في رواية توفيق الحكيم “يوميات نائب في الأرياف” يجري حوار بين المأمور والعمدة جاء فيه:
يقول المأمور للعمدة بصياح وتهديد : طوّل بالك، إنت يظهر عليك إنك مش عارفني. والله لا بد من إني …فيقول العمدة مستعطفا: أنا راجل غلبان. فيضيف المأمور: انتظر! إن ما كنت أدخلك البرلمان، ما ابقاش أنا مأمور المركز! فيتوسل أليه العمدة بخوف: ليه؟ أنا عملت إيه بس تدخلني البرلمان؟!
هذا كله يقع أمام أنظار وكيل النيابة الذي لم يتمالك نفسه من الضحك. فيلتفت العمدة إلى النائب ويقول ساخرا: كشوف الانتخابات في جيبه، ومش عارف حضرته البرلمان ده يبقى إيه. ويسموهم عُمد، ونشتغل معهم!
هذا المشهد سيقع في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث كانت مصر تقلد الغرب في الكثير من المظاهر الاجتماعية والسياسية. ويظهر بوضوح أن البرلمان شيء غريب عن المجتمع، وهو أكثر غرابة في البادية المصرية حيث تقع أحداث الرواية، فماذا تغير في 100 سنة في مجتمع مثل مصر أو المغرب؟ الكثير من المغاربة لا يعرفون لأي شيء يصلح البرلمان بما أنهم لا ينظرون إليه مرهونا بالسياسة وطريقة الحكم، وإنما بكونه مناسبة للشطح والردح والمائتي درهم وما جاورها.
المغاربة، لا يصوتون على الأحزاب ولكنهم يصوتون على الأشخاص، وهذا دليل على سوء استيعابهم للعمل السياسي. ولا يصوتون على النساء لأن “ثقافة المجتمع” أقوى من التجديد الحضاري. وبعضهم لا يقاطع الانتخابات انطلاقا من موقف سياسي وإنما جهلا بقيمة الانخراط السياسي أو كسلا لا أقل ولا أكثر.
بدأ البرلمان العمل سنة 1962 بعد إقرار الدستور، لكن الحسن الثاني حله مع أحداث 1965، ثم جاء البرلمان بغرفة واحدة بين سنتي 1970 و 1996 ثم برلمان الغرفتين بين 1996 و 2011 ، وأخيرا برلمان ما بعد 2011 والذي سبقه التعديل الدستوري الذي تم تحت حكم محمد السادس.
هذا يعني أن العمل البرلماني ليس جديدا وإنما هو ابن ستين سنة وأكثر، وكان من المفروض أن تكون التجربة أقوى من الوعي السياسي بالمعنى النخبوي، غير أنه لا شيء تغير في هذه السنوات الطويلة.
صحيح أن النسخ الأولى من البرلمان نتجت عن تدخل واضح للإدارة، سواء كانت الداخلية أو قوى أخرى، وتم إخراج أغلبيات برلمانية على المقاس، يمكن حصرها ما بين 1962 و1993 لكن انطلاقا من انتخابات 1997 بدأت الإدارة تبتعد عن صنع البرلمان والبرلمانيين. وربما استمر الحياد السلبي طويلا، فتم التغاضي عن تدخل المال والإغراء وغيره. وحين وصلنا إلى انتخابات 2011 تخلت الداخلية عن حيادها السلبي وظهر بعض من الصرامة تجاه المال السافر دون أن ينمحي تماما.
في الانتخابات السابقة استطاعت ثلاثة أحزاب أن تحصل على الأغلبية بفضل تصويت عقابي على العدالة والتنمية، وبفضل ضعف رهيب للمعارضة اليسارية متمثلة في حزب الاتحاد الاشتراكي خاصة. وقد يكون الحزب الجديد آنداك، الأصالة والمعاصرة، جامعا لكل أصوات اليسار التي كان بإمكانها خلق توازن بين الأغلبية والمعارضة. هذه المعارضة التي لا تزال ضعيفة إلى حدود اليوم، هل كان ذلك بسبب نهاية الحرب الباردة وضمور اليسار في الكثير من الأقطار؟ هل كان ذلك راجعا إلى المقولات الإيديولوجية غير القادرة على تطوير نفسها؟
واليوم، كيف هو حال الوعي السياسي عند المغاربة؟ هل هم مقتنعون باليسار بغض النظر عن قوته نظريا من خلال عودته إلى الكثير من الدول؟ هل يرتكبون زلة لا تغتفر فيصوتون على سماسرة الإسلام السياسي؟ هل يقاطعون اقتناعا أم إهمالا واستصغارا للعمل السياسي؟
أرى أنه مهما كان تصويتهم فإن معرفتهم بالبرلمان لا تتجاوز ما ذكره توفيق الحكيم في يومياته، أصحاب الشكارة لا زالوا قادرين على ملء البرلمان بالنطيحة وما أكل السبع حتى وإن أصبحت الإدارة محايدة حيادا إيجابيا مثاليا. ولنبتعد عن التشاؤم فنقول إننا نتمنى أن يتم التشديد في المحاسبة والعقاب بعد الفترة الحكومية، فلا يفلت أحد من طائلة القانون، سواء أكان مسؤولا حكوميا أو برلمانيا أو مستشارا جماعيا، وبهذا الشكل سيسترجع العمل البرلماني ثقة الشعب. وحتى نكون متفائلين، فإننا سنتوقع لبلادنا أن تتجاوز العثرات البرلمانية السابقة وأن تنتج أغلبية وطنية مؤمنة بمغرب قوي مندفع إلى الأمام.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.