استراتيجية الأمن القومي الأمريكي تضع المغرب في صفوة الشراكات الإفريقية

استراتيجية الأمن القومي الأمريكي تضع المغرب في صفوة الشراكات الإفريقية
صورة: أ.ف.ب
الثلاثاء 9 دجنبر 2025 - 08:00

في لحظة دولية تتسارع فيها إعادة تشكيل خرائط النفوذ العالمي، تكشف الاستراتيجية الجديدة للإدارة الأمريكية للأمن القومي، التي نشرها “البيت الأبيض” أخيرا، عن تحوّل جوهري في مقاربة واشنطن للقارة الإفريقية، ينتقل من منطق “المساعدات” و”نشر القيم” إلى منطق براغماتي يضع العائد الاستراتيجي والتنافس الجيو-اقتصادي في صلب أولويات واشنطن.

وذكرت الاستراتيجية الجديدة أن “السياسة الأمريكية في إفريقيا ركّزت لوقت طويل جدا على تقديم الأيديولوجيا الليبرالية ثم نشرها، وبالتالي ينبغي للولايات المتحدة، بدلا من ذلك، أن تسعى إلى عقد شراكات مع دول مختارة للتخفيف من حدة النزاعات، وتعزيز علاقات تجارية مفيدة للطرفين، والانتقال من نموذج قائم على المساعدات الخارجية إلى نموذج قائم على الاستثمار والنمو، قادر على استغلال الموارد الطبيعية الوفيرة في إفريقيا وإمكاناتها الاقتصادية الكامنة”.

وتابعت: “ينبغي للولايات المتحدة أن تنتقل من علاقة تركز على المساعدات مع إفريقيا إلى علاقة تقوم على التجارة والاستثمار، مع تفضيل الشراكات مع الدول القادرة والموثوقة التي تلتزم بفتح أسواقها أمام السلع والخدمات الأمريكية”، مبرزة أن “أحد المجالات الفورية المتاحة للاستثمار الأمريكي في إفريقيا، مع احتمالات تحقيق عائد جيد، يتمثل في قطاع الطاقة وتطوير المعادن الاستراتيجية”.

وفي قلب هذا التحوّل، يؤكد مهتمون أن المملكة المغربية تبرز، بفضل استقرارها السياسي ونموذجها الاقتصادي المدعوم بشبكة علاقاتها العابرة للقارات وموقعها الجيو-استراتيجي، كأحد أكثر الدول المؤهلة لاحتلال موقع متقدم في هذه الرؤية الأمريكية الجديدة، ما يجعل الرباط أمام فرصة مهمة لتعزيز مكانتها كشريك لواشنطن، وتحويل حضورها الإقليمي إلى مكاسب مباشرة في معادلة التنافس الدولي داخل القارة.

أولويات وفرص

هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، قال إن “أول ما تفرضه قراءة الوثيقة الجديدة هو إعلان تحوّل واضح في بوصلة واشنطن نحو القارة الإفريقية، من منطق التصدير الإيديولوجي والمساعدات الموسَّعة إلى منطق الشراكات الانتقائية، الاستثمار، واستنزاف المنافسين عبر بناء سلاسل إمداد جديدة”، مبرزا أن “هذا التحوّل ليس تفاصيل سياسية ظرفية، بل إعادة ترتيب أولويات الأمن القومي بحسب ما ورد في النص الرسمي للاستراتيجية”.

وأضاف معتضد، في تصريح لهسبريس، أن “الاختلاف الجوهري مع السياسات السابقة يتمثّل في استبدال خطاب الخير الدولي بخطاب عائد الاستثمار الاستراتيجي”، معتبرا أن “إفريقيا لم تعد مجرد ساحة للمبادرات الإنسانية، بل أصبحت سوقا وموردا ومعبر نفوذ، وواشنطن تختار الآن الدول القابلة والموثوقة للشراكة التجارية، وتضع موارد الطاقة والمعادن الحيوية في مقدّمة الاهتمام”.

وتابع بأن “المغرب يمتلك مزايا نسبية فعلية: استقرارا مؤسسيا، علاقات عابرة للقارات مع أوروبا والخليج، وعمقا إفريقيا عبر مشاريع اقتصادية وبُنى تحتية. وفي نموذج واشنطن الجديد، يجعل هذا الرباطَ مرشحا طبيعيا لشراكات استثمارية مبنية على الثقة والقدرة على توصيل مشاريع الطاقة والتعدين واللوجستيك. وبالتالي، فإن الاستفادة هنا عملية، أي عقود استثمار، نقل التكنولوجيا، وتوسعة أسواق التصدير”.

وأكد الباحث ذاته أن “توجه واشنطن نحو شراكات مختارة يعطي الرباط هامش تحرك دبلوماسيا؛ فالمغرب يمكن أن يعرض نفسه كمنصة أمريكية للولوج إلى غرب إفريقيا والساحل، ويقايض التعاون الاقتصادي بتعزيز التعاون الأمني من نوع بناء القدرات ومشروعات استثمارية مشتركة، ما يعزّز مكانته كوسيط إقليمي ذي قيمة استراتيجية. وهذه آلية كلاسيكية في دبلوماسية المصالح”.

وشدد على أن “المغرب يمكن أن يكون ركيزة أمريكية في المحيط الأطلسي–الإفريقي، شرط أن يحوّل موقعه الجغرافي وثباته السياسي إلى منظومة قادرة على استيعاب الاستثمارات، حماية المصالح الوطنية، وتقديم قيمة استراتيجية لا غنى عنها لأمريكا في سياق تنافسي جديد. وإذا تم ذلك بحكمة دولية ونضج سياسي، تصبح الرباط لاعبا محوريا لا طرفا ثانويا في إعادة رسم خرائط النفوذ الإفريقي”.

واقعية ومزايا

أوضح جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، في تصريح لهسبريس، أن “استراتيجية ترامب الحديثة للأمن القومي تعكس توجها براغماتيا يستند إلى الواقعية السياسية في تحركات الولايات المتحدة الأمريكية خارجيا، وهذا التوجه لا يخص منطقة معينة من العالم، وإنما كل مناطق العالم، ومنها القارة الإفريقية”.

وأضاف أن “هذه الاستراتيجية تختلف في نهجها عن الإدارات السابقة في الكثير من النقاط، لعل أهمها القطع مع محاولة نشر القيم الغربية؛ إذ ركزت إدارات سابقة على ملفات مثل حقوق الإنسان و’نشر الديمقراطية’ وتعزيز حضور المجتمع المدني والمشاركة، مما كان يخلق نوعا من التوتر في علاقة الولايات المتحدة مع بعض الأنظمة الإفريقية، والانتقال إلى جعل الشراكات التجارية والأمنية دون النظر إلى الأيديولوجيات كأولوية مهمة لأمريكا في الوقت الراهن، إضافة إلى تقليل المساعدات الأجنبية وتعويض ذلك بالاستثمارات وفتح الأسواق واستغلال الموارد، على اعتبار أن منطق المساعدات يعد نموذجا فاشلا لا يساعد في منافسة الصين وروسيا”.

وأبرز الباحث ذاته أنه “في ظل هذا التوجه الجديد يمكن القول بأن المغرب من الدول التي يمكنها الاستفادة من هذه الاستراتيجية ‘الترامبية’ بالنظر إلى تطابق الرؤى بين البلدين في كثير من القضايا والملفات؛ فعلى المستوى السياسي، وبتركيز الإدارة الأمريكية على ‘الشركاء الموثوقين’، ستكون أكثر ميلا للموقف المغربي من الصحراء وتثبيت موقف أمريكا من الملف لتعزيز أمن واستقرار شمال إفريقيا والساحل. زد على ذلك رغبة أمريكا في تجنب ‘الوجود طويل الأمد’ ومحاربة الإرهاب في الإقليم، وهنا يبرز المغرب كلاعب محوري وشريك موثوق لا غنى عنه، بالنظر إلى فعالية استخباراته وعلاقاته مع دول غرب إفريقيا التي قد تجنب أمريكا أي تدخل عسكري مستقبلي”.

اقتصاديا، ذكر المصرح لهسبريس أن “المغرب هو الدولة الوحيدة التي لها اتفاق تبادل حر مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما يجعله منطلقا جاهزا لتطبيق منطق ‘التجارة بدل المساعدات’ المعلن عنها. ولا ننسى الإشارة إلى ‘الغاز الطبيعي المسال’ حيث يبرز أنبوب الغاز المغرب–نيجيريا، الذي قد يضمن تدفقا للغاز بعيدا عن النفوذ الروسي، ناهيك عن الاحتياطي الكبير للمملكة من الفوسفاط والكوبالت والمعادن التي تحتاجها الصناعات الأمريكية بعيدا عن الصين”.

وخلص القسمي إلى أن “كل ذلك يجعل المغرب تلك الدولة ‘القادرة والموثوقة’ كما جاء في الاستراتيجية الحديثة لترامب، بالنظر إلى استقرار المملكة سياسيا ومؤسساتيا، وموقعها الاستراتيجي للدخول إلى إفريقيا والخروج منها، واستغلال البنيات التحتية المنجزة والتي في طور الإنجاز من موانئ وطرق ومطارات، مع نظام سوق منفتح بعيد عن الاقتصادات الموجهة الموجودة في بعض دول الجوار”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • ملاحظ
    الثلاثاء 9 دجنبر 2025 - 10:07

    رغم دعم السعودية للمغرب في مجالات مختلفة، وخاصةً سياسيًا ضد الجزائر، إلا أن الأخيرة ترفض تدخل فوزي لقجع، والاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف)، والفيفا في أمور لا تعنيها. وتُذكّر الجزائر السعوديين بأن منتخبها الوطني بقياد المدرب المخضرم هيرفيه رونار، رغم خسارته أمام المنتخب الرديف المغربي لكرة القدم هو ثالث أفضل منتخب عالميًا، بعد الجزائر وإيران.

  • سعدون M
    الثلاثاء 9 دجنبر 2025 - 10:16

    امريكا تعطي شيئا وتترك الحبل في يدها لتجر به اتباعها حتى لا يتنصل تبيعها منه

  • مثقف
    الثلاثاء 9 دجنبر 2025 - 11:06

    اتمنى ان تستغل بلادي هذه العلاقة متميزة مع الولايات متحدة لجلب الاستثمارات الامريكية لمحاربة البطالة و الرفع من مستوى المعيشي للمواطن

  • متتبع مغربي
    الثلاثاء 9 دجنبر 2025 - 12:05

    امريكا لن تغير استراتيجيتها كما لم تغيرها منذ قرنين و نصف. ترامب يظن انه يحكم. و لكن الحقيقة هو فقط يشكل الرمل في فترة حكمه. مثلا يتركون له التحكم في الهجرة و لكن لا يستطيع ان يغير شيئ اتجاه اوكرانيا. و العالم يعرف ذلك و يهادنه و يمدحه حتى تمر الثلاث سنوات المتبقية.

  • mohasimo
    الثلاثاء 9 دجنبر 2025 - 12:06

    مرحبا بصديقنا ترامب في بلده الثاني المغرب. فتح استثمارات متنوعة بين البلدين مهم لكلا الطرفين. ترامب يومن بالمثل الصيني لا تعطيني سمكة و لكن علمني كيّف اصطادها. كذلك نحن نومن به. مرحبا بالشركات الأمريكية للاستثمار في المغرب.الله يزيد و يبارك. و الله و الوطن و الملك.

  • المنصة الأمريكية
    الثلاثاء 9 دجنبر 2025 - 16:35

    في إطار الرؤية المشتركة والإستراتيجية الترامبية فالمغرب هو المنصة.

  • elfared3
    الثلاثاء 9 دجنبر 2025 - 19:46

    بما أن المملكة المغربية تبرز، بفضل استقرارها السياسي ونموذجها الاقتصادي المدعوم بشبكة علاقاتها العابرة للقارات وموقعها الجيو-استراتيجي، كأحد أكثر الدول المؤهلة لاحتلال موقع متقدم في هذه الرؤية الأمريكية الجديدة، ما يجعل الرباط أمام فرصة مهمة لتعزيز مكانتها كشريك لواشنطن، وتحويل حضورها الإقليمي إلى مكاسب مباشرة في معادلة التنافس الدولي داخل القارة.
    على الدبلوماسية المغربية أن تبقى مشمرة بجدية للدفاع والمناورة السياسية والأستباقية المعهودة عنها لكي يجني المملكة أقصى ما يمكن من الخير في توجها الأستراتيجية الأمريكية القادمة.
    أروبا بدأت في التحول والتغيير ولأنها فقدت جزء كبير من هيمنتها السابقة الا أن لا يزال هناك الكثير مما يمكن للمملكة أن تستفيد منه لدى دول غرب أروبا.
    وهنا تكون الدبلوماسية المغربية أن تثقن لعبة المايسترو وتوازن بحنكة بين القوة الأقتصادية الصينية والقوة الأمريكية المهيمنة والقوة الأروبية التي تتأرجح بين بين.
    لو قدر أن تتشافى دولة جزائر بني مزغنة من نظام عسكرها المهتريء وسارعت لتدارك ما فقد منذ عقود،و وضعت يدها في يد المملكة سيكون شمال أفريقيا مستفيدا من التحولات الدولية.

صوت وصورة
منحة الزواج  بين الترحيب والتحفظ
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 10:27 14

منحة الزواج بين الترحيب والتحفظ

صوت وصورة
أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 08:41 2

أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية

صوت وصورة
الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:16 4

الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد

صوت وصورة
مجلس النواب يُنصب الحكومة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 20:25 5

مجلس النواب يُنصب الحكومة

صوت وصورة
المنصوري ترد على الأزمي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 19:10 24

المنصوري ترد على الأزمي

صوت وصورة
التصويت على البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:32 8

التصويت على البرنامج الحكومي