"التعليم الخصوصي": نقطة نظام

"التعليم الخصوصي": نقطة نظام
الثلاثاء 31 يناير 2017 - 15:42

ارتبط “التعليم الخصوصي” في المغرب من حيث نشأته بالحركة الوطنية بناء لشخصية مغربية معتزة بهويتها وقيمها من جهة، وعلى درجة عالية ممن اليقظة والوعي بمخططات الاستعمار ومكائده، من جهة ثانية، فلا عجب أن انخرطت مجموعة من الشخصيات الفكرية المعتبرة في مواجهة الاحتلالين الفرنسي والإسباني عبر واجهة “التعليم الخصوصي” لتدعم الكفاح المسلح والنضال السياسي من أجل التخلص من نير الاستعمار.

لكن المتتبع اليوم لواقع هذا التعليم يلحظ أنه فقد أو في طريق فقدان صفة “الوطنية” التي طبعت نشأته، وغدا مرادفا للعديد من الصفات القدحية يكسبها نوعا من الشرعية الحياد السلبي للجهات الرسمية الوصية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للتربية والتكوين، إضافة إلى أن تعدد هياكل القطاع وتشرذمه أضعف موقفه التفاوضي وأحاله أشبه بالحائط القصير الذي يُغري بالقفز عليه.

استنزاف جيوب الأسر، التحلل من أي دفتر تحملات، استغلال أطر التعليم العمومي، التهرب الضريبي، هضم الحقوق الاجتماعية للمتعاقدين، غياب شفافية عملية التقييم (النفخ في نقط المراقبة المستمرة)، عدم استجابة بنيات المؤسسات لمتطلبات العملية التربوية، رداءة خدمات النقل المدرسي، استغلال نساء ورجال التعليم العاملين في القطاع العمومي، … قائمة اتهامات تستلزم من الجميع جهاتٍ وصيةً وأسراً وفاعلين تربويين ومجتمعا مدنيا التداعي للتداول في شأنها باعتبار “التعليم الخصوصي” مكونا رئيسا وقاطرة لتجويد المنظومة التعليمية؛ تداول وحوار يروم تشخيصا سليما لواقع قطاع تتنامي أعداد المُقبلين عليه في ظل واقع التردي للمدرسة العمومية رغم كل محاولات الإصلاح المتتالية، ويروم ثانيا تحديد مسؤوليات كل الأطراف، في أفق الوصول إلى قانون منظم يجسده دفتر تحملات واضح تتولى الجهات الوصية أجرأته وتنزيله.

إن أغلب ما يثار حول “التعليم الخصوصي” تتحمل الجهات الرسمية كل في مجال اختصاصها مسؤوليته لعدم تفعيل آليات التتبع والمراقبة حرصا على احترام القوانين المنظمة لعمل القطاع من جهة، وسعيا للارتقاء به من جهة ثانية، لا انتظار تأزم القطاع أو حدوث “كوارث” ـ لا قدر الله ـ لتبادل الاتهامات بحثا عن قربان للإخفاق في تدبير القطاع. وعلى سبيل التوضيح فالوزارة الوصية باعتبارها الجهة المُرخصة بالإحداث لمؤسسات “التعليم الخصوصي” مسؤولة عن التتبع والتفقد أو سحب الترخيص عند الاقتضاء؛ تتبع وتفقد على مستوى بنية المؤسسات ومرافقها ومدى استجابتها لمتطلبات العملية التربوية، وعلى مستوى احترام المقررات والمناهج المعتمدة والأنظمة التربوية ومنظومة التقييم جدولة وشفافية.

أما ما يرتبط بالنقل المدرسي وغياب شروط السلامة في نقل المتعلمين وتأمينهم، فمصالح النقل والتجهيز هي المخول الحصري بهذا النوع من المراقبة بصفتها صاحبة الاختصاص تسليما للرخص ومراقبة لمعايير جودة خدمة النقل. ومن وجهة نظر المشتغلين في قطاع “التعليم الخصوصي” فإن خدمة النقل تشكل عبئا ثقيلا يُشوش ـ إضافة إلى كلفتيه المادية والمعنوية ـ على الجهود الذي يجب صرفها في العملية التربوية، لذا تم تقديم اقتراح تفويت خدمة النقل المدرسي لشركات النقل الخاصة وإعفاء المؤسسات التعليمية منها.

في حين تتولى مصالح الضمان الاجتماعي حماية حقوق العاملين ومراقبة مدى الالتزام بالقوانين المعمول بها. وعليه، ما مصداقية الضجيج المثار ضد “التعليم الخصوصي”؟ ومن المستفيد من تشويه سمعته؟

إن “التعليم الخصوصي” مهما قيل عن اختلالاته التي تراكمت نتيجة تغييب آليات المراقبة التي ذكّرنا ببعضها، يجب ألا يوضع في سلة واحدة، وما يستقيم أن يؤخذ البعض بجريرة آخر يستفيد من حالة من التسيب والفوضى في تدبير القطاع، وإلا تبقى نتائج “التعليم الخصوصي” التحصيلية غنية عن أي تعليق، ولا يمكن التنكر والجحود بها، لا سيما على مستوى اندماج متعلماته ومتعلميه فيما بعد السلك التأهيلي بفضل ما حصلوه من معارف علمية أو بفضل تحكمهم في اللغات الأجنبية، يضاف إلى ذلك ما أضحى يستوعبه من قاعدة مهمة من المتعلمين والمتعلمات في مختلف الأسلاك، ولولاه لبلغت ظاهرة الاكتظاظ مبلغا لا تطيقه المؤسسات التعليمية العمومية.

وفي ذات السياق، وجبت الإشارة أن “التعليم الخصوصي” يكاد يكون المُسهم الرئيس في مجال التعليم الأولي الذي نصت كل مشاريع الإصلاح على إلزاميته، والحال أن أعداد الأطفال المستفيدين من التعليم الأولي العمومي تبقى ضئيلة متواضعة إن لم تكن منعدمة.

ونصل إلى مربط الفرس، وما يرتبط بضرورة تحقيق “التعليم الخصوصي” الاكتفاء الذاتي من هيئة التدريس وعدم “استغلال” خدمات نساء ورجال التعليم العمومي وفي السلكين الإعدادي والتأهيلي تحديدا، وقبل ذلك ـ ومن باب الإحاطة ـ فمؤسسات “التعليم الخصوصي” تؤدي ضريبة عن دخل العاملين فيها من نساء ورجال التعليم العمومي محددة في 17% تحتسب من صافي المبالغ المستحقة مقابل ما يُنجز من حصص دراسية، أما فيما يتعلق بوقف الاستفادة من خدمات هيئة تدريس التعليم العمومي، فلا يتحمل قطاع “التعليم الخصوصي” مسؤوليته وحده، بل تتحمل الوزارة الوصية الحظ الأكبر منه، وإلا وتفعيلا للقرار المثير للجدل اجتماعيا والمعروف بفصل التكوين على التوظيف، يمكن أن يُسهم في التخفيف من الأزمة في أفق حلها لو تمّ التنسيق بين الوزارة الوصية وقطاع “التعليم الخصوصي” تحديدا لمواصفات التأهيل وحاجيات القطاع من الأطر عددا وتخصصا، بل إن “التعليم الخصوصي” يشكو من استنزاف موارده البشرية وهيئة التدريس تحديدا من خلال عمليات التوظيف المباشر المتكررة وآخرها عملية التوظيف بالتعاقد التي استقطبت حوالي 2000 من خيرة هيئة تدريس “التعليم الخصوصي” وهو ما أربك سير العديد من المؤسسات، خاصة والعملية تمت خلال الموسم الدراسي وهو ما صعب تداركه.

إن “التعليم الخصوصي” غـدَا قطاعا حيويا وعلى أكثر من مستوى، فهو يوفر مناصب شغل بالآلاف سنويا لحملة الشهادات العليا، وإن كانت فئات معتبرة من العاملين/المتعاقدين تعاني من استغلال بشع فيما تتقاضاه تتحمل مسؤوليته الجهات الوصية، كما سلف، وإلا فأبجديات النشاط المقاولتي تقتضي التصريح بالمستخدمين لدى صندوق الضمان الاجتماعي وتمكينهم من الحد الأدنى للأجور، كما تتجلى حيوية القطاع في نتائجه التحصيلية التي وسعت قاعدة الأسر الحريصة على الاستفادة من خِدْماته رغم كلفته الباهظة أحيانا، فلم يعد مؤشرا لحُظوة اجتماعية “Prestige social” بل بات حاجة مجتمعية نتيجة الإكراهات والأعطاب التي تشكو منها المدرسة العمومية.

لذلك، وحيث إن “التعليم الخصوصيَّ” شريكٌ رئيسٌ في المنظومة التعليمية ـ أو هكذا يُصرح رسميا على الأقل ـ فإن المصلحة العامة تقتضي فتح حوار مسؤول تعيد للقطاع مكانته وهيبته ويسعى لــ”تطهيره” من محترفي “تسليع” حقل التربية والتعليم، ويحدد مسؤوليات كل الأطراف المتدخلة في القطاع، وينْـأى عن سياسة “لَـيِّ الذراع” التي لا تخدم قطاعا يراد أن يكون رافعة للتنمية والرقي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • مغربي
    الثلاثاء 31 يناير 2017 - 19:43

    وإن كانت فئات معتبرة من العاملين/المتعاقدين تعاني من استغلال بشع فيما تتقاضاه تتحمل مسؤوليته الجهات الوصية، كما سلف، وإلا فأبجديات النشاط المقاولتي تقتضي التصريح بالمستخدمين وهذا ايضا هو مربط الفرس خصوصا لما يكون الاجر هو سبعمائة درهم فقط او ثمانمائة او حتى الف

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32

صقور السعودية في سماء مراكش