أدرج حزب الأصالة والمعاصرة، ضمن ما سماه “ميثاق المواطنة”، تسريع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، معتبرا أن اللغة والثقافة الأمازيغيتين تشكلان مكونا أصيلا من الهوية المغربية، وأن تكريس الطابع الرسمي للأمازيغية يمثل أحد أسس المواطنة الحقة.
ولم يكتف البرنامج بإعلان هذا الالتزام، بل اقترح إجراءين محددين: إنشاء صندوق خاص لدعم استعمال الأمازيغية باعتماد مالي قدره مليارا درهم، ودعم الانتقال الرقمي واستعمال الأمازيغية، إلى جانب تفعيل المادة 34 من القانون التنظيمي رقم 26.16، المتعلقة بإحداث لجنة وزارية دائمة لدى رئيس الحكومة لتتبع وتقييم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.
لكن أهمية هذه الالتزامات لا تكمن في الإعلان عنها فقط، بل في ما تطرحه من تساؤلات حول التنفيذ، خصوصا أن المغرب لا يبدأ اليوم من نقطة الصفر، بل راكم، منذ الخطاب الملكي التاريخي بأجدير سنة 2001، ودسترة الأمازيغية سنة 2011، وصدور القانون التنظيمي رقم 26.16، مجموعة من المؤسسات والآليات والمخططات.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق النقاش، ليس من زاوية الموقف من الأمازيغية، وإنما من زاوية قابلية هذه الالتزامات للتنفيذ ونجاعة الآليات المقترحة.
أول هذه الأسئلة يتعلق بالصندوق الخاص بملياري درهم. فإذا كان المقصود إحداث صندوق جديد ومستقل، فإن الأمر يحتاج إلى توضيح بشأن طبيعته القانونية وموقعه داخل منظومة المالية العمومية، خصوصا في ظل وجود آلية مالية قائمة، خصصت منذ سنة 2023، ضمن حسابات الخزينة، لدعم تحديث الإدارة والانتقال الرقمي واستعمال الأمازيغية.
لذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار: هل يتعلق الأمر بإحداث صندوق جديد فعلا، أم بتقوية الآلية المالية القائمة ورفع الاعتمادات المخصصة للأمازيغية داخلها؟
والأهم من ذلك أن الانتقال من الغلاف المالي الذي كان محددا في مليار درهم إلى ملياري درهم سنويا، فإذا كان هذا هو المقصود في البرنامج، لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد زيادة في الاعتمادات، وإنما باعتباره التزاما ماليا يحتاج إلى برمجة واضحة داخل قوانين المالية، وتحديد دقيق لمجالات الإنفاق، وآليات الحكامة والتتبع، ومؤشرات قياس النتائج.
أما الإجراء الثاني، المتعلق بتفعيل المادة 34، فإنه يطرح سؤالا مختلفا. لقد شكلت هذه اللجنة إحدى أهم الآليات المؤسساتية التي جاءت بها حكومة سعد الدين العثماني، إذ عقدت اجتماعا أوليا سنة 2021، وناقشت خلاله المخطط الحكومي المندمج لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، الذي حظي، كما هو معلوم، بموافقة السلطات العليا، كما تمت المصادقة على هيكلة لجان موضوعاتية.
فالقضية هنا ليست إنشاء إطار قانوني جديد، وإنما تفعيل آلية منصوص عليها أصلا في القانون التنظيمي رقم 26.16. ولهذا، فإن المطلوب ليس فقط إعادة عقد اجتماعات اللجنة الوزارية، وإنما منحها القدرة الفعلية على التنسيق بين القطاعات الحكومية، وتتبع تنفيذ الالتزامات، وتقييم الحصيلة، ورصد مكامن التأخر، وربط المسؤولية بالنتائج.
وتزداد أهمية هذا السؤال إذا استحضرنا أن آخر اجتماع لهذه اللجنة، بحسب ما يورده برنامج الحزب، يعود إلى أبريل 2021. وبالتالي، فإن الدعوة إلى تفعيل المادة 34 يمكن أن تقرأ باعتبارها دعوة إلى إعادة وضع الورش داخل مركز القرار الحكومي، بدل أن يظل موزعا بين قطاعات وزارية ومؤسسات مختلفة.
ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة الحكومة جديرة بالاستحضار. فقد دخل عزيز أخنوش إلى رئاسة الحكومة وهو يولي ورش الأمازيغية مكانة واضحة في الخطاب الحكومي، كما تم رفع الاعتمادات المالية المخصصة للورش تدريجيا. لكن النقاش الذي رافق التنفيذ أظهر أن زيادة الاعتمادات المالية لا تعني بالضرورة، بصورة آلية، تسريع وتيرة التفعيل. فالمشكل لا يرتبط بالمال وحده، وإنما أيضا بالحكامة والتنسيق والبرمجة والموارد البشرية والتتبع والتقييم.
ومن هنا يمكن طرح السؤال المركزي على حزب الأصالة والمعاصرة: ما الذي سيفعله مختلفا حتى لا يتكرر سيناريو الإعلان عن الالتزامات ثم بطء التنفيذ؟
أعتقد أنه ينبغي أن يتعامل مع مخطط العثماني باعتباره أرضية قابلة للتقييم والتحيين، ومع تجربة أخنوش باعتبارها رصيدا تنفيذيا يحتاج إلى التقييم، ثم يقدم مرحلة جديدة تقوم على التسريع والتمويل والقياس والمساءلة.
فمضاعفة الميزانية من مليار إلى ملياري درهم ستكون ذات دلالة سياسية ومالية، لكنها ستظل في حاجة إلى جواب عن أسئلة أكثر جوهرية: ما هي الأولويات؟ ما هي المشاريع التي ستستفيد من هذه الاعتمادات؟ ما هي الآجال؟ من سيتولى التنفيذ؟ وكيف سيتم قياس الأثر؟ وهل ستنشر الحكومة سنويا حصيلة مفصلة وقابلة للقياس حول ما تحقق؟
فمليارا درهم ستكون لهما دلالة حقيقية إذا اقترنت بأهداف واضحة. وتفعيل اللجنة الوزارية (ومنها الكتابة الدائمة التي كانت تحت مسؤولية حزب الأصالة والمعاصرة)، ستكون له قيمة إذا أصبحت آلية فعلية للقيادة والتقييم. والمخطط الحكومي سيكون ذا جدوى إذا تحول من وثيقة إلى برنامج عمل قابل للقياس.
ورش الأمازيغية يحتاج إلى قيادة حكومية واضحة، وتنسيق بين القطاعات، وموارد بشرية مؤهلة، وبرامج زمنية قابلة للقياس، وآلية منتظمة لتقييم النتائج. وهنا تكتسب الدعوة إلى تفعيل المادة 34 أهميتها، لأنها يمكن أن تعيد الورش إلى مستوى رئاسة الحكومة، بدل بقائه موزعا بين مبادرات قطاعية مختلفة.
واعتقد، بناء على ذلك، أن “ميثاق المواطنة” يمكن أن يتحول من مجرد إعلان سياسي إلى تعاقد عملي حول الأمازيغية، قوامه الانتقال من منطق رصد الاعتمادات إلى منطق قياس الأثر، ومن تعدد المبادرات القطاعية إلى الحكامة الحكومية الموحدة، ومن الاعتراف والمأسسة إلى التفعيل الفعلي في حياة المواطن.
وفي هذا السياق، يمكن الإقرار بأن لحزب الأصالة والمعاصرة خلفية سياسية داعمة لترسيم الأمازيغية، إذ كان من بين الأحزاب التي طالبت بدسترتها لغة رسمية. لكن قيمة هذا الموقف التاريخي ستقاس، في المرحلة المقبلة، بمدى القدرة على تحويل الالتزام الوارد في البرنامج الانتخابي إلى سياسات عمومية ملموسة ونتائج قابلة للقياس.
إن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المخططات أو الاجتماعات أو الاعتمادات، وإنما في مدى حضور الأمازيغية فعليا في المدرسة والإدارة والإعلام والثقافة والفضاء الرقمي والخدمات العمومية.
ذلك هو الانتقال المطلوب: من تفعيل الطابع الرسمي على مستوى النصوص والمؤسسات، إلى تجسيده في حياة المواطن اليومية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.