قرار المجلس الدستوري بين الظاهرية الشكلية والمقاصد الضائعة

قرار المجلس الدستوري بين الظاهرية الشكلية والمقاصد الضائعة
الثلاثاء 19 يونيو 2012 - 19:37

كثيرا ما يُطالَب الفقهاء بإعمال المقاصد الشرعية في اجتهاداتهم واستنباطاتهم للأحكام، ويعاب تشبث بعضهم بمجرد الظاهر إذا انتفت روح الشريعة في النازلة، والمثال المشهور الذي يضرب في هذا المجال لطلبة العلوم الشرعية حكاية تفريق الظاهرية بين القصد إلى البول في الماء وعدم القصد إلى ذلك، فقالوا في قول النبي صلى الله عليه وسلم : “لا يبولن أحدكم في الماء الدائم” أي الراكد، قالوا: لو بال قريبا من الماء ثم سار البول إلى الماء لا يشمله النهي ! وقالوا : إن الإنسان إذا لم يُرِد أن يستعمل الماء فلا يشمله النهي !فصار أهل الظاهر بذلك مثار سُخرية بل وردّ بعض العلماء أقوالهم ، وشنّع عليهم آخرون لأجل ذلك .

شيء من هذا سقط فيه قضاة المجلس الدستوري الذين حكموا بإلغاء مقاعد العدالة والتنمية بطنجة-أصيلا وبأحد دوائر مراكش، لمجرد وجود صومعة في خلفية صورة المنشور الانتخابي، والحال أن أي صورة يريد المواطن أن يأخذها لأي مدينة مغربية تقريبا إلا وتجد فيها صومعة أو أكثر كرمز عمراني يطبع مدننا وربما تجد هذا في العالم الإسلامي كله،

فهل من العقل وحسن النظر واستحضار روح التشريعات والقوانين ومقاصدها تلغى عملية انتخابية كبيرة صرفت فيها أموال طائلة وجهود كبيرة وأوقات معتبرة لمجرد صورة في منشور ربما لم يبال بها لا طابعها ولا موزعها ولا من وزعت عليه؟ وهل يعقل أن يكون لمثل ذلك أدنى تأثير على اثنين وأربعين ألف ناخب في طنجة وعشرين ألف في مراكش؟ أليس في مثل هذا يقال إن أعمال العقلاء منزهة عن العبث؟ أليس بمثل هذه الأحكام تهتز ثقة الناس بمثل هذه المؤسسات الكبيرة التي يفترض أن يختار فيها الحكماء وذوو التقدير البالغ للأمور والعارفين بالمآلات ؟ كيف يا ترى سيفسر الأمر للناس ولعوامهم البسطاء عندما يتساءلون عن سر إلغاء هذه الانتخابات، وما هي ردود أفعالهم عندما يعرفون أن السبب هو وجود صورة صومعة المسجد في المنشور الانتخابي؟ لاشك أنها ستترك سلسلة من الإيحاءات السلبية في الأذهان مثل معاداة الدين ومحاربة الجادين في إصلاح البلد ونوع من أنواع الانتقام وتصفية الحسابات وهيمنة الأبعاد السياسية على الجوانب القانونية والدستورية وتحرك فلول الفساد والاستبداد إلى غير ذلك من الإيحاءات..

وإن الناظر إلى مثل هذا القرار قد يرجح عنده أن يكون المجلس إنما يهمه ظاهر الأمور وأشكالها بغض النظر عن المعاني والمقاصد وتأثير الأشكال في المضامين، والحال مثلا لما رجعت إلى قرار صادر (ملف رقم : 97/371 وقرار رقم : 99/300 م.د) في حق طعن تَقَدَّمْتُ به منذ سنوات لما شاركت في أحد الاستحقاقات، فوجدت المجلس يعلل رفض الطعن بأن ما تقدمت به لا يؤثر في النتيجة رغم أن الفارق لم يكن يتعدى 148 صوتا مع الذي منح مقعد الدائرة.

فكان مما جاوب به المجلس على ما ذكرت من اختلالات قطع التيار الكهربائي عن بعض مكاتب التصويت وعدم الانضباط مع الوقت المحدد للتصويت وغير ذلك كثير من الخروقات، قوله:”لكن حيث إن عدم تمكين الناخبين من الإدلاء بأصواتهم لمدة ساعتين إضافيتين في مكتب واحد للتصويت ، وإن كان يشكل مخالفة لمقرر السيد عامل عمالة الرباط القاضي بتأجيل اختتام الاقتراع إلى الساعة الثامنة في مجموع الدائرة الانتخابية ، فليس من شأنه التأثير في نتيجة الانتخاب ما دام الفرق في عدد الأصوات بين المطعون في انتخابه والمرشح الذي يليه في الترتيب يبلغ ، مع مراعاة استبعاد الأصوات المدلى بها في مكتب التصويت رقم 14 من النتيجة العامة للاقتراع ، كما أشير إليه سابقا ، 148 صوتا ؛”

فوددت لو تحدث المجلس الدستوري هذه المرة أيضا بأنه على فرض صحة هذه المخالفة الشكلية بوضع صومعة في صورة المنشور الانتخابي في طنجة ومراكش فإنه لا يرقى أن يؤثر في الكتلة الانتخابية بحجم اثنين وأربعين ألف ناخب وناخبة وعشرين ألف في مراكش مع الفارق الكبير والضخم مقارنة بالموالين لهم في الترتيب، وكان للمجلس علاوة على ذلك مندوحة في كلمة “رموز دينية” حيث لم يفصلها قانون منظم بعد يذكرها بالتفصيل والأعيان، وذلك أن الرموز تتسع في المفهوم وتضيق بحسب الحقل الدلالي الذي تتداول فيه فالهلال رمز ديني وهو رمز لأحد الأحزاب والكتاب بمعنى من المعاني عندما يطلق من غير تقييد رمز ديني أيضا وهو رمز لحزب معين، واللحية رمز ديني والحجاب رمز ديني والسبحة رمز ديني وربما الجلباب الأبيض و”البلغة” والسجادة وخروف العيد..وأما إذا دخلنا عالم الخطاب فحدث ولا حرج من السلام إلى البسملة إلى الحمد والحوقلة والاسترجاع.. والمرء في المجتمع المسلم لا ينفك عن مخالطة ما لا يحصى من الرموز..

وأقول إذا كان من واجب المواطن أن يحترم مؤسسات دولته وخصوصا إذا كانت في مثل حجم المجلس الدستوري فعلى العقلاء في هذا المجلس أن يحترموا عقول المواطنين وأن يكونوا ملجأ وملاذا للجميع يعملون المقاصد وروح القوانين لا مجرد شكليات تفوح منها روائح أخرى قد لا تكون بريئة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • almaghrebialmoghtarib
    الثلاثاء 19 يونيو 2012 - 20:21

    اذا كان المجلس الدستوري له مثل هذه المواقف فلا يجب علينا مطالب الغرب بعدم حضر السوامع في سويسرا

  • مواطن عادي
    الثلاثاء 19 يونيو 2012 - 20:28

    هذا الرجل العظيم السيد محمد بولوز ما فتئ ينصح للعدالة و التنمية لحظة تنصيبها مقاليد الامور و يثني عليها في خطواتها الموفقة مع التنبيه عليها من غدر الاصدقاء السياسيين لها و ايضا اثباتاته مقاصد ضائعة بعلة لا تعليل بوجودها الا برهن سيادته عليها_اي المقاصد_ باقوال و ارقام منزلة تنزيلا صحيحا على ميزان الدفع بدفة التدافع داخل كفة الخير الذي اتى به
    و انه لمن الاكيد التام ان سيادتكم الموقرة سيدي احمد لا تنظرون لمصلحتكم الشخصية بقدر تطلعكم استحضار روح التضامن بين الاخوة المناضلين ان في حزبكم و الحزب الذي فيه يجترح الكلام
    و به فان كلا من الحزبين و الاحزاب القرينة لها على مستوى جهة الافق في التطلع الى ما هو افضل و حتى لا تظل_اي الاحزاب_في دائرة السياسة فقط و حتى تتسنى لجميع الفاعلين فرصة الانخراط داخل نسق قوي بتشكيلاته في العمل على مستوى الاخلاق بالتحديد ادعوك سيدي بكل تواضع في دعوة صادقة بدعوتكم حزبكم المحترم الانضمام تحت لواء حزب السيد بنكيران لانكم سيدي المكمل المتمم لمنظومة خارقة في التاطير الجمعوي التي اتى بها السيد بنكيران ولا فخر فانتم الرجل المناسب في المكان المناسب وبه وجب البلاغ وسلام

  • علمانية ان شاء الله
    الثلاثاء 19 يونيو 2012 - 21:23

    "معاداة الدين ومحاربة الجادين في إصلاح البلد"
    هذه العبارة فقط تلخص كل شيء يعني من يستهدفكم (على فرض أنه يستهدفكم) إنما يستهدف الدين وأنتم إنما تمثلون الدين وبالطبع حينما تمثلون أنتم الدين فإن الآخرين يمثلون الكفر أليس كذلك ؟
    إذا ما جاء مرشحان في مجتمع متدين ترتفع فيه نسبة الأمية والجهل كالمجتمع المغربي أحدهما لا يكتفي بإعفاء لحيته وارتداء لباس تقليدي (وهو حر تماما في ذلك إذا ما توقف الأمر عند هذا الحد طبعا !) بل يضع صورته إلى جانب صورة مسجد في ملصقه وآخر يلبس لباسا حديثا ويضع ربطة عنق فعلى من صيصوت الناس يا شاطر ؟!!!!

  • عياد
    الثلاثاء 19 يونيو 2012 - 22:51

    حبذا لو اقلعنا عن اللجوء الى المنطق في انتقاد ما يبد و متنا قضا وهوفي الحقيقة عين الانسجام مع القانون القديم والمعاصر. وهذه بعض الامثلة:
    في المغرب ممنوع التدخين يعني التدخين موجود! وممنوع رمي الازبال مكانه مليء بالازبال! وكذلك الاحتكام الى العقل هو الحمق !!!!. وسلام على المجلس الدستوري يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث محكمة دستورية

  • ناصح امين
    الأربعاء 20 يونيو 2012 - 01:44

    استاذي العزيز ان اللحية ليست رمزا دينيا لان الرجال اطلقوا لحاهم قبل بزوغ الاديان كما ان السبحة ليست رمزا دينيا اسلاميا لانها مستعملة في الديانة المسيحية و البوذية اما الجلباب و البلغة فهي لباس مغربي يلبسه اليهودي و المسلم كما لبسه المغاربة المسيحيون في عهد الرومان
    المرجو الابتعاد عن الصوامع و الا تتحول المساجد الى مقرات حزبية و ارحموا هذا البلد و اهله و انتم ترون ما فعله الاستغلال المفرط للدين من احلال للخراب في اليمن و في العراق و في سوريا و في افغانستان و باكستان و في الصومال و في مالي و الحبل على الجرار

  • ملاحط
    الأربعاء 20 يونيو 2012 - 17:35

    ان القائل بأن اللحية ليست رمزا دينيا لابد أنه لا يرى بعين سليمة ولا يسمع بأذن نقية فاللحية سنة نبوية و هي عبادة بصحيح الاحاديث النبوية.
    إذن فهي رمز ديني بامتياز
    و أقول أن السبحة هي الاخرى رمز ديني لأن المغربي لا يستعملها إلا للاستغفار و ذكر الله و التعليق رقم 5 دليل على ذلك
    عموما في ظل هذا الحراك السياسي الذي يعرفه المغرب لابد أن المغربي يميز بين الاساليب و الوسائل التدليسية في الانتخابات
    يميز بين استعمال المال و استعمال السلطة و استعمال الدين ودائما كان مع من أحب إلا أن بعض القوى كانت لها دائما كلمة الفصل و مع الانتخابات الأخيرة و لأعتبارات خارجية -الربيع العربي- و أخرى داخلية -حركة 20 فبراير- كانت هذه القوى عاجزة عن الفصل في هذه الانتخابات مما أعطى لحزب العدالة و التنمية الصدارة
    و هذه القوى هي نفسها تحاول اليوم جاهدة استرجاع ما أعطته دون ارادة منها.
    أقول لهذا الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية الاخيرة ان العقد الرابط بينكم و بين المواطن المغربي سيظل قائما ما دمتم ملتزمين ببنوده.
    و الله ولي التوفيق

  • محمد
    الأربعاء 20 يونيو 2012 - 18:00

    ارحم نفسك ايها الفقيه ما بالك تحشر نفسك في السياسة و في القانون ، كمجالين بعيدين عن تخصصك ؟اذا كنت غير راض على حكم المحكمة الدستورية من فضلك رد عليهم بمنطوق القانون لا بمنطق الفقهاء

  • ع.الحفيظ
    الأربعاء 20 يونيو 2012 - 21:26

    الى رقم-7: الا يحق للفقيه ان يدلي برأيه في ما يتعلق بشؤون بلده، بأي منطق تريد تكميم فمه؟، فرسول الله -ص- كان نبيا مرسلا و كان رئيسا للدولة و كذلك الخليفتين من بعده ابوبكر و عمر -ض- و الشأن السياسي هو جزء من ديننا، و الذين يريدون ابعاد السياسة عن الدين يفعلون ذلك لكي ينحو جانبا ادبيات الاسلام ومبادئه و اخلاقه التي تحث على صيانة سيادة الدولة و العدل بين الناس و التورع عن الفساد الأخلاقي و الحفاظ على المال العام و استحضار مراقبة الله عز و جل في السر و العلن و التي تفضي بالمسؤول ايا كان موقعه في هرم السلطة الى التفاني في خدمة مصالح الناس و اتقان العمل و الاحسان فيه مصداقا لقول الرسول -ص- /الإحسان ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك/. و كتب عمر ابن الخطاب الى و لاته في الأمصار ان اهم امركم عندي الصلاة فمن ضيعها كان لما سواها أضيع فتأمل.

  • البغدادي
    الأربعاء 20 يونيو 2012 - 23:27

    أحكام المجلس الدستوري نهائية و غير قابلة للطعن… ثم ما الذي لم يعجبك في منطق الفقهاء ؟؟؟؟ على الأقل الرجل كان منطقيا فيما طرحه و كان أعقل من حثالة القضاة الذين يتولون المجلس الدستوري… فعلا نصفهم في النار و النصف الأخر في الجنة ..

  • أبو سهيلة
    الجمعة 22 يونيو 2012 - 15:55

    مغرب العجائب… يحدث هذا في عهد الدستور الجديد والحراك المجتمعي وفصل السلطات ونزاهة القضاء…
    الحزب الذي اتخذ رمز الهلال هل هو حزب قانوني أم هو فوق القانون؟ أم ليس هناك جهة تصدت لرفع دعوى قضائية بحله؟
    متاهة لا حد لها هاته التي دخلها المجلس الدستوري بأحكامه هذه!!!
    ربما يريد المجلس إثبات أن حزب الإدارة المغربية PAM مازال مدللا، وأن كلمته ما زالت مسموعة رغم أنف الربيع الديمقراطي و 20 فبراير…
    إذا حكمتم ببطلان فوز pjd في دائرة طنجة فالحمد لله المائة نائب مازالت مستوفية تمام التمام ولن يضير الفيل قرصة نملة…

  • n'importe
    الجمعة 22 يونيو 2012 - 18:00

    je pense que nous ne méritons pas la démocratie tant que nous n'acceptons pas des idées différentes des notres. et ne nous pouvaons pas se vanter d'être de vrais musulmans tant que nous n'acceptons pas les idées des autres. quoi de mal à ce qu'un ménaret apparaisse sur une affiche ? je suis complètement de l'avis de l'auteur et arrêtons de polémiquer sur des choses évidentes .

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 4

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 15

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا