أصبح حضور المرأة في العالم الخارجي، وخصوصا في الفضاء الرقمي، مختلفا عما كان عليه في السابق. ليس الإشكال في خروج المرأة إلى المجتمع، ولا في تعليمها، أو عملها، أو مشاركتها في الحياة العامة. الإشكال الحقيقي يبدأ حين يتحول الحضور إلى استعراض دائم. حين تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بمقدار ما يكشفه عن نفسه وبقدرته على جذب الأنظار إليه.
لقد أصبح الاهتمام بالمظهر والجسد يحتل مساحة هائلة من حياة كثيرين. ملابس، مساحيق، عطور، عمليات تجميل، وصور متكررة للوجه والجسد، وزوايا تصوير محسوبة بعناية لإبراز الجاذبية. يُبرَّر كل هذا بأنه مجرد اهتمام شخصي بالذات.
قد يكون جزء من الاهتمام بالمظهر فعلا نابعا من رغبة الإنسان في الاعتناء بنفسه. لذا لا يصح اختزال دوافع كل امرأة في البحث عن إعجاب الرجل. لكن من السذاجة أيضا إنكار أن جزءا كبيرا من ثقافة مواقع التواصل قائم أصلا على جذب نظرات الآخرين وطلب انتباههم، رجالا كانوا أم نساء. فلو لم يكن لنظرة الآخرين أي قيمة، فلماذا تُنشر الصورة أصلا؟ لماذا نراقب عدد الإعجابات، المشاهدات ، التعليقات، والمتابعات؟
المشكلة أعمق من قطعة ملابس أو صورة أو مستحضر تجميل؛ إنها ثقافة كاملة جعلت الظهور قيمة في حد ذاته.
لقد دخلت الكاميرا إلى أماكن كان الإنسان يعتبرها يوما جزءا من عالمه الخاص. غرفة النوم أصبحت خلفية للتصوير، الحمام مكانا لصناعة المحتوى، الاستعداد للنوم مادة للنشر، الاستيقاظ من النوم محتوى، وضع مرطّب الصباح محتوى، العطر والبخور، الملابس والطعام، الرحلات، وحتى بعض اللحظات العائلية الحميمة أصبحت كلها للتصوير والعرض.
كأن الإنسان لم يعد قادرا على أن يعيش اللحظة ما لم يشاهدها الآخرون.
هنا يطرح السؤال نفسه: أين انتهت الخصوصية وأين بدأ العرض؟
لم تعد القضية مجرد حرية شخصية عندما تصبح حياة كاملة مبنية على تحويل الذات إلى منتج يحتاج باستمرار إلى جمهور. مواقع التواصل لم تخترع الرغبة في الاهتمام، لكنها حولتها إلى اقتصاد ضخم. كلما أثارت الصورة الفضول، وكلما جذبت الانتباه، وكلما دفعت الناس إلى التوقف والمشاهدة، ارتفعت قيمتها داخل المنصة. وهكذا يتعلم المستخدم تدريجيا، سواء شعر بذلك أم لم يشعر، أن المزيد من الظهور يعني المزيد من الاهتمام. ثم تبدأ الحدود في التراجع.
ما كان خاصا بالأمس يصبح عاديا اليوم، وما يبدو مبالغا فيه اليوم قد يصبح مألوفا غدا. ومع التكرار يفقد الإنسان إحساسه بحدود الخصوصية، لأن العين تعتاد ما تراه باستمرار.
لكن هناك تناقضا أشد خطورة بالنسبة للمرأة تحديدا. فقد ناضلت أجيال من النساء حتى لا تُختزل المرأة في جسدها ومظهرها، وحتى يُنظر إليها باعتبارها عقلا وكفاءة وشخصية وقدرة على الإنتاج والمشاركة في المجتمع. ثم جاءت ثقافة رقمية ضخمة لتعيد الجسد والصورة والجاذبية إلى مركز الاهتمام، ولكن هذه المرة تحت عناوين براقة مثل الحرية والثقة بالنفس والتعبير عن الذات.
إذا أصبحت قيمة المرأة الرقمية مرتبطة باستمرار ظهورها بوجهها وجسدها وجاذبيتها، فهل تجاوزنا فعلا اختزال المرأة في مظهرها، أم أننا أعدنا إنتاج الاختزال نفسه بصورة أكثر حداثة؟
الأمر لا يتعلق بالنساء وحدهن. الرجل أيضا أصبح أسيرا للصورة: يستعرض جسده، سيارته، ماله، سفره، نجاحه وساعته. يظهر أمام الملأ أحيانا حياة كاملة أكثر لمعانا من حياته الحقيقية.
المرض الحقيقي هو مجتمع الاستعراض. مجتمع يتعلم فيه الإنسان منذ سن مبكرة أن يكون ذا قيمة في مواقع التواصل، وأن يجمع المتابعين قبل أن يبني نفسه، وأن يوثق حياته قبل أن يعيشها. وهنا يصبح السؤال: من يربي هذا الجيل؟
والجواب المزعج هو أننا جميعا نشارك بدرجات مختلفة في تربيته. الأسرة عندما تعجز عن غرس معنى الخصوصية. المجتمع عندما يقيس قيمة الإنسان بمظهره. الشركات عندما تربح من إبقائه أمام الشاشة. المؤثرون عندما يحولون تفاصيل الحياة الخاصة إلى سلعة. والمتابع نفسه عندما يكافئ المحتوى الأكثر إثارة بالمشاهدة والتفاعل.
لقد أصبحنا ننتقد ما نشاهده، ثم نعود لمشاهدته، فنمنحه بالضبط الشيء الذي يحتاج إليه ليستمر.
أسئلة تطرح نفسها هي: أي نوع من البشر نصنع عندما يصبح اهتمام الغرباء ضرورة نفسية؟
ماذا يبقى للإنسان حين يعرف الناس وجهه، جسده، غرفته، طعامه، عطره، رحلاته وتفاصيل يومه، لكنهم لا يعرفون شيئا عن فكره، مبادئه، أو القضية التي يعيش من أجلها؟
الإنسان لم يوجد ليكون واجهة للعرض والطلب. المرأة ليست جسدا ينتظر التقييم. لكنها أيضا ليست مطالبة بالاختفاء حتى تكون ذات كرامة. قيمتها الحقيقية لا يصنعها مقدار ظهورها ولا مقدار اختفائها. بل ما تحمله من عقل وخلق وعلم وعمل وأثر. وكذلك الرجل. لا تصنع قيمتَه عضلاتُه ولا سيارتُه ولا مالُه ولا الصورة التي يحاول بيعها للآخرين عن نفسه.
الحرية الحقيقية ليست أن تعرض كل ما تستطيع عرضه، بل أن تكون قادرا على الاختيار وألا تصبح عبدًا لنظرة الآخرين.
والخصوصية ليست تخلفا، والحياء ليس ضعفا، وعدم نشر تفاصيل الحياة ليست دليلا على حياة ناقصة. على العكس، قد تكون هناك قوة كبيرة في أن يحتفظ الإنسان بجزء من نفسه لنفسه، وأن تكون له حياة لا يعرف عنها الآخرون شيئا. لذلك ربما ينبغي أن نعيد السؤال من البداية: ما هي قضيتنا في هذه الحياة؟
هل جئنا لنقضي سنواتنا في تحسين الصورة التي يراها الآخرون عنا، أم في تحسين الإنسان الذي نكونه عندما لا يرانا أحد؟
ففي النهاية، ستختفي الصور، وتتغير الوجوه، ويذبل الجسد، وتتبدل الموضة، ويأتي مؤثرون جدد يأخذون مكان من سبقهم. ويبقى سؤال واحد أكثر قسوة من عدد المتابعين والمشاهدات: بعد كل هذا الظهور… ماذا تركنا خلفنا يستحق أن يُذكر؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.