ذات مرة قال عباس محمود العقاد لو كان لكل أمة أن تقدم شخصية حضارية كبرى تمثلها في التاريخ الإنساني لكان أبو العلاء المعري هو ممثل الثقافة العربية في كل العصور. ليس هذا المقترح بالضرورة قطعيا، لكنه برهان على القيمة المعرفية العليا لأبي العلاء المعري، فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة؛ بل إن أثر “رسالة الغفران” على الكتابة الغربية الملحمية وعلى مجموع زمن النهضة الأوروبية يوجد جنبا إلى جنب مع “فصل المقال” لابن رشد و”ألف ليلة وليلة”، إذ يرى الكثير من أهل تاريخ الأفكار، غربا وشرقا، أن هذا الثالوث المعرفي هو أيقونة الأثر الثقافي العربي على المنظومة الفكرية الغربية.
أبو العلاء المعري هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري، أو رهين المحبسين، كما اختار أن يسمي نفسه اختصارا؛ محبس الروح في الجسد، ومحبسه هو داخل عتمة الظلام. هو الضرير الذي أبصر بالعقل ما عز عن كثيرين غيره من رموز الثقافة، رائد العقلانية العربية، والنواة الخفية للحداثة في التراث العربي القديم. ولد في معرة النعمان من عام 973، فكان حلقة وصل وجسر انتقال ما بين ألفية أولى وألفية ثانية، حيث توفي سنة 1057 ودفن بالمعرة تدل عليه وصية أراد كتابتها على شاهدة القبر: “هذا ما جناه علي أبي، وما جنيته على أحد”. ولا ربما لا توجد شخصية خلافية في التراث الأدبي العربي أكثر من صاحب “لزوم ما لا يلزم”.

تعرض أبو العلاء لمواجهات وإكراهات فضيعة؛ كان في طليعتها شخصيات شهيرة في التراث الإسلامي من عيار ابن كثير وابن القيم والجوزي، حيث اتهم بالكفر والزندقة والإلحاد. وفي نظام ثقافي عربي نكوصي وارتكاسي، فإن ديمومة نسق التكفير والأحادية الفكرية قد تكشف حين اجتاحت جحافل التطرف الديني جزءا من البلاد العربية واستباحت المتاحف والأرشيف الحضاري عقب خبل “الربيع العربي”، من ذلك أن جماعة “النصرة” قد حزت سنة 2013 رأس تمثال أبي العلاء المعري، ففي سنة 1940 خلد الفنان الكبير فتحي محمد ذكرى المعري بتمثال فني شهير افتتحه العميد الضرير طه حسين. إن مرئيات الأعمى كانت أكثر ضياء وأعمق بصيرة من مرضى العمى الفكري وجحافل الهدم الحضاري التي عادت ودمرت متحف أبي العلاء في مدينة المعرة السورية سنة 2015، هذا المعلم السياحي الذي كان يحج إليه الناس من أنحاء العالم كافة إكراما لذكرى واحد من شعراء وعقلاء الإنسانية.
في مغتربه بمدينة غرناطة الإسبانية بعد أن اضطرته ظروف الحرب إلى مغادرة بلد المنشأ سوريا، عكف الفنان عصام الباشا منذ سنة 2018 على عمل عصامي بإمكانات فردية وإسهامات لفيف من المثقفين العرب بالخارج، وعلى مدى خمس سنوات من العصف النفسي والانكباب الروحي استطاع هذا الفنان أن يبعث أبا العلاء المعري من خلال تمثال يحمل ألف سنة من المعنى والدلالة. سوري يبعث حيا بعمل فني من تربة إسبانيا تماما كما يمر دمشقي بأندلس، على حد قول الشاعر محمود درويش.
من المحبس الإسباني انتقلت روح المعري منذ بضعة أيام إلى المحبس الفرنسي ليكون رهين المحبسين حيا وميتا، إشكالي في الموت كما في الحياة، جدلي في الحضور والغياب على حد سواء. على أيدي مجموعة من المغتربين السوريين ضمن رابطة “ناجون”، جاءت مبادرة منح أبي العلاء إقامة مؤقتة في شوارع بلاد الأنوار، جواز سفر عابر للأزمة لكن ينقصه مكان، وها قد حل التمثال خارج المكان حسب عبارة إدوارد سعيد، بارتفاع ثلاثة أمتار وربع (3,25 ( و1500 كيلوغرام كأنما يطاول ويسابق تاريخ الامتداد العربي الإسلامي.
كان وراء هذا الإجراء التنفيذي طاقم عمل ضم لفيفا من المثقفين والإخصائيين السوريين والعرب والأجانب، بتنسيق مع بلدية مونتروي بضواحي العاصمة الفرنسية باريس. وإن كان من شاهد ودال تاريخي فني على ألم الدياسبورا العربية ما بعد “الربيع العربي”، فلا غرو أن يكون تمثال رجل شغل الناس في الحياة والموت، كأنما يسخر من هذا المغترب الأوروبي لرمز عربي شردته البلاد، أو ليس هو القائل منذ ألف عام:
رب لحد قد صار لحدا مرارا
ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين
في طويل الأزمان والآباد
كم كان بصيرا هذا الأعمى العظيم !!!
ابو العلاء المعري شاعر اصحاب العقول المتفتحة عبر الازمان واما اعداء هذا الشاعر العظيم من فقهاء الظلام فهم قدوة اصحاب العقول الجامدة التي تعيش حاضرها جسديا وماضيها الذي لا يعود فكريا وبالتالي فشتان بين هذا وذاك والعاقبة للمتنورين والمستقبل للمجتمعات المتنورة المتفتحة التي تساير عصرها دون ان تقرأ ماضيها قراءة علمية تستفيد من ايجابياته وتتعظ من سلبياته فرحم الله شاعرنا العظيم الذي كان كلامه حكما ومواعظ ثمينة خالدة لا تموت ابدا
تحية علمية عالية دكتور اسامة مقالة مطروزة بماء الذهب عن هذا الفيلسوف العربي الذي كما قلت شغل الناس حيا وميتا بعد الف عام لا يزال تراه مثار جدل بين اهل العلم والنظر اما الغوغاء فلا اعتبار لهم