المغاربة تحت وطأة الجهل الرقمي

المغاربة تحت وطأة الجهل الرقمي
الإثنين 2 يونيو 2025 - 11:34

في زمن يُفترض فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت أبوابًا واسعة للمعرفة وسهّلت الوصول إلى المعلومة، أصبحت في الواقع مرتعًا خصبًا للعلم الزائف والمغالطات الفكرية التي تنتشر كالنار في الهشيم داخل المجتمع المغربي، حتى أصبح البعض يعتبر كلام “اليوتيوبر” أو “التيك توكر” الذي يتحدث بثقة مصطنعة وبأسلوب مبهرج أهم من رأي طبيب مختص أو أستاذ جامعي أمضى عمره في البحث والدراسة. هذه الظاهرة لا تقتصر على المجال الصحي فقط، حيث تنتشر خرافات العلاج بالأعشاب، و”الدواء السحري”، و”الطاقة الحيوية”، و”تنظيف الكبد” و”إعادة ضبط الجسم”، بل تمتد إلى مجالات متعددة مثل التاريخ، حيث تنتشر روايات ملفقة حول أصول الشعوب وتاريخ المغرب القديم، تُقدم على أنها حقائق تاريخية، بينما هي في الواقع تلفيقات شعبوية تهدف إلى زرع الفتنة أو التباهي بالهوية، مستندة إلى كتب هامشية أو مصادر مشبوهة. حتى الفلسفة لم تسلم من هذا التزييف، حيث يُنقل عن سقراط أو نيتشه أو ابن رشد أقوال مفبركة، ويُقدَّم التأمل السطحي على أنه تفكير عميق، في حين أن الجوهر الفلسفي يقوم على منهج صارم في الشك والتحليل.

المشكلة الأخطر أن هذا النوع من المحتوى الزائف لا يجذب فقط الأميين أو محدودي التعليم، بل حتى بعض الحاصلين على شهادات جامعية، ما يدل على أن المسألة لا ترتبط بمستوى التمدرس فحسب، بل بغياب المنهج النقدي في التفكير، وبتربيتنا الاجتماعية التي تعلّم الطاعة لا التساؤل، وتقدّس السلطة ولا تشجع على النقاش. ومن بين أبرز الأدوات النفسية التي تساهم في هذا الانزلاق الجماعي نحو تصديق الخرافة ما يُعرف بالتحيّز التأكيدي (biais de confirmation)، وهو ميل الإنسان إلى تصديق المعلومات التي توافق أفكاره المسبقة وتجاهل كل ما يخالفها، فمثلًا من يعتقد أن “الأدوية تضر” سيجد ألف فيديو يدعم فكرته، ويرفض الاستماع لأي طبيب يشرح الفوائد والمخاطر بشكل علمي متوازن. كذلك نجد التحيّز في الانتقاء (biais de selection)، حيث يروّج البعض لأمثلة فردية كشواهد مطلقة، مثل شخص “كان لديه سرطان وشُفي بالأعشاب”، دون النظر في آلاف الحالات التي تدهورت بسبب العلاج العشوائي. ويُضاف إلى ذلك مغالطة الاحتكام إلى الطبيعة
(appel à la nature)، حيث يُفترض أن كل ما هو “طبيعي” جيد وآمن، وكأن الزرنيخ وسموم الأفاعي والعقارب ليسوا مواد طبيعية! أو مغالطة الاحتكام إلى السلطة (appel à l’authorité )، حيث يتم تصديق أي شخص فقط لأنه “دكتور” أو “شيخ” دون النظر في تخصصه أو الأدلة التي يقدمها.

ما يغذّي هذه الظاهرة في السياق المغربي هو مزيج معقد من العوامل: ضعف جودة التعليم، انتشار الأمية الوظيفية، غياب التكوين في المنطق والتفكير العلمي، ضعف الإعلام العلمي، وقبل ذلك كله الأزمة الاقتصادية التي تدفع البعض إلى التمسك بأي بصيص أمل، حتى لو جاء على يد مشعوذ يبيعهم الوهم. فالفقر، وانعدام التغطية الصحية، وغلاء الأدوية، كلها عوامل تدفع الإنسان العادي إلى تصديق المعجزات الزائفة، لأن الطب الحقيقي مكلف، بارد، ومليء بالتعقيدات، في حين أن خطاب العلم الزائف يبدو دافئًا، بسيطًا، ويَعِد بنتائج سريعة دون معاناة. إنها تجارة مربحة للعقول الكسولة والجيوب الفارغة.

كل هذا يجعل من الضروري أن نعيد التفكير في طريقة تعاملنا مع المعلومة. التعليم وحده لا يكفي إذا لم يكن مرفوقًا بتكوين منهجي في التفكير النقدي، وتعليم الناس كيف يُفكرون، لا فقط ماذا يُفكرون. نحن في أمسّ الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الشك المنهجي، والتعود على طرح الأسئلة بدل أخذ الأشياء كمسلمات، وتشجيع الناس على التحقق من المصادر، والتمييز بين الأدلة والآراء. العلم ليس فقط معادلات أو مختبرات، بل هو طريقة في التفكير والتساؤل والاختبار المستمر للواقع. المجتمعات التي لا تملك هذه المناعة الفكرية تكون أكثر عرضة للانزلاق نحو الخرافة، ويكفي أن نرى كيف أن قرارات مصيرية في الصحة أو الاقتصاد يمكن أن تتأثر بمعلومة مضللة منتشرة على “فيسبوك” أو “واتساب”.

في النهاية، مواجهة العلم الزائف لا تتطلب فقط محاربة المحتوى المغلوط، بل بناء جيل جديد يُحسن استخدام العقل، ويعرف أن لا شيء يجب أن يُصدّق فقط لأنه “يُقال كثيرًا” أو “يُقال من طرف شخصية معروفة”، بل لأن وراءه دليلًا، ومنطقًا، وتجربة قابلة للتحقق.

أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي
معهد قطر لبحوث الطب الحيوي/ جامعة حمد بن خليفة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • MC
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 18:33

    أستاذ عبدالإله،
    مقالكم كشف عن معضلة عصرنا: نحن نعيش في زمن الفيض المعلوماتي يقابله جفاف في الحكمة. لقد أصبتم حين وصفتم كيف تحوّلت منصات التواصل من أدوات تحرير إلى استعباد فكري حيث أصبحت “اللاّمعرفة” تُباع في علب برّاقة تحت شعارات التمكين والوعي.
    ما أثار انتباهي المفارقة الصارخة: كلما زادت سهولة الوصول إلى المعلومات، قلّت قدرتنا على تمييز الحقيقة من الزيف. وكما قال (Michel Serres): “لدينا الكثير من المعطيات والقليل من المعنى”. هذه المفارقة تظهر في مجتمعنا المغربي، حيث يختلط العلم بالخرافة، والمعرفة بالجهل المركّب.
    أضيف إلى تحليلكم أن مشكلتنا ليست فقط مع “الجهل الرقمي”، بل مع “الأمية العاطفية الرقمية”. فخوارزميات المنصات تستغل ميولاتنا النفسية أكثر من عقولنا. كم مغربي يشارك منشورات عن علاجات غير مثبتة علمياً بدافع الأمل، دون أن يتحقق؟
    لكنني أختلف معكم في نقطة: لا أعتقد أن المشكلة في “غياب المنهج النقدي” فقط، بل أيضاً في غياب البديل الجذاب. فخطاب العلم الزائف يقدّم نفسه بلغة بسيطة وعاطفية، بينما الخطاب العلمي غالباً ما يكون معقّداً، وهذا ما يدفع حتى المتعلمين نحو السهل الممتنع.

    ALHOCEIMA

  • مثقف
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 22:11

    المغاربة متخبطون في أنواع كثيرة من الجهل .

  • KITAB
    الثلاثاء 3 يونيو 2025 - 13:42

    نعم هناك عوامل عميقة وحديثة ساهمت في هذا الفكر (التسطيحي) ، أصبحت شريحة واسعة من المغاربة تأخذ به وتعتمده في مواقفها الحياتية ، لكن اﻷخطر في الموضوع دخول (الذكاء الاصطناعي) على الخط ، حتى أن بعضنا يفضل استشارته في كل أمور الحياة والعيش على استشارة المصادر المعتمدة ، فالذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي قتلت بالكاد التفكير العقلاني السليم وجردته من خاصية التحليل والمقارنة والقياس ، أما معاهد التربية لدينا هي اﻷخرى غارقة في هذا الوحل (سوشل ميديا) ، كل هذا يغذيه إلى أبعد الحدود الاستعداد الفطري لدى عامة المغاربة للتفكير السحري والخرافي ، ولو فتحنا تحقيقا في الموضوع لوقفنا على أشياء رهيبة ، سلمات

  • مواقع الواقع.
    الأربعاء 4 يونيو 2025 - 01:21

    لا يجوز محاكمة مواقع التواصل الاجتماعي ولا يجوز تقنينها لانها بسط لواقع الشارع وواقع الشارع فيه البار والفاجر . للتفاهة جمهور وأي حظر على التفاهة هو حظر على هوى سواد الشعب

  • الهروب إلى التفاهة .
    الأربعاء 4 يونيو 2025 - 04:00

    صحيح أن المقال يعكس بعض الحقائق، لكن ليس كل المغاربة يمتلكون نفس الوعي. تحليل المقال لن يغير الواقع في مواقع التواصل الاجتماعي. الغالبية العظمى بين أمي ولا مبلغ أو منجذب إلى / كرة القدم /مسلسلات التركية / يوميات مغنيات /مما يجعلهم يتفاعلون مع المحتوى التافه على الإنترنت . في بعض الأحيان أشعر بالشفقة عليهم ، ولكنني في معظم الأوقات أتعاطف معهم . الواقع صعب ولا يمكن نسيان مرارته إلا من خلال التفاعل مع أشياء قد تبدو تافهة لكنها تعمل كملاذ يمكنهم من خلاله الهروب من ظروف الحياة الصعبة . بالنسبة للمغربي الذي يعاني قد تكون هذه التفاهات متنفسا في مواجهة صعوبات الحياة .

صوت وصورة
خصاص المقررات المدرسية
الخميس 17 شتنبر 2026 - 10:30

خصاص المقررات المدرسية

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 4

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 15

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع