بين الإعلام والمجتمع

بين الإعلام والمجتمع
الخميس 20 غشت 2026 - 10:12

هل الإعلام مرآة لثقافة الشعب أم صانع لها !؟..

السؤال عن العلاقة بين الإعلام والمجتمع ليس سؤالا بسيطا يمكن حسمه بتحديد من يؤثر في الآخر. فالإعلام لا يولد من فراغ، والمجتمع لا يبقى ثابتا أمام ما تبثه الصحافة والتلفزيون والمنصات الرقمية. إنها علاقة دائرية : المجتمع ينتج إعلامه، والإعلام يعيد إنتاج صورة المجتمع، ثم يساهم في تشكيل ذوق الناس وقيمهم وطريقة نظرتهم إلى الأحداث والأشخاص.

لهذا يصعب القول إن الإعلام مجرد مرآة للشعب، كما يصعب اعتباره الصانع الوحيد للثقافة. إنه، في كثير من الأحيان، مرآة ومختبر في الوقت نفسه. فهو يعكس ما يريده الجمهور، لكنه يستطيع أيضا أن يدفعه إلى الرغبة في أشياء لم يكن يفكر فيها، أو تبني أفكار وسلوكات جديدة.

ومن هنا يطرح السؤال نفسه : هل الإعلام يعطي الناس ما يريدون، أم يعلمهم ماذا يريدون ؟..

الجواب أن الأمرين يحدثان في الوقت نفسه.

وتاريخ الصحافة الصفراء يقدم نموذجا واضحا لهذه العلاقة. ففي الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تحولت الصحافة تدريجيا إلى سلعة جماهيرية تبحث عن أكبر عدد من القراء. وكان جوزيف بوليتزر، من خلال صحيفة «نيويورك وورلد»، من أبرز الذين ساهموا في هذا التحول، جامعا بين التحقيقات التي تكشف الفساد والموضوعات الاجتماعية والقصص المثيرة والصور والحملات الصحفية.

ثم دخل ويليام راندولف هيرست على الخط، واشترى «نيويورك جورنال» سنة 1895، لتبدأ منافسة شرسة مع بوليتزر حول القراء والتوزيع والإعلانات والتأثير. ودفع هذا التنافس الصحيفتين إلى استخدام العناوين البارزة والرسوم اللافتة والقصص المبالغ فيها، وهي الممارسات التي ارتبط بها تاريخيا مفهوم الصحافة الصفراء.

وترتبط تسمية الصحافة الصفراء بشخصية «الطفل الأصفر» أو Yellow Kid، التي ابتكرها رسام الكاريكاتير ريتشارد فيلتون أوتكولت وظهرت في «نيويورك وورلد» سنة 1895. وبعد انتقال الرسام إلى «نيويورك جورنال» واصل بوليتزر نشر الشخصية برسّام آخر، فتحولت إلى جزء من المنافسة التجارية بين الصحيفتين، ومنها ارتبط اللون الأصفر بنمط صحفي يعتمد الإثارة والمبالغة والعناوين الصادمة.

لكن اختزال الصحافة الصفراء في الأكاذيب والفضائح وحدها سيكون حكما غير دقيق. فقد استخدمت صحافة بوليتزر أيضا في كشف الفساد والدفاع عن قضايا اجتماعية. كما ساهمت الصحافة الجماهيرية في تطوير العنوان والصورة والإخراج والوصول إلى جمهور أوسع.

المشكلة إذن ليست في العنوان ولا الصورة ولا حتى الإثارة في حد ذاتها، وإنما تبدأ عندما تصبح الإثارة بديلا عن الحقيقة، وجذب الانتباه أهم من احترام القارئ.

وتظهر قوة الإعلام في قدرته على اختيار الأحداث وترتيب أولوياتها. فالجمهور قد يهتم بالفضائح والجريمة والحوادث، لكن المؤسسة الإعلامية تستطيع أن تختار خبرا من بين آلاف الأخبار، وتضعه في الواجهة، وتمنحه عنوانا ضخما وصورة مثيرة، فتجعله أكثر حضورا في وعي الجمهور. وهنا لا يعود الإعلام مجرد ناقل للواقع، بل يصبح منتقيا له ومشاركا في تحديد ما يستحق الانتباه.

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال أزمة كوبا والحرب الإسبانية الأمريكية سنة 1898، حين ساهمت الصحافة الصفراء في خلق مناخ شعبي مؤيد للحرب واستغلت حادث انفجار السفينة «يو إس إس مين» في هافانا لتأجيج المشاعر المعادية لإسبانيا. لكن من الخطأ القول إن هيرست وبوليتزر تسببا وحدهما في الحرب، فالصحافة كانت عاملا من عوامل متعددة سياسية واستراتيجية وتوسعية.

وهذا يعطينا قاعدة أساسية في فهم قوة الإعلام، إذ أن الصحافة لا تصنع كل الوقائع من العدم، لكنها تستطيع أن تختار وتبرز وتكرر وتفسر، وأن تمنح حدثا مساحة أكبر من غيره. وهذه في حد ذاتها قوة.

واليوم تغيرت الوسيلة، لكن المنطق لم يتغير كثيرا. كان الناشر يريد بيع أكبر عدد من النسخ، أما الموقع فيريد أكبر عدد من النقرات، والمنصة تريد أكبر قدر من التفاعل ووقت الاستخدام. كان العنوان يجذب العين، وأصبح اليوم يجذب النقرة. وكانت الصحيفة تستخدم الجريمة والفضيحة والصورة الصادمة، بينما تستخدم بعض المنصات الترند والمشاهير والعناوين المبالغ فيها والفيديوهات القصيرة.

الفرق أن الصحافة الصفراء كانت تنتظر القارئ في كشك الجرائد، أما اليوم فـالخوارزمية تحمل العنوان إلى هاتفه.

وهنا يظهر اصطياد النقرات أو Clickbait باعتباره امتدادا رقميا لمنطق قديم، ألا وهو الحصول على انتباه الجمهور وتحويل هذا الانتباه إلى قيمة اقتصادية. لكن ليس كل إعلام رقمي صحافة صفراء فالإعلام الرقمي يضم الصحافة الاستقصائية والعلمية والمتخصصة كما يضم المحتوى السطحي والمضلل، ليست المشكلة في التكنولوجيا، بل في طريقة استخدامها.

فهل الإعلام يعكس ثقافة الشعب !؟..

نعم، ولكن جزئيا.

إذا كان الجمهور يستهلك الفضائح، ستظهر صحافة الفضائح. وإذا كان يهتم بالسياسة، ستتوسع المساحات السياسية. وإذا كان يبحث عن المعرفة، ستزدهر الصحافة المتخصصة والتحقيقات.

لكن العلاقة لا تتوقف هنا. الإعلام يصنع أيضا الطلب الذي يستجيب له. فعندما تكرر قناة برامج الصراخ، فهي لا تعكس فقط وجود جمهور يحب الصراخ، بل تساهم في جعل الصراخ معيارا للنجاح. وعندما تمنح صحيفة مساحة ضخمة لفضيحة شخصية، فهي لا تكتفي بالقول إن الجمهور مهتم بالفضائح، بل تعلمه تدريجيا أن الفضائح تستحق هذا الحجم من الاهتمام.

ما نراه كل يوم يصبح عاديا، وما يصبح عاديا قد يتحول إلى مقبول، وما يصبح مقبولا قد يتحول إلى مطلوب.

لهذا فالعلاقة ليست خطا مستقيما، بل دائرة يمكن شرحها كالتالي : المجتمع يصنع الإعلام، والإعلام يعيد تشكيل المجتمع، ثم يعود المجتمع ليستهلك إعلاما ساهم الإعلام نفسه في تشكيل وتوجيه ذوقه نحوه، وهنا يمكن الحديث عن تنميط الجمهور، حين يصر الإعلام والصناعة الثقافية على تقديم الشكل والمضمون نفسيهما لسنوات، فيتحول الاختيار إلى عادة، والعادة إلى ذوق، والذوق إلى طلب جماهيري يبدو طبيعيا. ويظهر ذلك مثلا في الفن الكوميدي، حين يطغى نوع الضحك السريع والمباشر، القائم على المواقف المكررة والإفيهات السهلة أو الضحك لأجل الإضحاك، مقابل تراجع مساحة السخرية الاجتماعية والفكرية، إذ مع مرور الوقت، لا يرى الجمهور هذا النوع مجرد خيار من بين خيارات متعددة، بل يعتبره النموذج الطبيعي للضحك. وهكذا يصبح التكرار وسيلة لصناعة الذوق .. فكلما تكرر نمط معين، أصبح الجمهور أكثر ألفة به واستجابة له، بينما تبدو الأشكال المختلفة، التي تتطلب تفكيرا أو تحمل نقدا ومفارقة، أقل جاذبية.

وتزداد المسألة تعقيدا مع الخوارزميات، التي تكافئ في كثير من الأحيان المحتوى القادر على تحقيق التفاعل. وهكذا يمكن أن يتحول الغضب إلى وقود، والفضيحة إلى مادة قابلة لإعادة التدوير، والشائعة إلى منتج إعلامي، والعنوان المبالغ فيه إلى وسيلة لجذب النقرة.

ومع ذلك، لا يمكن تحميل الإعلام وحده مسؤولية ذوق المجتمع، كما لا يمكن تحميل المجتمع وحده مسؤولية ما ينتجه الإعلام. هناك جمهور يطلب الرداءة، وإعلام يستثمر فيها، كما أن هناك جمهورا يبحث عن المعرفة وإعلاما يقدمها.

ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس: هل الإعلام جيد أم سيئ؟ بل: أي إعلام نريد، وأي جمهور نريد أن نصنع !؟..

هنا يظهر الضمير الصحفي. فالصحافة الحرة ليست صحافة تفعل كل شيء لأن السوق يريد ذلك، بل صحافة تعرف أن لديها مسؤولية تجاه القارئ وتجاه الأشخاص الذين تكتب عنهم وتجاه المجتمع.

يمكن للخبر أن يكون مثيرا دون أن يكون كاذبا، والعنوان جذابا دون أن يكون مضللا، والتحقيق مشوقا دون أن يتحول إلى تشهير، والصحافة منافسة في السوق دون أن تبيع كرامة الناس من أجل رقم في لوحة الإحصاءات.

فالصحافة لا تكون حرة فقط لأنها تستطيع أن تنشر، بل تكون حرة أيضا عندما تستطيع أن تقول أنها لن تنشر الشائعة، ولن تنشر التشهير، ولن تنشر معلومة غير مؤكدة فقط لأنها ستجلب ملايين المشاهدات، ولن تحوّل مأساة إنسان إلى مادة للفرجة.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة .. لم تكن الصحافة الصفراء مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الصحافة، بل كشفت مبكرا عن العلاقة بين الإعلام والسوق والجمهور والانتباه. ومن «الطفل الأصفر» إلى اصطياد النقرات، تغيرت الأدوات والتكنولوجيا، لكن السؤال بقي نفسه:

كيف ألفت انتباهك؟

غير أن السؤال الأهم هو : ماذا نفعل بهذا الانتباه بعد أن نحصل عليه؟ .. وبعده تتوالى أسئلة :

هل نستخدم لفت الانتباه لكي نعلم من التعليم أم لكي نضلل من التضليل ؟ ..

لكي نفتح النقاش أم لكي نشعل الصراع !؟

لكي نرفع مستوى الذوق العام أم لكي نبيع المزيد من الغضب والفضائح !؟..

في حقيقة الأمر قد لا تكون هناك إجابة واحدة عن سؤال : هل الإعلام يعكس ثقافة الشعب أم أن ثقافة الشعب هي التي تنعكس على الإعلام !؟..

ويمكن القول أن الإعلام والمجتمع مرآتين متقابلتين، كل واحدة تعكس الأخرى، لكن كل انعكاس يغير قليلا من الصورة التي يراها الطرف الآخر.

وربما هنا تكمن مسؤولية الإعلام الحقيقية وهي أن ألا يعطي الناس دائما ما يريدون، وألا يفرض عليهم دائما ما يعتقد أنه الأفضل، بل أن يعرف كيف يجذبهم دون أن يستغلهم، وكيف يثير فضولهم دون أن يخدعهم، وكيف ينافس في السوق دون أن يبيع ضميره.

لأن سؤال : ماذا يريد الجمهور !؟، يمكن أن يحوّل طلب الجمهور إلى معيار وحيد لتحديد ما يستحق النشر، فيصبح الصحفي أسيرا لما يحقق المشاهدة أو يثير الفضول، ولو كان ذلك على حساب ما يحتاجه المجتمع فعلا.

لذلك فإن السؤال الأهم : ماذا يجب، أو يستحب، أن يعرف الجمهور ؟ .. وما الذي يمكن أن يضيف إلى وعيه، أو يساعده على فهم واقعه، أو يحميه من التضليل، حتى وإن لم يكن هذا الموضوع هو الأكثر إثارة أو جاذبية ؟..

وهنا، بالضبط، يبدأ الفرق بين صحافة تبحث عن الجمهور، وصحافة تبحث عن الحقيقة. الأولى تطارد الانتباه، بينما تحاول الثانية أن تجعل من الانتباه وسيلة للمعرفة.

إعلامي وسيناريست

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المنصوري ترد على الأزمي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 19:10 5

المنصوري ترد على الأزمي

صوت وصورة
جواب المنصوري والتصويت على البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:32 4

جواب المنصوري والتصويت على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
الرميلي تعلن شرطة النظافة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:10 2

الرميلي تعلن شرطة النظافة

صوت وصورة
البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45 5

البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة

صوت وصورة
دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:44 7

دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56 5

حامي الدين والبراءة في الاستئناف