قانون المالية قبل ثقة البرلمان: هل تبرر ضرورة الميزانية تجاوز حدود الاختصاص الدستوري؟
لم يكن مشروع قانون المالية لسنة 2027 مجرد وثيقة مالية تحدد موارد الدولة ونفقاتها، أو مناسبة سنوية لاستعراض التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، بل تحول، في سياق سياسي ومؤسساتي استثنائي، إلى موضوع نقاش دستوري يتجاوز الأرقام والمؤشرات الميزانياتية، ليمس إحدى القضايا الجوهرية في النظام الدستوري المغربي، وهي حدود ممارسة السلطة التنفيذية قبل اكتمال شروط التنصيب البرلماني.
فمصادقة مجلس الحكومة، بتاريخ 20 أكتوبر 2026، على مشروع قانون المالية رقم 60.26، في مرحلة لم تكن فيها الحكومة الجديدة قد حصلت بعد على ثقة مجلس النواب، تطرح سؤالاً قانونياً لا يمكن اختزاله في مجرد احترام الموعد المحدد لإيداع المشروع، ولا في الحاجة إلى ضمان استمرارية التدبير المالي للدولة.
إن السؤال الحقيقي الذي تثيره هذه الواقعة هو: هل يمكن لحكومة معينة دستوريا، لكنها غير منصبة برلمانياً، أن تمارس اختصاصاً تشريعياً تحضيرياً يتمثل في المصادقة على مشروع قانون المالية، أم أن هذا الاختصاص يظل مقيداً باستكمال مسطرة التنصيب واكتساب الحكومة كامل صلاحياتها؟
ولعل أهمية هذا السؤال تكمن في كونه يضعنا أمام مبدأين دستوريين لا يجوز فصل أحدهما عن الآخر: مبدأ استمرارية الدولة والمرافق العمومية، ومبدأ الشرعية الدستورية في ممارسة الاختصاصات.
أولا: التعيين الحكومي ليس مرادفا للتنصيب البرلماني
إن أول ما ينبغي استحضاره في معالجة هذا الموضوع هو التمييز القانوني بين تعيين الحكومة وتنصيبها، باعتبارهما مرحلتين دستوريتين مختلفتين، وإن كانتا متكاملتين في بناء الشرعية الحكومية.
فالفصل 47 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ينظم تعيين رئيس الحكومة وأعضائها، بينما يحدد الفصل 88 المسطرة الدستورية المتعلقة بعرض البرنامج الحكومي على البرلمان والتصويت عليه.
وقد جاء الفصل 88 واضحاً عندما نص على أن الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي.
وهذا المقتضى لا يمثل مجرد إجراء شكلي، وإنما يجسد إحدى أهم مظاهر ربط ممارسة السلطة التنفيذية بالمسؤولية السياسية أمام المؤسسة التشريعية.
فالتعيين يمنح الحكومة وجودها المؤسساتي، بينما يشكل التنصيب البرلماني المرحلة التي تستكمل بها شروط ممارسة اختصاصاتها الحكومية العادية.
ومن ثم، فإن القول بأن الحكومة تصبح، بمجرد تعيين أعضائها، مؤهلة لممارسة جميع الاختصاصات المنصوص عليها في الدستور، يحتاج إلى تدقيق في ضوء القواعد التنظيمية التي تضبط المرحلة الفاصلة بين التعيين والتنصيب.
وفي هذا السياق، لا يكفي الاستناد إلى الفصل 92 من الدستور، الذي يجعل التداول في مشاريع القوانين، ومن بينها مشروع قانون المالية، من اختصاص مجلس الحكومة؛ لأن هذا الفصل يحدد الاختصاص من حيث موضوعه، بينما يحدد القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة شروط ممارسته خلال المرحلة الانتقالية.
والفرق بين الأمرين جوهري في التحليل القانوني؛ ذلك أن امتلاك مؤسسة لاختصاص معين لا يعني بالضرورة جواز ممارسته في جميع الحالات، بصرف النظر عن وضعيتها الدستورية.
ثانياً: المادة 38 من القانون التنظيمي للحكومة مفتاح الحسم القانوني
إذا كان الفصل 88 من الدستور يحدد لحظة التنصيب البرلماني، فإن القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها يقدم الإطار القانوني الأكثر مباشرة لفهم حدود صلاحيات الحكومة الجديدة قبل حصولها على الثقة البرلمانية.
فالمادة 38 من هذا القانون التنظيمي تحدد المهام التي يجوز للحكومة الجديدة المعينة، وغير المنصبة بعد، ممارستها.
وتتمثل هذه المهام في إعداد البرنامج الحكومي الذي يعتزم رئيس الحكومة عرضه أمام البرلمان، وإصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية، فضلاً عن ممارسة الصلاحيات المحددة في الفقرة الأولى من المادة 37 إلى حين تنصيبها من طرف مجلس النواب.
أما المادة 37، فتحصر تصريف الأمور الجارية في اتخاذ المراسيم والقرارات والمقررات الإدارية الضرورية والتدابير المستعجلة اللازمة لضمان استمرارية عمل مصالح الدولة ومؤسساتها وانتظام سير المرافق العمومية.
وتستبعد المادة نفسها من نطاق تصريف الأمور الجارية التدابير التي من شأنها إلزام الحكومة المقبلة بصفة دائمة ومستمرة، وخاصة المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والتعيين في المناصب العليا.
وهنا نصل إلى جوهر الإشكال.
فالمادة 38 لا تمنح الحكومة الجديدة غير المنصبة اختصاصاً تشريعياً عاماً، وإنما تحيل، في ما يتعلق باستمرارية المرافق العمومية، على الفقرة الأولى من المادة 37 تحديداً.
وهذه الإحالة التشريعية الدقيقة لا ينبغي إفراغها من مضمونها؛ لأنها تعكس إرادة المشرع التنظيمي في التمييز بين التدابير الضرورية لاستمرار الإدارة، وبين القرارات التي تتجاوز نطاق التدبير الانتقالي لتؤسس اختيارات قانونية ومالية جديدة.
وعلى هذا الأساس، فإن المصادقة على مشروع قانون المالية قبل التنصيب البرلماني تثير، من زاوية القراءة الحرفية والنسقية للمادتين 37 و38، إشكالا جديا يتعلق بمدى تجاوز الحكومة للحدود المرسومة لاختصاصاتها الانتقالية.
ولا يعني ذلك أن كل عمل تقوم به الحكومة قبل تنصيبها يكون مخالفا للدستور، وإنما يعني أن مشروعية كل تصرف يجب أن تقاس بطبيعته القانونية، ومدى اندراجه ضمن الاختصاصات المحددة لهذه المرحلة.
ثالثاً: قانون المالية ليس مجرد إجراء إداري لضمان الاستمرارية
قد يدفع البعض بأن مشروع قانون المالية يتميز بطبيعته الخاصة، وأن ارتباطه بالسنة المالية المقبلة يفرض الإسراع في المصادقة عليه تفادياً لأي اضطراب في تدبير المالية العمومية.
وهذا الاعتبار مفهوم من الناحية العملية، لكنه لا يحسم وحده المسألة من الناحية القانونية.
فقانون المالية ليس وثيقة محاسبية محايدة، وإنما هو الأداة الأساسية لترجمة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والمالية للدولة إلى اعتمادات وترخيصات تشريعية.
فمن خلاله تحدد التوقعات المتعلقة بالموارد العمومية، وترخص النفقات، وتؤطر التوازنات المالية، وتترجم أولويات الاستثمار العمومي والسياسات الاجتماعية والجبائية.
ولذلك، فإن مشروع قانون المالية يحمل بطبيعته مضموناً سياسياً ومالياً يتجاوز مجرد ضمان السير العادي للمرافق العمومية.
ومن المفيد هنا التمييز بين إعداد مشروع قانون المالية، باعتباره عملية تقنية وإدارية متواصلة تشارك فيها مختلف القطاعات الوزارية، وبين المصادقة الحكومية عليه، باعتبارها مرحلة مؤسساتية تعبر عن تبني الحكومة لمضمون المشروع وتحمل المسؤولية السياسية عن اختياراته.
فالإدارة المالية لا تتوقف عن إعداد المعطيات والتوقعات الميزانياتية بسبب تغيير الحكومة، كما أن المصالح المختصة تواصل أداء مهامها لضمان انتظام العمل الإداري.
لكن استمرار العمل التقني والإداري لا يؤدي تلقائياً إلى توسيع صلاحيات الحكومة غير المنصبة لتشمل جميع الأعمال التي تدخل، في الظروف العادية، ضمن اختصاص مجلس الحكومة.
وهنا يظهر الفرق بين استمرارية إعداد الميزانية واستكمال المسطرة القانونية للمصادقة عليها.
فالأولى ضرورة إدارية ومؤسساتية، بينما الثانية ممارسة لاختصاص دستوري يتعين احترام شروطه وحدوده.
رابعا: هل يشكل أجل 20 أكتوبر مبررا قانونيا للمصادقة قبل التنصيب
من أبرز الحجج التي يمكن إثارتها لتبرير المصادقة المبكرة على مشروع قانون المالية ضرورة احترام الأجل القانوني المحدد لإيداع المشروع بمجلس النواب.
فالمادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية تنص على إيداع مشروع قانون المالية للسنة لدى مكتب مجلس النواب، في أجل أقصاه 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية.
ويعكس هذا الأجل حرص المشرع التنظيمي على ضمان انتظام الدورة الميزانياتية، وتمكين البرلمان من دراسة المشروع والتصويت عليه ضمن المدد المحددة قانوناً.
غير أن هذا الالتزام الزمني لا يمكن قراءته بمعزل عن باقي القواعد الدستورية والتنظيمية التي تحكم ممارسة السلطة التنفيذية.
فمن المبادئ المستقرة في التحليل القانوني أن احترام الاختصاص يشكل شرطاً أساسياً لمشروعية التصرف، وأن الاستعجال لا ينشئ، في حد ذاته، اختصاصاً لم يمنحه القانون.
وبعبارة أخرى، فإن وجود أجل قانوني ملزم لا يعني أن كل وسيلة متخذة لاحترامه تصبح مشروعة بصورة تلقائية.
كما أن الدستور المغربي لم يغفل احتمال حدوث صعوبات في اعتماد قانون المالية داخل الآجال العادية.
فالفصل 75 من الدستور ينظم الحالة التي لا يتم فيها التصويت على قانون المالية عند نهاية السنة المالية، أو يتعذر إصدار الأمر بتنفيذه بسبب إحالته إلى المحكمة الدستورية، ويجيز للحكومة، وفق الشروط المحددة فيه، فتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بالمهام المنوطة بها، على أساس ما هو مقترح بالميزانية المعروضة على الموافقة.
ويجد هذا المقتضى تفصيله في المادة 50 من القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية.
صحيح أن هذه الآلية لا تشكل ترخيصاً عاماً بتجاوز أجل الإيداع، ولا تعالج مباشرة مسألة اختصاص الحكومة غير المنصبة، لكنها تؤكد أن النظام الدستوري والمالي المغربي يتوفر على آليات قانونية لمواجهة بعض حالات التعثر في اعتماد الميزانية.
ومن ثم، فإن استمرارية المالية العمومية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإهدار القواعد المنظمة للاختصاص.
خامسا: بين التداول في المجلس الوزاري والمصادقة في مجلس الحكومة
تقتضي القراءة القانونية السليمة لهذا الموضوع التمييز أيضاً بين اختصاص المجلس الوزاري واختصاص مجلس الحكومة في المسار الدستوري لإعداد مشروع قانون المالية.
فالفصل 49 من الدستور يسند إلى المجلس الوزاري التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية، بينما يسند الفصل 92 إلى مجلس الحكومة التداول في مشروع قانون المالية قبل إيداعه بمكتب مجلس النواب.
وهذا التوزيع للاختصاصات ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يعكس هندسة دستورية تقوم على التمييز بين تحديد التوجهات العامة للسياسة المالية وبين بلورتها في مشروع قانون يتضمن مقتضيات مالية وجبائية وميزانياتية محددة.
وعليه، فإن التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية داخل المجلس الوزاري لا ينبغي الخلط بينه وبين المصادقة على المشروع داخل مجلس الحكومة.
كما أن انعقاد المجلس الوزاري والتداول في التوجهات العامة لا يشكلان، في حد ذاتهما، بديلاً عن ضرورة احترام الشروط القانونية المتعلقة بممارسة مجلس الحكومة لاختصاصاته.
فلكل مؤسسة مجال اختصاصها، ولكل مرحلة من مراحل إعداد قانون المالية طبيعتها القانونية وآثارها.
وتبعاً لذلك، فإن النقاش بشأن المصادقة على مشروع قانون المالية قبل التنصيب البرلماني لا يتعلق بمضمون التوجهات العامة التي جرى التداول بشأنها في المجلس الوزاري، وإنما يتعلق بالأساس بمدى أهلية الحكومة الجديدة، في وضعيتها الانتقالية، لممارسة اختصاص المصادقة على مشروع القانون.
سادسا: هل نحن أمام مخالفة دستورية أم إشكال في مشروعية المسطرة
من الضروري، في هذا المستوى من التحليل، تجنب الخلط بين عدم احترام قاعدة قانونية منظمة للاختصاص وبين الجزم المسبق بعدم دستورية قانون لم يستكمل بعد مسطرته التشريعية.
فالمصادقة الحكومية على مشروع قانون المالية تشكل مرحلة من مراحل المسطرة التشريعية، وليست هي المصادقة البرلمانية النهائية على القانون.
ومن ثم، فإن النقاش الأول ينصب على مدى مشروعية التصرف الحكومي ذاته في ضوء المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13، بينما يتعلق النقاش الثاني بالآثار التي يمكن أن تترتب عن عيب محتمل في هذه المرحلة على المسطرة التشريعية اللاحقة.
وهما مستويان مترابطان، لكنهما غير متطابقين.
فإذا كانت القراءة المتشددة للمادتين 37 و38 تقود إلى اعتبار المصادقة على مشاريع القوانين خارج نطاق الاختصاصات المسموح بها للحكومة غير المنصبة، فإن ترتيب الآثار القانونية على هذا الاستنتاج يحتاج إلى بحث مستقل في طبيعة العيب المسطري ومدى تأثيره في سلامة المسار التشريعي.
كما أن القول بوجود مخالفة لا يعني بالضرورة أن مشروع القانون يصبح باطلاً تلقائياً، لأن تقرير الآثار القانونية النهائية يظل مرتبطاً بالقواعد الدستورية المنظمة للرقابة على القوانين وباختصاص الجهات المخول لها البت في المنازعات الدستورية.
ومن هنا، فإن الدقة القانونية تقتضي التمييز بين وجود أساس جدي للاعتراض على المشروعية، وبين صدور حكم أو قرار ملزم يرتب جزاءً قانونياً محددا.
والأهم من ذلك أن أي نقاش بشأن استمرارية الدولة يجب ألا يحجب السؤال المتعلق بحدود الاختصاص؛ لأن الاستمرارية ليست مصدراً مستقلاً لاختصاصات غير منصوص عليها، وإنما مبدأ يمارس في الحدود التي يرسمها الدستور والقانون.
سابعا: نحو مفهوم الشرعية المسطرية للقرار المالي
لعل أهم ما تكشف عنه هذه الواقعة هو الحاجة إلى إعادة الاعتبار لما يمكن تسميته الشرعية المسطرية للقرار المالي العمومي.
فالمشروعية المالية لا تقاس فقط بمدى انسجام الاعتمادات والنفقات مع الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية، ولا بمجرد احترام مبادئ التوازن والشفافية والصدقية الميزانياتية، وإنما تقاس أيضاً بمدى احترام المساطر الدستورية والمؤسساتية التي يمر عبرها القرار المالي.
فقد يكون مشروع قانون المالية منسجماً مع التوجهات الاقتصادية للدولة، ومستجيباً لحاجيات الاستثمار والحماية الاجتماعية، ومعداً وفق قواعد تقنية سليمة، ومع ذلك يظل التساؤل مشروعاً بشأن سلامة بعض المراحل التي مر منها.
وهذا ما يجعل الشرعية المسطرية ضمانة قائمة بذاتها، لا مجرد عنصر ثانوي في بناء المشروعية المالية.
إن قوة المؤسسات لا تظهر فقط في قدرتها على اتخاذ القرارات في الوقت المناسب، وإنما تتجلى كذلك في قدرتها على احترام القواعد القانونية حتى في الظروف التي تفرض ضغطاً زمنياً أو سياسياً.
كما أن مبدأ استمرارية الدولة لا يتعارض مع الشرعية الدستورية، بل يفترض أن يتحقق من خلالها، لأن الاستمرارية التي يؤطرها القانون هي التي تمنح القرار العمومي قوته ومصداقيته.
وإذا كانت السنة المالية لا تنتظر اكتمال جميع الترتيبات السياسية، فإن ذلك لا يعني أن الزمن المالي ينبغي أن يعلو على الزمن الدستوري، أو أن تتحول الضرورة العملية إلى قاعدة بديلة عن الاختصاص القانوني.
خاتمة: لا شرعية مالية مكتملة دون شرعية مسطرية
إن مصادقة الحكومة الجديدة على مشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل حصولها على التنصيب البرلماني تثير إشكالاً دستورياً وتنظيمياً حقيقياً، يستحق نقاشاً قانونياً هادئاً بعيداً عن المواقف السياسية المسبقة.
فالقراءة المتكاملة للفصول 47 و49 و88 و92 من الدستور، إلى جانب المواد 36 و37 و38 من القانون التنظيمي رقم 065.13، تقود إلى ضرورة التمييز بين الوجود القانوني للحكومة بعد تعيينها، وبين نطاق الاختصاصات التي يجوز لها ممارستها قبل تنصيبها.
وفي ضوء هذا التمييز، تبدو المصادقة على مشروع قانون المالية، باعتبارها عملاً يدخل ضمن المسطرة التشريعية ويتجاوز التدبير الإداري اليومي، محل اعتراض قانوني جدي إذا تمت قبل استكمال شروط التنصيب.
غير أن الجزم بالجزاء الدستوري المترتب عن هذه الوضعية يقتضي فحص المسطرة المتبعة بكاملها، والتمييز بين عيب الاختصاص المحتمل وبين آثاره على القانون بعد اعتماده.
إن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالانتصار لقراءة سياسية على حساب أخرى، وإنما بترسيخ ثقافة دستورية تجعل احترام الاختصاصات والمساطر جزءاً أصيلاً من الحكامة المالية.
فالميزانية ليست مجرد أرقام تحتاج إلى المصادقة في موعدها، بل هي تعبير قانوني عن سلطة عمومية ينبغي أن تمارس اختصاصاتها في حدود الدستور. وإذا كان احترام الآجال ضرورة مالية، فإن احترام الاختصاصات ضرورة دستورية؛ ولا ينبغي للأولى أن تتحول إلى استثناء غير منصوص عليه من الثانية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.