الدجالون والأمراض الوراثية

الدجالون والأمراض الوراثية
الأربعاء 24 يونيو 2026 - 19:19

قبل أيام، وبينما كنت أتصفح التعليقات على فيديو نشرته على منصة تيك توك، استوقفني تعليق أحد المتابعين. كتب الرجل مستغربًا أن ضياء العوضي، صاحب ما يسمى بـنظام الطيبات، وليس له من الطيبات الا الخير والإحسان، صرح في أحد مقاطعه بأنه لا توجد أمراض وراثية. لم يكن هذا الادعاء جديدًا عليّ. فمن تابع محتوى الرجل يدرك أن إنكار الأمراض الوراثية ليس سوى حلقة ضمن سلسلة طويلة من المزاعم المثيرة للجدل التي روج لها. فقد أنكر في مناسبات مختلفة وجود شيئ اسمه الفشل الكلوي، وشكك في بعض الأمراض الفيروسية، وقدم تفسيرات تتعارض مع ما استقر عليه العلم والطب الحديث منذ عقود في كثير من الامراض.

لكن ما أثار اهتمامي في تعليق المتابع لم يكن شخص ضياء العوضي في حد ذاته، بل الفكرة التي يروج لها هو وغيره من الدجالين الذين يدعون بهتانا انهم مختصين في الطب البديل أو الطب الوظيفي على مواقع التواصل الاجتماعي. فالعوضي ليس حالة معزولة، بل يمثل تيارًا أوسع يضم أشخاصًا يختلفون في التفاصيل لكنهم يشتركون في أمر واحد: التشكيك في أسس الطب الحديث وإنكار حقائق علمية راسخة أثبتتها آلاف الدراسات وملايين الحالات السريرية حول العالم.

ومن بين أكثر هذه الادعاءات غرابة وانتشارًا الادعاء القائل بأنه “لا توجد أمراض وراثية”. وهي عبارة قد تبدو للبعض مجرد رأي صادم أو محاولة للفت الانتباه، لكنها في الواقع تمثل إنكارًا لأحد أكثر الحقائق رسوخًا في علم الأحياء والطب الحديث.

فإذا لم تكن الأمراض الوراثية موجودة، فكيف نفسر فقر الدم المنجلي، والثلاسيميا، والتليف الكيسي، ومرض هنتنغتون، وضمور العضلات الوراثي، وارتفاع الكوليسترول العائلي، وعشرات الأمراض الأخرى التي تم تحديد الطفرات الجينية المسؤولة عنها بدقة؟ وكيف نفسر أن الأطباء يستطيعون اليوم تشخيص بعض هذه الأمراض قبل الولادة؟ وكيف نفسر أن انتقالها داخل العائلات يتبع أنماطًا وراثية معروفة ومدروسة منذ أكثر من قرن؟

الخلط بين المرض الوراثي والاستعداد الوراثي

جزء كبير من المشكلة يعود إلى خلط متعمد أو ناتج عن جهل بين مفهومين مختلفين تمامًا: المرض الوراثي والاستعداد الوراثي. فالمرض الوراثي هو المرض الذي ينشأ مباشرة بسبب طفرة جينية أو خلل في الكروموسومات. في هذه الحالة يكون الخلل الجيني جزءًا أساسيًا من سبب المرض نفسه. ومن أمثلته الثلاسيميا، وفقر الدم المنجلي، والتليف الكيسي، ومرض هنتنغتون، والعديد من الأمراض النادرة الأخرى.

أما الاستعداد الوراثي فهو شيء مختلف تمامًا. هنا لا يرث الشخص المرض نفسه، بل يرث قابلية أكبر للإصابة به. ويتفاعل هذا الاستعداد مع عوامل أخرى مثل التغذية والنشاط البدني، والتدخين، والعمر، والبيئة. ولهذا فإن أمراضًا مثل السكري من النوع الثاني والسمنة وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والعديد من أنواع السرطان ليست أمراضًا وراثية بالمعنى الكلاسيكي، لكنها تمتلك مكونًا وراثيًا مهمًا يزيد من خطر الإصابة بها.

لكن بعض دعاة الطب البديل يأخذون هذه الحقيقة العلمية البسيطة ثم يحولونها إلى مغالطة. فهم يقولون: “إذا كان شخصان من العائلة نفسها قد يختلفان في الإصابة بالسكري، فهذا دليل على أن المرض ليس وراثيًا”. ثم يقفزون مباشرة إلى استنتاج أكثر غرابة: “إذن الأمراض الوراثية غير موجودة أصلًا”. وهذا يشبه القول إن بعض المدخنين لا يصابون بسرطان الرئة، وبالتالي فالتدخين لا علاقة له بالسرطان. إنها مغالطة منطقية لا يقبلها أي متخصص في علم الوراثة أو علم الأوبئة.

لماذا ينكر بعضهم الوراثة؟

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الأمراض الوراثية موجودة، فهذه مسألة حسمها العلم منذ زمن طويل. السؤال الحقيقي هو: لماذا يصر بعض مشاهير الطب البديل على إنكارها؟ الجواب في رأيي بسيط. لأن الاعتراف بدور الجينات ينسف جزءًا كبيرًا من السردية التي يقوم عليها خطابهم. فإذا اقتنع الناس بأن بعض الأمراض ناتجة عن طفرات جينية حقيقية أو عن استعدادات بيولوجية معقدة، فسوف يصبح من الصعب إقناعهم بأن جميع الأمراض سببها “الغذاء الخاطئ” أو “السموم المتراكمة” أو “اختلال الطاقة” أو أي تفسير سحري آخر. إن وجود عامل وراثي يعني أن الواقع أكثر تعقيدًا من الشعارات المبسطة التي تُستخدم لجذب المشاهدات وبناء الجماهير. ولهذا يصبح إنكار الوراثة ضرورة أيديولوجية وتسويقية أكثر منه موقفًا علميًا.

عندما يتحول الإنكار إلى خطر على المرضى

قد يظن البعض أن هذه الادعاءات مجرد نقاشات نظرية، لكنها في الواقع قد تكون مؤذية للغاية. فماذا نقول لعائلة لديها طفل مصاب بالتليف الكيسي؟ هل نخبرها أن المشكلة ليست في الطفرة الجينية التي تم تشخيصها مخبريًا، بل في نوع الطعام الذي يتناوله الطفل؟ وماذا نقول لزوجين يحملان جين الثلاسيميا ويخضعان للفحص قبل الزواج؟ هل نخبرهما أن علماء الوراثة مخطئون وأن المرض غير موجود أصلًا؟ وماذا نقول للآلاف من العائلات العربية التي عاشت لعقود مع أمراض وراثية معروفة ومثبتة؟ إنكار الأمراض الوراثية لا يلغي وجودها، لكنه قد يدفع بعض المرضى إلى تجاهل الاستشارات الطبية والفحوص الجينية والعلاجات الضرورية، والاعتماد بدلًا من ذلك على وعود لا تستند إلى أي دليل علمي.

الفرق بين العلم والدجل

العلم لا يقول إن الجينات هي كل شيء. ولا يقول إن الإنسان أسير جيناته. بل يؤكد أن الصحة والمرض ينتجان عن تفاعل معقد بين الجينات والبيئة والتغذية، والنشاط البدني، والعوامل الاجتماعية، والنفسية. أما الدجالون فيقدمون تفسيرًا مختلفًا تمامًا. فهم يبحثون دائمًا عن سبب واحد لكل الأمراض، وحل واحد لكل الأمراض، وعدو واحد لكل الأمراض. العالم الحقيقي أكثر تعقيدًا من ذلك. ولهذا فإن العالم الجاد يعترف بحدود معرفته، بينما يتحدث الدجال بثقة مطلقة عن كل شيء.

الخلاصة

الأمراض الوراثية موجودة. والاستعداد الوراثي موجود. وتأثير الجينات على الصحة البشرية مثبت بأدلة جزيئية وسريرية لا حصر لها. إنكار هذه الحقائق اليوم لا يختلف كثيرًا عن إنكار وجود الجراثيم أو رفض دوران الأرض حول الشمس. قد يجلب ذلك آلاف الإعجابات وملايين المشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه لن يغير شيئًا من الواقع. فالحقيقة العلمية لا تتغير بعدد المتابعين، ولا بعدد المشاهدات، ولا بحجم الثقة التي يتحدث بها أصحابها. والجينات ستظل موجودة، سواء اعترف بها الدجالون أم لم يعترفوا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • عجز وليس جهل .
    الخميس 25 يونيو 2026 - 18:14

    إن هؤلاء لا ينكرون الأمراض الوراثية جهلا بحقيقتها العلمية المثبتة ، وإنما يفعلون ذلك دفاعا عن تجارتهم التي تدر عليهم أرباحا طائلة . والدليل القاطع على ذلك هو أن دعاة الطب البديل أنفسهم هم أول من يلجأ إلى المستشفيات المعتمدة متشبثين بالحقيقة التي أنكروها لسنوات في سبيل الترويج لبضاعتهم ، حيث يخضعون للعمليات الجراحية المعقدة وفق معايير الطب الحديث وشروطه . ​هذا التناقض الصارخ بين ما يدعون إليه علنا وما يمارسونه واقعا ، لا ينبع من جهلهم بأهمية الطب الحديث وجودته ، بل يعود أساسا إلى رغبتهم في استغلال أمية المتلقي واللعب على وتر فقره وعجزه في مواجهة مصاريف علاجية مرهقة لا يجد إليها سبيلا . ففي نهاية المطاف ، يجد المريض نفسه مدفوعا للتغاضي عن مشاق الطب الحديث وعلاجاته المكلفة ماديا ومعنويا ، ليرتمي في أحضان الطب البديل كخيارٍ لا يهم ان كان زائفا ما دام يوهم بالشفاء بأزهد الأثمان ، وهربا من دوامة التحاليل المخبرية المتكررة ، وتغيير المنظومة االدوائية بين كل فترة وفترة، وتكاليف العلاج الباهظة التي باتت عبئا لا يقدر عليه إلا الأثرياء .

  • الإسثتمار في صحة المواطن
    الجمعة 26 يونيو 2026 - 21:28

    قارن مواطن مغربي غيور على بلده ثمن الدواء ما بين المغرب وبعض الدول فأصيب بالصدمة مع العلم أن هذه الدول هي الاخرى لا تنتج الدواء فقد قارن بين دواء يباع في تركيا بألف درهم يباع مثله في المغرب بعشرة آلاف درهم ، واخر يباع في الهند بخمس مئة درهم يباع مثيل له في المغرب بخمسة آلاف درهم .

صوت وصورة
خصاص المقررات المدرسية
الخميس 17 شتنبر 2026 - 10:30

خصاص المقررات المدرسية

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 4

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 15

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع