1
لا تحيل «(تا) مغرب(يت)» إلى جوهر ثابت أو هوية مكتملة سابقة على التاريخ، بقدر ما تحيل إلى سيرورة تاريخية يتشكل من خلالها معنى الانتماء إلى الأمة المغربية، ويتجدد بفعل تفاعل الذاكرة والتجربة والمجال والثقافة والموروث والتحول. ومن ثم، فإنها لا تُفهم بوصفها معطًى نهائيًا يستعاد، ولا باعتبارها صورة مكتملة يعيد الحاضر إنتاجها، وإنما بوصفها بناءً تاريخيًا مفتوحًا تتعاقب في تشكيله التجارب، وتتداخل فيه الديمومة والتحول، ويتحدد معناه بقدر ما يُعاد تأويل عناصره وتنظيم العلاقات بينها.
وإذا كانت «(تا) مغرب(يت)» تتشكل داخل هذه السيرورة المفتوحة، فإن وحدة الأمة المغربية لا يمكن أن تُفهم بدورها باعتبارها تطابقًا بين مكوناتها أو محوًا لاختلافاتها، وإنما باعتبارها قدرة تاريخية على تدبير هذا التعدد وإدماجه في بنية من العلاقات تنتج مشتركًا تتأسس ديمومته على قابليته لإعادة التشكل. فالمشترك، في هذا المنظور، ليس نقيضًا للتعدد، بل حصيلته التاريخية حين يتحول الاختلاف من عناصر متجاورة إلى علاقات منتجة لمعنى جامع. وبذلك، تغدو وحدة الأمة ناتجة عن تنظيم التعدد داخل مشترك لا يستمد ديمومته من ثبات صورته، وإنما من قابليته لإعادة التشكل.
ويترتب على ذلك أن فهم «(تا) مغرب(يت)» لا يستقيم بالعودة إلى سؤال الماهية، ولا بالبحث عن أصل ثابت للهوية الجماعية للأمة المغربية، وإنما يقتضي الانتقال إلى سؤال التشكل، أي إلى تحليل الشروط والآليات التي جعلت من هذا التعدد معنى تاريخيًا للانتماء. لذلك، لا ينفتح السؤال النقدي على «ما هي (تا) مغرب(يت)؟» بقدر ما ينفتح على الكيفية التي تشكلت بها، وعلى الديناميات التي أتاحت لها استيعاب تعدد التجارب والمكونات وتحويله إلى مشترك مغربي يحافظ على ديمومته من داخل التحول، دون أن يتحول إلى بنية مغلقة.
ومن هنا يتحدد السؤال المركزي الذي يوجه هذا النظر في: كيف تحول التعدد، عبر التاريخ، إلى مشترك مغربي؟ وكيف أمكن لهذا المشترك أن يحقق ديمومته من داخل التحول، وأن يعيد إنتاج معنى الانتماء دون أن يفقد تعدده وتوتراته وإمكاناته المفتوحة؟
2
يكشف التاريخ المغربي عن تعدد في الروافد والتجارب، أمازيغية وعربية وإفريقية وأندلسية ومتوسطية وصحراوية وغيرها. غير أن تعداد هذه المكونات لا يفسر، في حد ذاته، نشوء هوية مشتركة؛ فالتعدد قد يظل مجرد تجاور، كما أن التعايش لا يؤدي تلقائيًا إلى إنتاج مشترك. ما يحتاج إلى تفسير هو الكيفية التي انتقلت بها هذه العناصر من مجرد وجود متزامن إلى بنية من العلاقات المتبادلة أعادت تحديد مواقعها ودلالاتها ووظائفها داخل مسار تاريخي واحد.
هنا تتحدد المركزية النظرية لمفهوم «التناسج»؛ إذ لا يُفهم بوصفه مجرد ضمٍّ لمكونات متغايرة، أو ترتيبٍ لها داخل نسق جامع، أو إدماجٍ لجزئيات في كلٍّ يستمد وحدته من مبدأ سابق عليها، بل بوصفه سيرورة علائقية وتحويلية يعاد عبرها بناء الروابط بين المكونات، من خلال الانتقاء والتفاعل وإعادة التأويل وإعادة توزيع المواقع والوظائف والدلالات. فالتناسج لا ينقل العناصر من سياق إلى آخر كما هي، وإنما يعيد إنتاجها داخل شبكة جديدة من العلاقات؛ وبذلك ينتقل التعدد من مجرد اختلاف في المكونات إلى بنية علائقية مولِّدة للمشترك. ولا تدخل العناصر في هذه البنية محتفظةً بالضرورة بدلالاتها ووظائفها السابقة، إذ يعاد تحديد معناها بقدر ما يتغير موقعها داخل الكل، في الوقت الذي يعاد فيه تشكيل الكل نفسه بفعل العلاقات التي تنشأ بين مكوناته. ومن ثم، فالتناسج ليس آلية لتجميع الاختلاف، بل منطقًا لإعادة إنتاجه داخل بنية جديدة، بحيث يغدو الاختلاف عنصرًا بنيويًا في تشكل المشترك وديمومته.
3
بهذا المنظور، لا تتحدد القيمة التاريخية للروافد التي أسهمت في تشكل «(تا) مغرب(يت)» في أصلها أو في تصنيفها ضمن ثنائية «الأصيل» و«الدخيل»، بقدر ما تتحدد بالمسار العلائقي الذي أعاد إدراجها في شبكة تاريخية متغيرة، وأعاد تبعًا لذلك تشكيل مواقعها ووظائفها ودلالاتها. فالعنصر، حين ينتقل إلى بنية جديدة من العلاقات، لا يظل بالضرورة محتفظًا بالمعنى الذي كان يحمله في سياقه السابق، كما أن البنية التي تستوعبه لا تبقى بمنأى عن أثره؛ إذ إن العلاقة بين المكوّن والكل تقوم على تأثير متبادل يعيد تشكيل الطرفين في آن واحد. ومن ثم، لا يصح النظر إلى الهوية باعتبارها مستودعًا لعناصر ثابتة تُستعاد أو تُستنفد دلالاتها في لحظة التكوين، بل باعتبارها بنية علائقية تاريخية يتجدد معناها بقدر ما تتغير العلاقات التي تنتظم مكوناتها وتعيد ترتيبها.
وعلى هذا الأساس، تتبدى «(تا) مغرب(يت)» بوصفها حصيلة سيرورة تاريخية مفتوحة من التفاعل والتفاوض وإعادة التأويل وإعادة التملك الرمزي، لا بوصفها حاصل جمع ميكانيكي لمكونات متجاورة. فالمشترك لا يسبق هذه السيرورة في صورة مكتملة، وإنما يتولد داخلها من خلال إعادة تنظيم الاختلاف وإنتاج روابط جديدة بين مكوناته؛ ولذلك تظل دلالته قابلة لإعادة التشكيل كلما تبدلت الشروط التاريخية والاجتماعية والرمزية التي تمنحه معناه. إن ما يحفظ للمشترك ديمومته، إذن، ليس ثبات مكوناته، بل قدرته على إعادة إنتاج ذاته عبر التحول، وعلى تحويل تعدد روافده إلى بنية من العلاقات التي تمنح «(تا) مغرب(يت)» قابلية الدوام والتطور في آن واحد.
4
غير أن الإقرار بتاريخية الهوية لا يكتمل من دون مساءلة السلطة التي تتولى تعريفها وترسيم حدود مشروعيتها؛ إذ إن تحديد ما يُعدّ أصيلًا لا يمثل فعلًا وصفيًا محايدًا، بل ينطوي على سلطة ضمنية في تعيين ما يدخل في نطاق الانتماء وما يقع خارجه. فمن يملك مشروعية تعريف الأصل يملك، في الوقت نفسه، قدرة على تحديد مركز الهوية وهوامشها، وعلى منح بعض المكونات صفة التمثيل، فيما يدفع مكونات أخرى إلى موقع ثانوي أو ملحق أو عارض. ومن ثم، فإن بناء المشترك لا يجري في فضاء خالٍ من علاقات القوة والهيمنة، بل يتشكل داخلها ومن خلالها؛ إذ يرتبط سؤال ما الذي تمثله الجماعة بسؤال موازٍ يتعلق بـمن يملك حق تمثيلها والتحدث باسمها وتحديد المعاني التي تُنسب إليها.
وتتخذ هذه السلطة، في كثير من الأحيان، صورةَ قوةٍ رمزية لا تمارس فعلها عبر الإكراه المباشر، وإنما من خلال فرض تأويل مخصوص للهوية وإضفاء صفة البداهة والطبيعية عليه، بما يحجب شروطه التاريخية والاجتماعية والثقافية…. التي أسهمت في إنتاجه، ويقدمه بوصفه معيارًا محايدًا لا يحتاج إلى تبرير أو مساءلة. وبهذه الآلية، لا تُقصى التأويلات البديلة بالضرورة عبر المنع الصريح، بل تُحرم تدريجيًا من شروط الاعتراف الرمزي التي تتيح لها الظهور بوصفها تأويلات مشروعة وقابلة للتداول. وتبلغ هذه الهيمنة مداها حين تتجاوز مستوى الخطاب الخارجي لتستقر في بنية الوعي الاجتماعي نفسه؛ إذ يستبطن الأفراد والجماعات التصنيفات والمعايير التي جرى من خلالها ترتيب مجال الانتماء، ثم يعيدون إنتاجها، في خطاباتهم وممارساتهم، بوصفها أنماطًا مألوفة في إدراك الذات والآخر. وعند هذه النقطة، لا تعود الحدود الفاصلة بين المركز والهامش، ولا بين ما يُعترف به وما يُستبعد، مجرد نتائج لسلطة خارجية، بل تتحول إلى مكونات داخلية في النظام الرمزي ذاته، بما يتيح للهيمنة أن تستمر من خلال إعادة إنتاج شروطها داخل الوعي والممارسة معًا.
ومن هنا، لا تقتصر مساءلة الإقصاء على كشف أشكاله المباشرة، بل تقتضي أيضًا تفكيك الشروط الرمزية والمعرفية التي تجعل تعريفًا بعينه للهوية يبدو وكأنه التعريف الطبيعي أو الوحيد الممكن. فالمشترك لا يكتسب مشروعيته من إقصاء التأويلات المنافسة، وإنما من قدرته على استيعاب تعددها وإعادة تنظيمها داخل أفق جماعي يتسع للاختلاف دون أن يفقد إمكان الاجتماع. وعلى هذا الأساس، لا تكون حماية «(تا) مغرب(يت)» بإعادة إحاطتها بصورة أصلية يُفترض اكتمالها، وإنما بصون قدرتها التاريخية على استيعاب الاختلاف وإعادة تأويله وإدخاله في سيرورة دائمة لإنتاج المعنى.
5
من هذا المنظور، تغدو الاستدامة امتدادًا عضويًا لمنطق التناسج ذاته؛ فالذاكرة لا تحافظ على حيويتها بمجرد استعادة الماضي، وإنما تظل فاعلة بقدر ما تتيح إعادة قراءته من داخل الحاضر، كما أن الموروث لا يستمر لأنه يُصان من التغيير، بل لأنه يدخل في علاقة منتجة مع التحولات التي تطرأ على المجتمع. لذلك، لا تعني الاستدامة إبقاء الماضي على صورته الأولى، وإنما إنتاج استمراريته من خلال إعادة تأويله وإعادة توظيفه في سياقات متجددة. وبذلك تتحول الذاكرة من مستودع مغلق يحدد مسبقًا ما ينبغي أن تكون عليه الهوية، إلى مورد، مادي ورمزي، مفتوح يُسهم في إعادة بناء معناها؛ ويغدو التطور، بدل أن يكون تهديدًا للديمومة، أحد شروط إمكانها.
وتكشف التحولات الاجتماعية والثقافية الحديثة عن هذا البعد بوضوح. فالتمدن والهجرة والتعليم والإعلام وتغير أنماط الأسرة والعمل واتساع المجال الرقمي…. لم تغير أنماط الحياة فحسب، بل أعادت تشكيل طرائق الانتماء والتمثل والاتصال بالذاكرة والمجال. ولذلك لا ينبغي النظر إلى هذه التحولات باعتبارها عوامل خارجية تهدد هوية جاهزة، بل باعتبارها مواقع جديدة يمارس فيها التناسج فعلَه؛ إذ تدخل التجارب المستجدة في علاقة مع الموروث، فتغيره بقدر ما تتغير به.
وتقدم تجربة مغاربة العالم مثالًا دالًا على ذلك. فالانتماء المغربي في سياقات الهجرة لا ينتقل باعتباره صورة مكتملة، وإنما يعاد إنتاجه من خلال تفاعل الذاكرة مع التجربة الجديدة، واللغة مع اللغة، والموروث مع أنماط العيش المكتسبة. ولا تعني المسافة بالضرورة انقطاع الصلة، بل قد تفتح إمكانات جديدة لإعادة تعريفها. فالمغربي الذي يعيش خارج المجال الجغرافي الوطني ، من طنجة إلى الكويرة، لا يكرر بالضرورة صورة واحدة عن المغرب، بل يعيد تركيب علاقته به في ضوء تجربته التاريخية الخاصة. وهكذا تتحول الهجرة من مجرد انتقال جغرافي إلى فضاء لإعادة بناء الانتماء وتوسيع دلالته.
6
انطلاقًا من النظر إلى «(تا) مغرب(يت)» بوصفها سيرورةً تاريخيةً مفتوحة، لا يستقيم اختزالها في ماضٍ مغلق أو ردّها إلى نموذج واحد ونهائي للانتماء؛ إذ لا تتحدد حيويتها بثبات مكوناتها، وإنما بقدرتها المتجددة على إنتاج المشترك وإعادة تشكيله استجابةً لتحولات الزمن وشروط الحاضر. وتتجلى هذه السيرورة في ثلاثة أبعاد متداخلة ومتكاملة: التشكل، والديمومة، والتطور. فالتشكل يحيل إلى المسار التاريخي الذي تبلورت من خلاله، عبر التناسج، شبكةٌ من العلاقات بين مكونات متعددة أفضت إلى إنتاج مشترك يستمد معناه من طبيعة الروابط التي انتظمت بينها ومن السياقات التي احتضنت تشكلها. وتحيل الديمومة إلى قدرة هذا المشترك على إعادة إنتاج معناه عبر التحول، من خلال إعادة قراءة الذاكرة وتأويل الموروث وإعادة تنظيم علاقاته بما يستجيب لمقتضيات الحاضر. أما التطور، فيتصل بقدرة هذه البنية على إعادة تنظيم مكوناتها وعلاقاتها، والتفاعل مع التحولات الاجتماعية والتاريخية والثقافية، بما يتيح انبثاق صيغ متجددة للانتماء من غير انقطاع عن المسار الذي أسهم في تكوينها.
وعلى هذا الأساس، لا يمثل التشكل لحظةً منقضية تنتهي عند اكتمال صورة أولى للمشترك، ولا تعني الديمومة الإبقاء على ما سبق في صورته الأصلية، كما لا يفترض التطور قطيعةً مع الموروث؛ وإنما تنتظم هذه الأبعاد داخل سيرورة تاريخية واحدة، يؤسس فيها التشكل للمشترك، وتتيح الديمومة إعادة إنتاج معانيه، بينما يعيد التطور ترتيب شروط وجوده ودلالاته. ومن ثم، لا تكون ديمومة «(تا) مغرب(يت)» في مواجهة التطور، بل متحققةً من خلاله؛ فما يمنح المشترك قدرته على الديمومة ليس ثبات صورته، وإنما قابليته لإعادة بناء العلاقات التي تنتج معناه كلما تغيرت الشروط التاريخية.
وبذلك، لا ينتظم التشكل والديمومة والتطور في «(تا) مغرب(يت)» باعتبارها مراحل متعاقبة أو أبعادًا منفصلة، وإنما تتكامل بوصفها وظائف مترابطة داخل سيرورة تاريخية واحدة: فالتشكل يؤسس للمشترك، والديمومة تتيح تجدد معناه، والتطور يعيد تنظيم العلاقات بين مكوناته ويفتح لها إمكانات جديدة للتعبير والانتماء. وفي هذا الترابط تتحدد حيــــــــــــــــــــوية
«(تا) مغرب(يت)»، إذ لا ينفصل الحاضر عن ماضيه، ولا يتحول الموروث إلى عبء يعيق التجدد، بل يصبح الماضي موردًا لإنتاج الحاضر، والحاضر مجالًا لإعادة تأويل الموروث، والمستقبل أفقًا مفتوحًا لإعادة بناء المشترك. ومن ثم، لا تكمن هوية هذه السيرورة في ثبات مكوناتها، وإنما في قدرتها على إعادة تنظيم العلاقات بينها كلما تبدلت الشروط التاريخية والاجتماعية والثقافية.
ومن هذا المنظور، لا يكون المشترك في «(تا) مغرب(يت)» معطًى سابقًا على التاريخ، ولا صيغةً مكتملة تستدعي الاستعادة، بل حصيلةً تاريخية متجددة لتنظيم التعدد داخل وحدة لا تقوم على إلغاء الاختلاف، وإنما على تحويله إلى علاقات قابلة للاجتماع والتفاعل وإنتاج معنى جامع. ولذلك، لا تستمد قوة المشترك من تجانس مكوناته، بل من قدرته على استيعاب اختلافها داخل بنية واحدة، مع إبقاء المجال مفتوحًا لإعادة تعريف دلالات الانتماء. فحين يُحتكر هذا التعريف، أو يُرفع تأويل واحد للتاريخ إلى مرتبة المعيار الحصري للأصالة والشرعية، ينغلق المشترك على نفسه، ويتحول من إطار للانتماء إلى أداة للإقصاء. أما حين تتعدد إمكانات تأويله وتتسع المشاركة في إنتاج معناه، فإنه يظل قادرًا على استيعاب التحولات وإعادة بناء روابطه من الداخل.
وعليه، فإن ديمومة «(تا) مغرب(يت)» لا تُقاس بمدى مطابقة الحاضر لصورة ماضية، ولا بقدرة الهوية على حيازة وصيانة أشكالها السابقة، وإنما بقدرتها على إعادة إنتاج المشترك في كل سياق تاريخي جديد. فالدائم فيها ليس شكلًا بعينه، ولا ترتيبًا نهائيًا لمكوناتها، وإنما القدرة على إعادة تنظيم العلاقات التي تمنحها معنى الانتماء، بما يتيح لها أن تتغير دون أن تفقد منطقها، وأن تتجدد دون أن تنقطع عن غيبها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.