يقال إن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وإن كل مساحة تخلو من شيء سرعان ما تجد ما يملؤها.
لكن هذه القاعدة، البسيطة في ظاهرها، تبدو أكثر تعقيدًا حين ننتقل من قوانين الطبيعة إلى حياة الإنسان والمؤسسات والمجتمعات.
فالفراغ في الطبيعة قد يكون لحظة عابرة تبحث بعدها الأشياء عن توازن جديد. أما في الحياة العامة، فقد يكون الفراغ أحيانًا نتيجة مسار طويل، يبدأ في صمت، ويتسع تدريجيًا، إلى أن يصبح غيابه الظاهر أكثر وضوحًا من حضوره.
هناك مؤسسات تبدو ممتلئة بالحركة: ملفات تُنجز، قرارات تُتخذ، اجتماعات تُعقد، ومسؤوليات تنتقل من يد إلى أخرى. ومع ذلك، قد يكون شيء أساسي قد بدأ بالاختفاء من الداخل: القدرة على إنتاج البدائل، وضمان استمرارية المعرفة، وبناء مسارات لا تتوقف بتغير الأشخاص والظروف.
وهنا يبدأ نوع آخر من الفراغ.
ليس فراغ المكان، وإنما فراغ القدرة.
حين تصبح المعرفة مرتبطة بمسارات محدودة، وحين تتعطل البدائل، وحين يصبح استمرار العمل قائمًا على ترتيبات لا تستطيع المؤسسة إعادة إنتاجها من داخلها، فإن المؤسسة قد تبدو قائمة في الخارج، بينما يتشكل في داخلها فراغ لا تراه العين بسهولة.
والأخطر أن هذا الفراغ لا يعلن عن نفسه في لحظة واحدة.
قد تمر السنوات دون أن يشعر به أحد. تستمر الأمور، وتتحرك الملفات، وتبقى الواجهة على حالها. لكن تحت هذه الحركة الظاهرة، قد تتراكم هشاشة صامتة، تنتظر لحظة التغيير حتى تكشف عن نفسها.
ثم تأتي تلك اللحظة.
تتغير المسؤوليات، تنتهي مرحلة، يحدث غياب، أو تتبدل الظروف. وفجأة تظهر الأسئلة التي لم تكن تُطرح من قبل: أين تبدأ الطريق؟ ما البدائل؟ كيف تُستعاد المعرفة؟ ومن أين يمكن إعادة بناء ما لم يُبنَ أصلًا؟
عندها يبدأ الفراغ في التحول إلى دوامة.
والدوامة لا تكون دائمًا نتيجة غياب شخص أو جهة، بل قد تكون نتيجة غياب ما هو أعمق: غياب النظام الذي يسمح للمؤسسة بأن تستمر دون أن تبحث كل مرة عن نقطة بداية جديدة.
لهذا، فإن بعض الفراغات لا تحتاج أولًا إلى من يملؤها، بل إلى من يفهم كيف نشأت.
فملء الفراغ دون تشخيص أسبابه قد لا يكون سوى طريقة لتأجيل المشكلة. وقد يحدث أن يُملأ المكان، بينما يبقى الفراغ قائمًا في العمق.
وهنا تصبح المفارقة الفلسفية أكثر وضوحًا:
هل كل فراغ ينتظر من يملؤه؟ أم أن هناك فراغات تحتاج أولًا إلى أن نعرف لماذا وُجدت؟
في الطبيعة، يولد التوازن غالبًا من تلقاء نفسه. أما في المؤسسات والمجتمعات، فالتوازن يحتاج إلى بناء: ذاكرة تحفظ التجربة، وقواعد تضمن الاستمرارية، وبدائل تمنع الارتهان، ومسارات واضحة تسمح للمرحلة الجديدة بأن تبدأ من حيث انتهت السابقة، لا من الصفر.
المشكلة، إذن، ليست دائمًا في لحظة الغياب.
قد تكون المشكلة في السنوات التي سبقت الغياب، حين لم يُطرح السؤال الأهم: ماذا سيبقى بعدنا؟
فالمؤسسة القوية ليست تلك التي لا تتغير، وإنما تلك التي تستطيع أن تتغير دون أن تفقد قدرتها على الاستمرار.
والمجتمع الذي يبني مستقبله لا يقيس نجاح مرحلة بما أنجزته فقط، بل بما تركته من معرفة، ومؤسسات، وبدائل، وقدرة على مواصلة الطريق.
لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: من سيملأ الفراغ؟
بل:
كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الفراغ قادرًا على إرباك من يأتي بعدنا؟
فقد لا يكون أخطر ما في الفراغ أنه مساحة خالية، وإنما أن نكتشف متأخرين أنه لم يبدأ يوم غاب أحد.
لقد كان يتشكل منذ زمن، في الأماكن التي لم نبنِ فيها بديلًا، وفي الأسئلة التي أجلناها، وفي المسارات التي ظننا أنها ستستمر إلى الأبد.
الطبيعة قد لا تقبل الفراغ.
لكن المؤسسات والمجتمعات تستطيع أن تعيش معه طويلًا.
وأحيانًا، أطول مما ينبغي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.