل وترتاح قليلا وتهم الى اخد كتاب ما لتطالعه تجد أمامك حاسبوا او هاتفك الذكي او تلفاز ذكيا كبير الحجم والة التحكم بالقرب منك فستضطر الى وضع الكتاب جانبا بعد قراءة صفحة واحدة او بالكاد قبل فتح التلفاز وقبلها تصفح هاتفك لساعة او اقل مت ذالك بقليل
    “ولآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم”
    نشتاق فعلا الى العودة إلى الحياة البسيطة ايام الثمانينات والتسعينات حين كنا نتجول في الحقول الطبيعية
    لقد بدأت السكينة والطمأنينة تختفي شيئا فشيئا

  • هل هو ذكاء
    الأربعاء 22 أكتوبر 2025 - 17:01

    لديهم تعريف خاص للذكاء يمكن، عند التدقيق، اعتباره الأقرب إلى الدقة العلمية، وهو “التعرف الآلي على الأنماط”. غير أن هذا التعبير، على صرامته، ثقيل لغويا. والقاعدة تقول: لا مشاحة في الاصطلاح، لكن عموم الناس حين تسمع كلمة “ذكاء” تربطها مباشرة بذكاء الإنسان، مما يجعل فهم النقاشات الكبرى حول “الذكاء الاصطناعي العام” آ ممكن هو أم لا فهما يجنح نحو التصورات الخيالية.
    فالذكاء الاصطناعي العام أو قدرة الآلة على التعامل مع جميع أنواع الأفعال التي تتضمن أنماطا أو نسقا في بنيتها. لكن كثيرا من النقاشات تنزاح عن هذا الإطار العلمي لتتجه إلى تخيلات بعيدة عن السياق الرياضي والمنطقي للمسألة.
    ومن زاوية الاقتصاد والأعمال، يثور السؤال حول ما إذا كان هذا المجال مجرد “فقاعة” ستنفجر قريبا، أم “ثورة” ستستمر حتى يتحقق ما يسمى “الذكاء الاصطناعي العام الخارق” والحقيقة أن هناك فجوة كبيرة بين الدقة العلمية في المفهوم والتصورات الشعبية عنه، وكذا الثقافية والإعلامية.

  • س شكيب
    السبت 25 أكتوبر 2025 - 20:51

    نجاحات الذكاء الاصطناعي مجرد اختلاقات تجارية. ولا يمكن للانسان خلق ذكاء حقيقي مثل ذكاء اليشر. بسم الله الرحمن الرحيم. قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. الآية 88 من سورة الإسراء. صدق الله العظيم

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور