الرقمنة وشيخوخة المواطنة

الرقمنة وشيخوخة المواطنة
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 08:48

مقدمة

يشهد المغرب تحولا مزدوجا يفرض نفسه بقوة على مستقبل الحياة الاجتماعية: تحول ديموغرافي يتجه بالمجتمع نحو مزيد من الشيخوخة، وتحول رقمي يعيد تشكيل طرق تعامل المواطن مع الإدارة والخدمات المالية والصحية والاجتماعية. ويبدو المساران، للوهلة الأولى، منفصلين: أحدهما يتعلق ببنية السكان وأعمارهم، والآخر بالتكنولوجيا وأنماط تدبير الخدمات. غير أن التقائهما يفتح سؤالا اجتماعيا وأخلاقيا شديد الأهمية: ماذا يحدث حين تتقدم الرقمنة بسرعة أكبر من قدرة بعض الفئات العمرية على اكتساب شروطها التقنية والمعرفية؟

تزداد أهمية السؤال في المغرب لأن الشيخوخة السكانية لم تعد احتمالا بعيد المدى. فقد أظهرت معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تنامي وزن الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق، فيما تشير الإسقاطات الديموغرافية إلى استمرار هذا الاتجاه خلال العقود المقبلة. ووفقا للمعطيات الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط، بلغت نسبة هذه الفئة 13،6 في المائة سنة 2024، مع توقع ارتفاعها إلى نحو 22،9 في المائة سنة 2050 في السيناريو المتوسط. نحن، إذن، أمام تحول بنيوي سيعيد تشكيل حاجات المجتمع إلى الصحة والحماية الاجتماعية والسكن والخدمات العمومية، ومن بينها الخدمات الرقمية.

في الجهة الأخرى، تتقدم الدولة المغربية في ورش التحول الرقمي من خلال استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تجعل رقمنة الخدمات العمومية أحد محاور التحديث الإداري، وتربطها بتحسين جودة الخدمة وتجربة المواطن. وقد أصبح هذا التحول ملموسا في اتساع نطاق الخدمات الإلكترونية وفي تطوير البوابات الرقمية العمومية. وهذا الاتجاه يحمل إمكانات كبيرة لتقليص المسافات، وتخفيف التنقل، وتبسيط الإجراءات، وتسريع الحصول على الوثائق والخدمات.

غير أن نجاح الرقمنة لا يقاس فقط بعدد الخدمات الموضوعة على المنصات، ولا بسرعة إنجاز المعاملة بالنسبة إلى المستخدم المتمكن رقميا. فالمرفق العام يخدم مواطنين متفاوتين في العمر والتعليم والدخل والقدرة الجسدية والمعرفة التقنية. لذلك فإن الانتقال من الإدارة الورقية إلى الإدارة الرقمية يطرح سؤالا مكملا: هل يستطيع جميع المواطنين الوصول إلى الخدمة الرقمية وفهمها واستعمالها بأمان واستقلالية؟

هنا تظهر قضية المتقاعد والمسن من زاوية مختلفة. فالمشكلة تكمن في احتمال تحول التكنولوجيا من وسيلة للتيسير إلى شرط ضمني للاندماج في الحياة العامة. وحين تصبح القدرة على استعمال الهاتف الذكي، وإنشاء الحسابات، وحفظ كلمات المرور، وتحميل الوثائق، واستعمال المصادقة الرقمية، وفهم الرسائل الإلكترونية، وتتبع الملفات، شروطا عملية لقضاء الحاجات، فإن الفجوة الرقمية قد تتحول إلى فجوة في ممارسة المواطنة نفسها.

أولا: الشيخوخة المغربية أمام واقع رقمي جديد

تقدم المعطيات الديموغرافية الحديثة صورة عن مجتمع يتغير تركيبه العمري بصورة واضحة. وقد أبرزت المندوبية السامية للتخطيط، في تحليلها المبني على معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، أن الشيخوخة أصبحت من القضايا الديموغرافية الكبرى في المغرب، وأنها ترتبط بتحولات في الأسرة والصحة والسكن والمشاركة الاقتصادية والحماية الاجتماعية والوصول إلى الخدمات الأساسية.

وهذا المعطى يستدعي إعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها إلى الشخص المسن داخل السياسات العمومية. فالمسن ليس كتلة اجتماعية متجانسة، فهناك اختلافات كبيرة في مستوى التعليم، والدخل، والصحة، ومكان الإقامة، والخبرة المهنية، والعلاقة بالتكنولوجيا. كما أن “المتقاعد” نفسه لا يشكل فئة مطابقة لفئة “المسنين”: فقد يكون الشخص متقاعدا وهو في بداية الستينيات، وقد يستمر شخص في العمل بعد الستين، وقد يعيش مسن في وضع اقتصادي أو عائلي مختلف تماما عن متقاعد آخر.

هذا التمييز ضروري حتى لا تتحول المقالة إلى خطاب عام عن “عجز المسنين عن التكنولوجيا”. فالدراسات الدولية نفسها تبين وجود تفاوت كبير داخل الفئة العمرية الواحدة. بعض كبار السن مستخدمون نشطون للتقنيات الرقمية، وبعضهم يكتسب مهارات متقدمة، فيما يواجه آخرون صعوبات مرتبطة بالتعلم أو الرؤية أو الذاكرة أو الثقة أو الخوف من الخطأ. ولذلك ينبغي أن يكون النقاش حول “تنوع الاحتياجات”، لا حول عجز عمري مفترض.

ثانيا: من الوثيقة الورقية إلى البيانات غير المرئية

نشأ جزء مهم من الجيل الذي بلغ سن التقاعد في بيئة إدارية كانت الوثيقة المادية مركز العلاقة بين المواطن والمؤسسة: شهادة تحمل طابعا وخاتما، توقيع بخط اليد، ملف ورقي، نسخة مصادق عليها، وصل يحتفظ به صاحبه في درج أو ملف شخصي.

كانت الوثيقة تمنح المواطن شيئا يتجاوز قيمتها الإدارية. كانت تمنحه إحساسا ماديا بوجود حق يمكن الرجوع إليه. أما البيئة الرقمية فتقدم نموذجا مختلفا: البيانات محفوظة في أنظمة إلكترونية، والهوية يمكن أن تتحول إلى معطيات رقمية، والمعاملة قد تتم عبر شاشة، والإثبات قد يصل في صيغة إلكترونية، ومسار الملف يصبح مرتبطا بحساب وكلمة مرور ورمز تحقق.

لا تكمن الصعوبة هنا في اختفاء الورق وحده. الصعوبة الأعمق تكمن في انتقال مفهوم الثقة نفسه من شيء يمكن لمسه والاحتفاظ به إلى نظام غير مرئي يحتاج إلى معرفة تقنية لفهمه. ولذلك قد يكون السؤال الذي يواجهه بعض المسنين أو المتقاعدين بسيطا في ظاهره وعميقا في دلالته: “أين حقي؟”

قد يكون الحق موجودا في قاعدة البيانات، وقد تكون المعاملة قد تمت فعلا، غير أن المواطن الذي لا يستطيع الدخول إلى حسابه أو قراءة الإشعار أو استرجاع كلمة المرور قد يشعر أن حقه أصبح معلقا في فضاء لا يستطيع الوصول إليه.

إن الفجوة هنا معرفية ونفسية في الوقت نفسه. فالمواطن كما يحتاج إلى وجود الخدمة، فهو يحتاج أيضا إلى القدرة على النفاذ إليها وفهم مسارها والتأكد من نتيجتها.

ثالثا: حين تتحول الوساطة إلى تبعية تقنية

تزداد المشكلة وضوحا عندما يحتاج المتقاعد أو المسن عموما إلى الاستعانة بأحد أبنائه أو أحفاده لإنجاز معاملة تخصه شخصيا. قد يتعلق الأمر بالدخول إلى حساب إلكتروني، أو تحميل وثيقة، أو ملء استمارة، أو استرجاع كلمة مرور، أو تتبع ملف، أو إجراء عملية مالية.

في الحالات البسيطة يمكن أن تكون المساعدة الأسرية امتدادا طبيعيا للتضامن بين الأجيال. غير أن الاعتماد الدائم على شخص آخر في إنجاز معاملات تتصل بالمال والصحة والحقوق الشخصية يغير طبيعة العلاقة. فالاستعانة بالغير قد تتحول تدريجيا إلى فقدان للاستقلالية.

وهنا تظهر مفارقة اجتماعية تستحق التأمل: الشخص الذي قضى عقودا في العمل، وتحمل مسؤوليات أسرية ومهنية، واتخذ قراراته بنفسه، قد يجد نفسه أمام شاشة صغيرة عاجزا عن إتمام إجراء بسيط دون مساعدة شخص أصغر منه.

يمكن تسمية هذه الحالة، بصورة تحليلية: “التبعية التقنية”. وهي لا تعني غياب القدرة العقلية أو الاجتماعية، وإنما تعني أن بنية الخدمة نفسها أصبحت تتطلب مهارات لم تتكون بالقدر نفسه لدى جميع الأجيال.

ومن هنا ينبغي ألا ينظر إلى المساعدة الأسرية بكونها الحل الوحيد. فالأسرة قد تكون حاضرة في حياة شخص، وقد تكون بعيدة جغرافيا، وقد يكون أبناؤه مشغولين، وقد يعيش الشخص وحيدا. كما أن كشف الرموز السرية وكلمات المرور لأحد الأقارب قد يخلق مخاطر تتعلق بالخصوصية والأمان.

لذلك فإن وجود بديل مؤسساتي للمساعدة الرقمية يشكل جزءا من ضمان استقلاليتهم.

رابعا: الفجوة الرقمية

من السهل اختزال الفجوة الرقمية في امتلاك الهاتف أو الحاسوب والاتصال بالإنترنت. غير أن الأدبيات الحديثة حول المهارات الرقمية تشير إلى أن المشكلة أوسع من ذلك.

قد يمتلك الشخص هاتفا ذكيا ولا يعرف كيف يستعمل تطبيقات الإدارة. وقد يستطيع إجراء مكالمة عبر الهاتف ولا يعرف كيف يملأ استمارة إلكترونية. وقد يستطيع فتح تطبيق بنكي، لكنه يتردد أمام رمز تحقق لم يعتد عليه. وقد ينجح في إجراء معاملة مرة واحدة ثم يعجز عن تكرارها بعد تغيير واجهة التطبيق.

لهذا فإن الولوج الرقمي يتكون من مستويات متداخلة: امتلاك الجهاز، والاتصال، والمهارة، والفهم، والثقة، والأمان، والقدرة على حل المشكلات عند وقوع خطأ.

وتؤكد منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن الفجوات المستمرة في المهارات الرقمية قد تؤدي إلى إقصاء بعض كبار السن من الخدمات الأساسية والاتصال والمشاركة المدنية، وأن برامج التدريب التقليدية قد تفشل عندما لا تراعي اختلاف وتيرة التعلم والحاجات المرتبطة بالعمر. كما تشدد على ضرورة تصميم برامج تدريبية ملائمة لكبار السن تعزز الاستقلالية وتحد من العزلة.

وهذا يقود إلى نتيجة مهمة: الرقمنة الشاملة تقتضي بناء القدرة على استعمالها، و لا تتحقق بمجرد رقمنة الخدمة.

خامسا: القلق التكنولوجي والرهبة من الخطأ

أعطت الدراسات النفسية الحديثة اسما لحالة تستحق اهتماما أكبر في سياق كبار السن: Technostress، أو الضغط النفسي المرتبط بالتكنولوجيا.

وقد طورت الباحثة غاليت نيمرود مقياسا خاصا لدراسة الضغط التكنولوجي لدى الأشخاص الأكبر سنا، وحددت فيه أبعادا من بينها الحمل الزائد، والتعقيد، والخصوصية، والشعور بالاقتحام، والإدماج. وأظهرت دراستها ارتباطا سلبيا بين الضغط التكنولوجي والرضا عن الحياة لدى المشاركين الأكبر سنا.

تكتسب هذه النتيجة أهميتها حين ننقلها إلى المجال الإداري. فالشخص الذي يخشى أن يضغط على زر خاطئ قد يخاف من “نتيجة الخطأ”. قد يعتقد أن خطأ صغيرا يمكن أن يؤدي إلى ضياع معاملة أو كشف معلومات شخصية أو ارتكاب تحويل مالي غير مقصود.

وهذا النوع من الخوف قد ينتج سلوكا انسحابيا: تأجيل المعاملة، الامتناع عنها، أو البحث عن شخص آخر لإنجازها.

وتشير دراسات أحدث أيضا إلى أن العلاقة بالتكنولوجيا لدى كبار السن قابلة للتحسن مع التدريب والممارسة. فقد بينت دراسة طويلة حديثة أن التعود على التكنولوجيا يمكن أن يسهم في خفض القلق والضغط التكنولوجي، وهو ما يعني أن المشكلة قد تكون أساسا في البيئة التعليمية والتصميمية المحيطة بالمستخدم .

وهنا تتغير زاوية النظر جذريا: إذا كان الخوف قابلا للتراجع بالتدريب والتصميم الجيد، فإن الحل لا ينبغي أن يكون مطالبة المسن بمجاراة التكنولوجيا وحده، ولكن ينبغي تغيير التكنولوجيا والتدريب معا.

سادسا: حين يصبح تصميم المنصة جزءا من العدالة الاجتماعية

تظهر مسألة غالبا ما تغيب عن النقاش: هل كل الصعوبات التي يواجهها كبار السن ناتجة عن نقص في قدراتهم، أم أن بعضها ناتج عن طريقة تصميم الخدمات؟

قد تكون الكتابة صغيرة، والتعليمات طويلة، والخطوات كثيرة، والمصطلحات تقنية، والأزرار غير واضحة، والرسائل التحذيرية مبهمة. وقد يتغير ترتيب القوائم بعد تحديث التطبيق، فيجد المستخدم نفسه مضطرا إلى إعادة التعلم.

في هذه الحالة لا ينبغي تحميل المواطن وحده مسؤولية الفشل. فالتصميم نفسه يصبح عاملا في الإدماج أو الإقصاء.

ومن هنا تبرز قيمة مفهوم “التصميم الشامل”، الذي ينطلق من فكرة تصميم الخدمات بحيث تستجيب منذ البداية لتنوع المستخدمين، دون الاقتصار على إضافة تسهيلات لفئة معينة بعد انتهاء التصميم.

وقد جعلت منظمة اليونسكو من الإدماج الرقمي لكبار السن جزءا من النقاش حول التعلم مدى الحياة، وأكدت أن كبار السن قادرون على الانخراط بصورة ذات معنى في العالم الرقمي عندما تتوافر بيئات تعليمية وتكنولوجية ملائمة للعمر.

وفي الحالة المغربية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن التوجه الرسمي نفسه نحو الإدارة الرقمية يتحدث عن جعل الخدمات أكثر قربا من المواطن وأكثر سهولة، وعن تطوير تجربة المستخدم. كما أن البوابة الوطنية للخدمات الرقمية التي أطلقت في 2025 تضمنت أدوات للولوجية، وتتيح الوصول إلى أكثر من 650 خدمة إلكترونية.

لذلك فإن التحدي المقبل ينبغي أن ينتقل من سؤال “كم خدمة رقمية أنجزنا؟” إلى سؤال أكثر دلالة: “كم مواطنا يستطيع استعمال هذه الخدمات باستقلال وأمان وكرامة؟”

سابعا: هل الرقمنة تهدم الشباك الإنساني؟

تحمل عبارة “الشباك الإنساني” دلالة تتجاوز الموظف الذي يستقبل المواطن. فالشباك كان أيضا مساحة للتفسير والاستثناء والمراعاة.

قد يصل المواطن إلى الموظف وهو لا يعرف اسم الوثيقة المطلوبة. وقد يشرح الموظف له الخطوة التي ينبغي القيام بها. وقد يكتشف أن المواطن مسن أو مريض أو غير قادر على التنقل، فيحاول توجيهه إلى المسار المناسب. أما الشاشة، في صورتها البسيطة، لا تقوم بهذه الوظائف الإنسانية تلقائيا.

وهذا لا يعني أن الإدارة الرقمية عاجزة عن إنتاج خدمات إنسانية. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أكثر قربا من المواطن عندما تصمم على أساس احتياجاته، ويمكن أن تقلل الانتظار والتنقل، وتيسر تتبع الملفات، وتوفر الخدمة خارج أوقات العمل.

المشكلة تظهر عندما تختفي كل القنوات البديلة، فيصبح المواطن أمام خيار وحيد: “استعمل المنصة أو ابحث عمن يستعملها نيابة عنك”.

هنا يتحول الشباك من مكان للخدمة إلى ذاكرة اجتماعية مهددة بالاختفاء.

ثامنا: من الرقمنة الإقصائية إلى الرقمنة المتعددة المسارات

تحتاج الإدارة المغربية إلى الانتقال من فكرة “الخدمة الرقمية” إلى فكرة “الخدمة متعددة المسارات”.

المسار الرقمي ينبغي أن يبقى هو المسار المتاح والميسر، مع الاحتفاظ بقناة بشرية واضحة للحالات التي تحتاج إلى المساعدة. ولا يتعلق الأمر بإعادة الإدارة الورقية القديمة، وإنما ببناء نموذج هجين يستفيد من التكنولوجيا ويحافظ على إمكان التدخل الإنساني. يمكن أن يتجسد ذلك في أربعة مستويات متكاملة:

– توفير شبابيك بشرية ميسرة داخل الإدارات التي تقدم خدمات ذات صلة مباشرة بالحقوق الاجتماعية والمالية والصحية.

– توفير مساعدين رقميين داخل مؤسسات القرب، يستطيعون شرح الإجراءات دون الاستيلاء على الحسابات الشخصية للمواطن أو معرفة رموزه السرية.

– تصميم الخدمات الرقمية وفق مبادئ الوضوح والبساطة: خط أكبر، خطوات أقل، لغة مفهومة، رسائل واضحة، وإمكان العودة إلى خطوة سابقة دون فقدان المعطيات.

– اعتماد برامج للتعلم الرقمي موجهة إلى كبار السن، تقوم على التدريب العملي المتكرر لا على الشروحات النظرية العامة.

وتؤكد التجارب الدولية الحديثة أن برامج التعلم الرقمي الأكثر فاعلية لكبار السن هي تلك التي تراعي سرعة التعلم واحتياجاتهم الفعلية وتربط التدريب بالحياة اليومية. وقد خصصت اليونسكو في 2025 تقريرا دوليا لدراسة ممارسات الإدماج الرقمي لكبار السن في ستة بلدان، مع التركيز على البيئات التعليمية والمجتمعية الملائمة للعمر.

تاسعا: من المساعدة إلى التمكين

ينبغي الحذر من نموذج يجعل المسن دائما موضوعا للرعاية. فالهدف من الإدماج الرقمي هو أن يحصل الشخص على فرصة لاكتساب الحد الذي يسمح له بالتصرف باستقلالية قدر الإمكان، لا أن يأتي آخر لينجز معاملاته إلى الأبد.

لهذا ينبغي أن تتجاوز برامج التدريب تعليم الضغط على الأزرار إلى بناء الثقة. يحتاج المسن أو المتقاعد إلى معرفة كيفية إنشاء كلمة مرور آمنة، وكيفية التعرف إلى رسالة احتيالية، وكيفية حماية بياناته البنكية، وكيفية التحقق من عنوان الموقع، وكيفية استرجاع الحساب، وكيفية طلب المساعدة بطريقة آمنة. كما يحتاج إلى معرفة أن الخطأ لا يعني بالضرورة ضياع الحق.

هذه النقطة النفسية مهمة جدا، لأن الثقة عنصر أساسي في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. وكلما شعر المستخدم أن النظام يسمح له بالتراجع والتصحيح وطلب المساعدة، انخفض خوفه من التجربة.

عاشرا: نحو عقد رقمي جديد بين المواطن والإدارة

تطرح الرقمنة سؤالا يتجاوز المسن نفسه. إنها تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن.

في الإدارة التقليدية كان المواطن يدخل فضاء المؤسسة، ويقابل موظفا، ويسأل، ويشرح، ويتلقى جوابا. أما الإدارة الرقمية فتدفع جزءا كبيرا من هذه العلاقة إلى فضاء إلكتروني يفرض على المستخدم أن يفهم منطق النظام.

هذا التحول يعيد توزيع المسؤولية: من كان يحتاج إلى خدمة صار مطالبا أيضا بأن يعرف كيف يصل إليها.

لذلك ينبغي أن يقوم العقد الرقمي الجديد على مبدأ بسيط: لا يجوز أن يؤدي التحول التقني إلى تقليص الحق في الخدمة. ومن هذه الزاوية يصبح الإبقاء على قنوات المساعدة البشرية مسألة عدالة اجتماعية.

وتنسجم هذه الرؤية مع التوجه الرسمي المعلن في المغرب نحو إدارة رقمية متمحورة حول المستعمل، ومع التأكيد الرسمي على جعل الخدمات أكثر إتاحة وشمولا. كما أن قانون ميثاق المرافق العمومية وقانون تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية يندرجان ضمن الإطار المؤسسي الذي يربط تحديث الإدارة بجودة الخدمة وثقة المرتفق.

خلاصة

لعل ما دفعي لكتابة هذه المقالة حالة صديق متقاعد، شارف السبعين، يعاني ضعفا في البصر ومحدودية في استعمال الوسائط الرقمية.

فقد أراد الاطلاع على ملفات التعويض عن التطبيب المودعة لدى التعاضدية، فوجد نفسه عاجزا عن الولوج إلى المنصة بسبب تعقيد خطوات التسجيل والاستعمال. تكشف هذه الحالة البسيطة أن الرقمنة قد تتحول، بالنسبة إلى بعض المسنين، من وسيلة لتيسير الوصول إلى الحقوق إلى عائق يحول دون الاطلاع عليها، الأمر الذي يجعل الإبقاء على مسار إنساني ميسر ضرورة لحماية الاستقلالية والكرامة.

هذا ولا تكمن القضية في الاختيار بين الورق والشاشة، ولا بين الإدارة التقليدية والإدارة الرقمية. القضية الحقيقية تتعلق بنوع المجتمع الذي نريد بناءه في زمن التحول الرقمي.

إن المغرب مقبل على مرحلة يصبح فيها كبار السن جزءا أكبر من تركيبته السكانية. وفي الوقت نفسه تتوسع الخدمات الرقمية وتتجه الدولة نحو جعل التكنولوجيا مكونا أساسيا في تحديث الإدارة. لذلك فإن الجمع بين المسارين يحتاج إلى رؤية تتجاوز منطق السرعة والنجاعة التقنية وحدهما.

الرقمنة الناجحة هي التي تجعل المواطن أكثر استقلالا، لا أكثر تبعية. وهي التي تقلل عناء التنقل دون أن تفرض عليه عزلة رقمية. وهي التي تستبدل الطوابير الطويلة بخدمات سهلة، دون أن تستبدل الموظف الإنساني بجدار تقني أمام من يحتاج إلى الشرح والمرافقة.

المتقاعد أو المسن المغربي عموما الذي أفنى سنوات من عمره في التعليم أو الإدارة أو الصناعة أو التجارة أو الزراعة أو سائر مجالات الحياة الوطنية لا ينبغي أن يجد نفسه في نهاية مساره أمام اختبار تقني لم يستعد له. فالخدمة العمومية موجودة لخدمة المواطن، والتكنولوجيا أداة لتطوير هذه الخدمة.

ومن هنا فإن المعيار الأعمق للتحول الرقمي ينبغي أن يكون هو قدرة هذه المنظومة الرقمية على الوصول إلى المواطن المختلف: الشاب والمسن، المتعلم والأمي، السليم والمريض، المقيم في المدينة والقاطن في القرية، المتمكن رقميا والمتردد أمام الشاشة.

إن مستقبل الرقمنة في المغرب يتحدد في قدرة المؤسسات على إنتاج خدمات رحيمة وعادلة وقابلة للاستعمال، لا على إنتاج خدمات ذكية فقط .

وعندما تبقى التكنولوجيا وسيلة للتمكين، يصبح التحديث امتدادا للحق في الكرامة. أما حين تصبح التكنولوجيا شرطا وحيدا للوصول إلى الحقوق، فإن الفجوة الرقمية تتحول من مشكلة تقنية إلى قضية مواطنة.

لهذا ينبغي أن يكون الشعار الحقيقي للمرحلة المقبلة: رقمنة الإدارة مع إنسانية الخدمة، تحديث الوسيلة مع صون كرامة المستعمل، تسريع المساطر دون إبطاء حق المواطن في أن يفهم ويُسمع ويُساعد.

المراجع

– المراجع المغربية الرسمية

1- المندوبية السامية للتخطيط (HCP). Les personnes âgées au Maroc : Analyse issue du RGPH de 2024. الرباط، ديسمبر 2025.

2- المندوبية السامية للتخطيط (HCP). Projections de la population du Maroc 2024-2060. الرباط.

الإسقاطات السكانية 2024-2060

3- وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة. «المغرب الرقمي 2030». الرباط، 25 سبتمبر 2024.

4- وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة. «البوابة الوطنية للخدمات العمومية الرقمية». الرباط، 14 فبراير 2025.
ثانيا: المراجع الدولية والمؤسساتية

1- OECD. Digital Skills for Seniors : Key Steps for Effective Training Programmes. OECD Policy Briefs, No. 35. Paris : OECD Publishing, 2025. DOI : 10.1787/9edfa7ef-en.

2- UNESCO Institute for Lifelong Learning. Bridging the Grey Digital Divide : Enhancing ICT Learning for Older Adults. Hamburg : UNESCO Institute for Lifelong Learning, 2025.

3- UNESCO. Digital Literacy for Older Persons. Paris : UNESCO, 2021 محدث سنة 2023.

4- Nimrod, Galit. “Technostress : Measuring a New Threat to Well-Being in Later Life.” Aging & Mental Health, vol. 22, no. 8, 2018, pp. 1080–1087. DOI : 10.1080/13607863.2017.1334037.

5- Nimrod, Galit et al. “Technostress in a Hostile World: Older Internet Users Before and During the COVID-19 Pandemic.” 2021.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 22:05

مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش

صوت وصورة
أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 21:36

أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية

صوت وصورة
مقر الطيران العربي بالرباط
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 19:31

مقر الطيران العربي بالرباط

صوت وصورة
طريق متهالكة تعرقل التمدرس
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 15:15 3

طريق متهالكة تعرقل التمدرس

صوت وصورة
الأباتشي في عرض جوي بمراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 12:43 7

الأباتشي في عرض جوي بمراكش

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15 10

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة