الكُرْسِيُ أوّلًا…

الكُرْسِيُ أوّلًا…
الجمعة 22 ماي 2026 - 23:59

العَبثُ الإدَاري في كَامِل أنَاقَتِه

كيف يعطّلُ شخصٌ عشرات العقول ثم يعود إلى بيته مقتنعًا بأنه أَنجزَ يومًا عظيمًا؟ لماذا يخاف بعض المُديرين من الموظف الكُفْء أكثر مما يخافون من الفَشل نفسه؟ كيف صار العبوس مهارةً قيادية، وصارت كثرة الاجتماعات دليلًا على العمل، وصار التوقيع أهمُّ من الفكرة؟ متى أقنعنا أنفسنا أن الإدارة تعني أن يجلس رجلٌ في آخر الممَرِّ ويستهلك أعصاب الجميع باسم “التّدبير”؟ ثم السُّؤال الأهم: كيف تستمر المؤسسات أصلًا رغم كل هذا العبء الجالس فوقها كل صباح؟

المديرُ الذي يُعيّنُ نفْسَه مُديراً كلَّ صَباح

أكتب هذا النص لأن السكوت عن هذا النموذج يمنحه عمرًا أطول، ولأن السخرية أحيانًا تفضح ما تعجز التقارير عن قوله. أكتب عن المدير الذي يحتل المؤسسة كما يحتل الغبار رفوف المكاتب. يدخل كل صباح وفي وجهه ادعاءُ رجلٍ يحمل مفاتيح المصير، مع أن المؤسسة تتعبُ منه أكثر مما تتعب من أزماتها. أكتب لأن هذا النموذج لم يعد تفصيلًا عابرًا في الحياة المهنيّة. صار ثقافةً كاملةً تصنع الخوف بدل الثقة، وتكافئ الصّمت بدل الكفاءة، وتحوّل العمل إلى طقس طويل من المجاملة والانتظار. حين يضحك الموظفون من هذا المدير، فهُمْ لا يطلبون التّسلية بقدر ما يدافعون عن عقولهم من العبث اليومي، وعن طاقتهم من رجلٍ يستهلكها باسم الإدارة. أكتب لأن المدير الفارغ أخطر من الموظف الكسول.

الكسولُ يعطِّلُ مُهمّة، أما المدير الفارغ فيعطِّل مؤسسة كاملة، ثم يقف فوق “التعطيل” كأنه مهندس النجاة. يربك الناس، يقتل المبادرات، يخاف من الأذكياء، ويصنع من كل قرار بسيط جبلًا إداريًا لا يصعده أحد إلا وقد فقَدَ نِصفَ حماسه. أكتب كي يرى القارئ أن الضحك هنا ليس هروبًا من المشكلة، إنه طريقة ذكية لتَسْميتها. عندما نضحك من هذا المدير، ننزع عنه قناع الهَيْبة الزائفة، ونكشف أن الكرسي لا يصنع عقلًا، وأن الصوت العالي لا يصنع قيادة، وأن كثرة الاجتماعات لا تعني وجود رؤية. السخرية هنا ليست زينة لغوية؛ إنها تشريح دقيق لكائنٍ إداري يعيش على خوف الآخرين من قول الحقيقة.

حين تصبحُ الإدارة مَسرحية رديئة

كل صباح، يدخل السيد المدير إلى مكتبه كما يدخل فاتحٌ عائد من حربٍ لم تقع أصْلًا. يفتح الباب ببطءٍ مسرحي، يضع حقيبته على الطاولة كما لو أنها تحتوي أسرار الدولة، ثم يجلس لحظة صمتٍ ثقيلة يحدّق فيها إلى الجدار. لا أحد يعرف مَنْ عيّنهُ أوَّل مرة، ولا أحد يجرؤ على سؤاله. حتى الكرسي نفسه يبدو متفاجئًا كلَّ يوم حين يراه يعود إليه بالحماسة ذاتها، كأن المنصب حادثة طارئة تتكرر دونَ تفسير. يوقّع الأوراق بعُنفٍ يُوحي بأنه يوقّع معاهدات دولية، بينما هو في الحقيقة يوافق على شراء دبّاسَة جديدة أو يرفض إصلاح مصباح محترق منذ الشتاء الماضي. يعشق كلمة “الإدارة” كما يعشق الأطفال الألعاب اللاّمعة. يكررها في كل جملة حتى صارت الموظفات يشكّكن أحيانًا إن كان يقصد المؤسسة أم يقصد نفسه شخصيًا. فإذا قال: “الإدارة قررت”، كان يعني أنه قرر بعد معركة فكرية شرسة بينه وبين صورته في المرآة. وحين يمشي في الممر، تتقدمه هيبته المصنوعة من الصمت المفتعل وربطة العنق المشدودة أكثر من اللازم. يقضي نصف يومه في مراقبة من يعمل، كي يتأكد أن أحدًا لا يبدو أكثر أهمية منه. أما الاجتماعات، فهي هوايته الكبرى. يجمع الناس حول الطاولة ليشرح لهم أشياء يعرفونها أكثر منه، ثم يخرج الجميع وَهُم لا يفهمون لماذا تمّ استدعاؤهم أصلًا، لكنه يخرج مقتنعًا أنه أنقذ المؤسسة من انهيارٍ تاريخي وشيك. ومع ذلك، يظل السّيد المدير وفيًا لرسالته النّبيلة: أن يعيّن نفسه مُديرًا كل صباح، ثم يقضي بقية اليوم في الدّفاع البطولي عن هذا التَّعيين.

سيرة رجلٍ يطارد أهمِّيتَهُ

في الأيّام الاستثنائية، يزداد اقتناع السيد المدير بعظمته الإدارية حين يكتشف خطأً مطبعيًا في مذكرة داخلية. عندها يتحول المكتب إلى مسرح طوارئ وطنية. تُستدعى الوجوه المتوترة، تُفتح الملفات، وتُعقد جلسة تحقيق طويلة من أجل حرفٍ سقط سهوًا، بينما تسقط المؤسسة نفسها قطعةً قطعةً دون أن يلاحظ أحد ذلك التفصيل الصّغير. كان يؤمن إيمانًا حقيقيًا أن الإدارة ليست كفاءة ولا رؤية ولا قدرة على الحل، وإنما طريقة في عَقْدِ الحاجبين أثناء الكلام. لذلك تمرّنَ سنوات أمام المرآة على نظرة الرجل المنشغل بمصير الأمة، حتى صار عاجزًا عن الابتسام بشكل تلقائي وطبيعي، حتى ضحكته تبدو وكأنها تحتاج موافقة مكتوبة من الموارد البشرية. وحينَ يتحدَّثُ عن “فريقُ العَمل”، ينطق العبارة بنبرة مالك مزرعة يتفقَّد دجاجَهُ آخر النَّهار. يحبّ الموظفين المُطيعين، أولئك الذين يهزُّون رؤوسهم بسُرعة، ويكتبون ملاحظات وهمية أثناء كلامه، ويقولون له “فكرة ممتازة” حتى لو اقترح نقل الطابعة إلى السّطح لتحسين الإنتاجية.

أما أصحاب الكفاءة الحقيقية، فيعاملهم بحذر الأجهزة الأمنية مع الغرباء. يراقبهم بعين مرتابة، لأن الإنسان الذي يعرف ماذا يفعل يشكل خطرًا دائمًا على الرجل الذي لا يعرف سوى كيف يجلس في صدر القاعة. أما إذا تعطّلت مصْلحة كاملة، اكتَفى السَّيد المدير بالقول الحكيم:

“سنشكل لجنة لدراسة الموضوع.” واللجنة عنده ليست حلًا، إنها مقبرة أنيقة للمشاكل. تدخلها القضايا حيّة، فلا تخرج أبدًا. ومع مرور السنوات، لم يتغير شيء في المؤسسة سوى لون الستائر وصور المدير في المناسبات الرسمية. يأتي صباحًا للإدارة، يعدّل ربطة عنقه، ينظر إلى المكتب بعاطفة مالكٍ شرعي للكَوْن، ثم يُباشر مهمَّته اليومية الخالدة: “إثبات أنه أهمّ من العمل نفسه”.

مديرٌ لا ينقُصُه إلاّ العَمل

كان السيد المدير يعيش على صناعة الطوارئ أكثر من حلّها؛ فهدوء المؤسسة كان يهدد شعوره بالأهمية. لذلك كان يضخم أبسط التفاصيل، ويحوّل التأخر البسيط أو العطل العابر إلى أزمات كبرى تمنحه فرصة استعراض سلطته. وكانت فوضى مكتبه وهاتفه جزءًا من مسرحية الهيبة، لا دليلًا على عمل حقيقي. أما المبادرات الجديدة، فكان يقتلها بعبارته الدائمة: «الفكرة جيدة، لكن ليس هذا هو الوقت المناسب». كان يؤمن أن النجاح الحقيقي للإدارة هو أن يبقى كل شيء معقدًا بما يكفي ليبدو وجوده ضروريًا. فالمؤسسة المنظمة تشكل خطرًا مباشرًا على الرجل الذي يعيشُ من الفوضى.

في نهاية كل يوم، يغادر السيد المدير المكتب مُتعبًا بطريقة مَسْرحية، يحملُ حقيبته ببطء، ويتنهد كما لو أنه أمضى النهار في إنقاذ الاقتصاد الوطني. يطفئ الأنوار، ينظر إلى المؤسسة النظرة نفسها التي ينظر بها قائد أوركسترا إلى جمهوره بعد حفلة فاشلة، ثم يمضي مقتنعًا أن كل ما صمَد اليوم صمَد بفضله، بينما الحقيقة البسيطة التي لا يراها أبَدًا هيَ أنّ المؤسسة تعلمت منذ سنوات كيف تعمل في غيابه أكثر مما تعملُ بحضوره.

حينَ يخذِلُ المنصبُ صاحبَهُ

ماذا يبقى من هذا المدير بعد سنواتٍ؛ هل يتذكره الناس باعتباره قائدًا صنع فرقًا حقيقيًا، أم باعتباره رجلًا أتقن فقط توزيع التّوتر داخل المكاتب؟ ماذا يبقى من الاجتماعات الطويلة، والعبارات الضخمة، ونظرات الهيبة المصنوعة بعناية؟ هل صنعت كل تلك المسرحية مؤسسةً أفضل، أم صنعت فقط رجلًا يظن نفسه أكبر من المؤسسة؟ ثم ماذا يشعر هذا المدير حين يكتشف متأخرًا أن العمل كان يسير دائمًا بعيدًا عن خطاباته؟ ماذا يحدث حين يدرك أن الموظفين لم يخافوا احترامًا له، وإنما تعبًا منه؟ وهل يعرف أصلًا أن الكراسي لا تحفظ أسماء أصحابها طويلًا، وأن المؤسسات تنسى بسرعة أولئك الذين استهلكوا وقتها أكثر مما خدموها؟ أم أن بعض الناس يقضون حياتهم كاملة وهم يدافعون عن صورةٍ ضخمة لأنفسهم، بينما الحقيقة البسيطة تقفُ خلفهُم طوال الوَقت وتَضْحكُ؟

لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    السبت 23 ماي 2026 - 15:50

    “Quand les hommes ne peuvent changer les choses, ils changent les mots”
    “عندما يعجز الرجال عن تغيير الأشياء، يقومون بتغيير الكلمات.”
    Jean Jaurès
    (ينطبق على المدير الفاشل الذي لا يستطيع حل أزمة، فيلجأ إلى تزيين التقارير)

    “A man who wants to lead the orchestra must turn his back on the crowd”
    “الرجل الذي يريد قيادة الأوركسترا يجب أن يدير ظهره للجمهور ”
    Max Lucado
    ( التركيز التام على توجيه وتمكين فريق العمل الداخلي، بدلاً من الانشغال باستعراض المظهر أمام الآخرين.)

    “من ملك الكرسي قبل المعرفة، جعل من نفسه أضحوكة بين الرعية”
    أستاذي،
    مقالك شرح ببراعة واقع “المدير الوهمي” الذي يقتل الإبداع خوفاً على نفسه، ويثبت أن غيابه هو الإنجاز الحقيقي للمؤسسة. ومن وجهة نظري، فإن خطورة هؤلاء لا تكمن في فشلهم الإداري فحسب، بل في تسميمهم للنفوس وتحويلهم بيئة العمل إلى سجن للكفاءات الشابة التي تموت شغفاً كل صباح. لذلك، يبقى العزاء الوحيد أن التاريخ الإداري لا يذكر إلا باني الأثر، أما عابد المنصب فيذهب جفاء، لأن
    ” العظمة لا تصنع بتعديل ربطة العنق، بل بتحرير عقول فريق العمل”.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32

صقور السعودية في سماء مراكش