تسمية الأشياء “ملكة بشرية” معقدة، فريدة من نوعها تشارك في معالجتها العديد من أنظمة القشرة الدماغية. وعلى الرغم من أن التسمية تتم بالطرق الحسية، فإن معظم ما يتم التركيز عليه هو التسمية اللفظية للأشياء المعروضة بصريا. ويرتبط ضعف التعرف على المسميات بالفشل في التسمية، كما هو الحال بالنسبة للمرضى الذين يعانون من عمه التسمية (agnosia) عند محاولتهم فهم الكلمات، وفي حبسة فرنيك (في الاسترجاع المعجمي، والتشفير الفونولوجي(. كما يظهر ضعف التعرف على الأشياء وتسميتها في الحبسة الصوتية الكَلِمية (phonemic paraphasias) أو في ربط الموضوعات بتمثيلاتها المعجمية، كما هو الحال في الحبسة البصرية(optic aphasia) ، حيث لا يمكن تسمية شيء أو موضوع ما لم يتم التعرف عليه أو فهمه، أو إذا كان الربط بين الكلمة وما تمثله غير فعّال. وبالمقابل، لا يعد فهم الكلمة أو التعرف على الشيء كافيا لدعم التسمية. فكلاهما يجب أن يعمل في الوقت نفسه، على النحو الأمثل وبشكل تفاعلي وفَعّال، من أجل إنجاح عملية التسمية، كما ذهب إلى ذلك ميسولام مارسيل وغيره “Mesulam Marsel et al” (2009).
وقد يعاني المريض من عدم القدرة على تسمية الألوان أو الأرقام. كما قد يعاني من استبدال كلمات بأخرى غير ملائمة في سياق الجملة، رغم كونها ترتبط دلاليا بالكلمة المقصودة. وإذا كان المريض في مرحلة ما قبل الإصابة متعدد اللغات، فإنه قد يدرج كلمات أجنبية في كلامه. وعندما تعرض عليه أشياء لتسميتها، قد يلجأ إلى كلمة توجد في الإنجليزية مثلا، ولكنها لا تنطبق على الشيء المحدد رغم وجود علاقة دلالية بينهما يمكن تمييزها، ومثال ذلك (سكين)، الذي يتلفظ بدلا منه (قضمة) أو (لدغة لحم)، أو ما يشبه ذلك. وقد أسمى هنري هيد (1926) Henry Head هذا النوع من الاضطراب بـ “الحبسة الدلالية”. وهو مصطلح أثار جدلا بين أطباء الأعصاب، لأنه لا يشتمل على خصائص أعراض لحالة سريرية معينة، بالإضافة إلى تنوع واختلاف درجة الاضطرابات الدلالية في جميع أنواع الحبسات.
وفي حبسة التسمية (AAP) التي تعرف أيضا بفقدان القدرة على الكلام والحبسة الدلالية، ما يتأثر أولا هو إنتاج الكلام، وتحديدا إنتاج الأسماء. ويمكن وصف ذلك بالفشل في استرداد الأسماء والأسماء الشائعة وأسماء الأعلام. أما الفهم السمعي فلا يكون مفقودا بل قد يتأثر بشكل طفيف. كما يوصف كلام المريض بكونه فارغا. وعادة ما يكون معدل الكلام والتعبير والقواعد طبيعيا. ويشار إلى أوجه القصور في استرجاع الكلمات من خلال فترات توقف ملحوظة. ويرافق ضعف التسمية عدم القدرة على فهم الأسماء والأفعال بمعزل عن غيرها. وفي المقابل، تكون القراءة والكتابة محفوظة، ويستطيع المريض أن يقرأ أو يكتب بشكل طبيعي، وأن ينجز حركات متتابعة باليد. كما يمكنه أن: (أ) يتعرف على الكلمة المناسبة حينما تقدم له مع العديد من الكلمات الأخرى غير المناسبة. (ب) وقد يجد صعوبة أقل في تسمية الأشياء خلال الخطاب التلقائي. (ج) ولا يوجد دليل على أن أي جزء من الدماغ يخزن أي شيء يشبه العيوب السلوكية البدائية (مثل الإدراك السمعي أو التصورات المرئية) (د) كما لا يمكن أن تكون الارتباطات السمعية البصرية ذات صلة بالقدرة اللغوية، نظرا لكون الأطفال المكفوفين يتمتعون بصحة جيدة ويكتسبون مفردات بالسهولة نفسها الموجودة لدى الأطفال المبصرين. وقد أظهرت بعضُ الحالات التي شُخِّصت بهذا النوع من الحبسات احتلالَ الورم لأكثر من ثلاثة أرباع الفص الصدغي الأيسر في الدماغ. ومما يميز هذا النوع من الحبسة أن المريض لا يعاني من أعراض الجهاز العصبي، مثل الخرف أو فقدان الذاكرة أو الهذيان.
ما الذي يحدث عندما يرى شخص صورة قطة مثلا فينطق (قطة)؟ يرى سيدني لامب (1999) Sydney M. Lamb أنه يمكن توقع أن ينتج عن الإشارات البصرية من الشبكية، أولا، نشاط في المنطقة القذالية، فمنطقة المفهوم (C) ثم إلى المناطق اللسانية (L) منطقة الإدراك الصوتي أو الفونولوجي (PR)، وبعدها منطقة الإنتاج الفونولوجي (PP) وتنتهي عند منطقة الإدراك السمعي (أو الصورة السمعية) لـ (قطة). وهذا الترتيب يكون متبوعا مباشرة بالتلفظ بهذه الكلمة. وما يؤكد ذلك، هو نتائج دراسات التصوير المغناطيسي الدماغي التي أظهرت نشاطا أعلى في المنطقة القذالية، فتم نطق (قطة) في حوالي 600 ملي ثانية.
أين تقع مناطق معالجة التسمية في الدماغ؟ أظهرت خرائط التحفيز الدماغي أن الأنظمة المرتبطة بتسمية الأشياء أو قراءتها تأتي مؤاخية للقشرة الصدغية والجبهية المرتبطة بإنتاج الكلام. وترتبط المنطقة الصدغية وحدها بالتسمية، وينتج عن إصابتها حبسة التسمية، بينما تكون الجبهة السفلى اليسرى نشيطة خلال إنتاج الكلام. وتقوم المنطقة الحركية التكميلية (supplementary motor area) الموجودة في القشرة الجبهية العليا أيضا بدور في عملية إنتاج اللغة. كما يشارك المهاد في تنسيق الجوانب المعرفية والحركية المرتبطة بهذه العملية. وتؤدي الإصابة في هذه المنطقة إلى العديد من المشاكل، من بينها: إنتاج كلمة خاطئة متكررة، وسوء التسمية. كما توجد بعض الأدلة التي تؤكد مشاركة التلفيف الزاوي (angular gyrus) في معالجة المعجم عند الأشخاص المصابين في هذه المنطقة، الذين ظهر لديهم فقدان واضح للعديد من الوصلات المعجمية (Lexical connections) على مستوى شبكة الدماغ والألياف العصبية، يؤكدها عجز في القدرة على التسمية. وهو ما يسمى عند علماء الأعصاب “فقد التسمية” أو “حبسة التسمية” (anomia). والأشخاص الذين لديهم إصابة في الجزء الأسفل من التلفيف الزاوي تحديدا، لا يمكنهم أبدا تسمية الموضوعات أو الأشياء، أو الإشارة إليها عند سماع أسمائها. وفي المقابل يبقى إدراكهم الفونولوجي محفوظا. كما تشير إصابات الدماغ أيضا إلى أن منطقة التلفيف الزاوي هي محل لوصلات المحاور التي تفترض مراسلات بين الصور المكتوبة والصور المنطوقة أو الصوتية/الفونولوجية. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المرضى لا يجدون صعوبات إلا في أنواع من الأسماء، مثل أسماء الحيوانات أو الفواكه أو الخضروات، بينما لا يجدونها في أنواع أخرى كالمقولات النحوية، من الأسماء في مقابل الأفعال.
بارك الله فيك و في علمك أستاذتنا الفاضلة. مزيدا من التنوير و العطاء إن شاء الله… و دمت متألقة.