نُخَب "العوض على الله"

نُخَب "العوض على الله"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:43

حين تصبح عبارةٌ عابرة من التداول اليومي أكثر قدرة على توصيف الواقع من المفاهيم الأكاديمية، فإنها تكون قد تجاوزت معناها اللغوي لتتحول إلى علامة على حالة اجتماعية كاملة. و”العوض على الله” واحدة من هذه العبارات؛ فهي لا تعني هنا الاستسلام أو إعلان الهزيمة، وإنما تختصر لحظةً يتراجع فيها الانتظار من النخبة، لأن المكانة التي يفترض أن تنتج المعرفة والمسؤولية والمعنى العام أصبحت في حالات كثيرة منشغلة بإعادة إنتاج نفسها.

تبدو “نخب العوض على الله” استعارةً نقدية لحالة تنفصل فيها النخبة عن الوظيفة التي منحتها شرعية الوجود. فالنخبة ليست موقعا اجتماعيا ولا لقبا أكاديميا، ولا حضورا إعلاميا، ولا قربا من دوائر النفوذ. إنها تعني فيما تعنيه، تحويل للامتياز المعرفي أو الرمزي أو السياسي إلى مسؤولية تجاه المجال العام. وحين تنفصل المكانة عن هذه المسؤولية، يبقى الشكل وتنسحب القيمة، ويبقى الاعتراف وتتآكل الشرعية.

الأمر لا يتعلق بأفراد بعينهم، وإنما بنمط من إنتاج النخبة داخل المجتمع، من بيئة تمنح الاعتبار أحيانا للظهور أكثر مما تمنحه للإنتاج، وللعلاقة أكثر مما تمنحه للكفاءة، وللتماهي أكثر مما تمنحه للاستقلال، ولحراسة الموقع أكثر مما تمنحه للدفاع عن الحقيقة. وفي مثل هذه البيئة، لا تحتاج النخبة إلى أن تتخلى عن خطابها؛ يكفي أن يتحول الخطاب إلى وسيلة لحماية الموقع، حتى يصبح الرأسمال الثقافي والرمزي جزءاً من آلية إعادة إنتاج الامتياز.

في هذا السياق، تكتسب سوسيولوجيا بيير بورديو قوتها التفسيرية. فالنخبة تتحرك داخل حقول تتنافس فيها أشكال مختلفة من الرأسمال، ولا تكمن المشكلة في امتلاك الرأسمال الثقافي أو الرمزي، وإنما في تحوله من وسيلة لإنتاج القيمة العامة إلى أداة لإدامة المكانة. ووفق ذلك يصبح المثقف حارسا رمزيا لصورة المثقف، والأكاديمي حارسا لموقع الأكاديمي، والسياسي حارسا لموقع السياسي، والإعلامي حارسا لحضوره؛ أي أن المكانة تبدأ في استهلاك الوظيفة التي كان يفترض أن تبررها. وهذا هو الانقلاب الهادئ الذي يصيب النخبة، أن تتحول من قوة تنتج المعنى إلى قوة تنتج صورتها عن نفسها.

في تصور غرامشي، ترتبط قيمة المثقف بعلاقته الحية بالمجتمع وبقدرته على المشاركة في بناء الوعي. أما حين تنفصل المعرفة عن محيطها الاجتماعي، وتتحول إلى امتياز مغلق، فإنها تفقد جزءاً من وظيفتها التاريخية. فالمعرفة التي لا تصل إلى المجتمع، ولا تساعده على فهم تناقضاته، ولا تمنحه قدرة على النقد، تتحول إلى رأسمال خاص؛ ومع الزمن يصبح صاحبها أكثر اهتماما بحماية موقعه من اهتمامه بإنتاج المعرفة.

إن استيعاب هذه العلامة الاستعارية يصبح أحد أكثر آليات إفراغ النخبة من قوتها النقدية. فالسلطة لا تحتاج دائما إلى مواجهة النخبة؛ قد يكفي أن تفتح أمامها أبواب الامتياز، وأن تمنحها مواقع الاعتراف، وأن تجعل كلفة الاستقلال أعلى من مردود التبعية. عندئذ لا يُمنع الكلام، وإنما يُعاد تشكيل شروطه؛ ولا تُغلق المنابر، وإنما تتغير وظيفة المتكلمين فوقها.

وهذه هي المنطقة التي تساعدنا فيها قراءة ميشيل فوكو لعلاقة المعرفة بالسلطة: فالسلطة لا تعمل فقط بالقانون والمنع، وإنما تعمل أيضا عبر إنتاج المعايير والخطابات وتحديد ما يمكن أن يظهر باعتباره معرفة مشروعة. وحين تدخل النخبة في هذه الدورة، قد تتحول من منتجة للنقد إلى جزء من النظام الذي يحدد مسبقاً حدود النقد الممكن.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود نخب مرتبطة بالمؤسسات أو السلطة؛ فالعمل داخل المؤسسات ليس في ذاته دليلا على التبعية، كما أن المعارضة لا تمنح صاحبها تلقائيا قيمة أخلاقية أو معرفية. المعيار الحاسم هو استقلال الوظيفة عن مصلحة الموقع. فحين يستطيع صاحب المكانة أن يحتفظ بمسافة نقدية تسمح له برؤية الخلل حتى عندما يمس امتيازاته، تظل للنخبة وظيفتها. وحين يصبح الحفاظ على الامتياز شرطاً للصمت، تبدأ الوظيفة في الانهيار.

هكذا ربما، يمكن فهم البعد العمومي عند حنة أرندت، التي تذهب إلى أن المجال العام لا يعيش بالخطابات وحدها، وإنما بالفعل والكلام والمسؤولية. وعندما يفقد الفاعل العام قدرته على تحمل نتائج كلامه، يتحول حضوره إلى مجرد ظهور، ويتحول المجال العمومي إلى مسرح تتجاور فيه الأسماء أكثر مما تتجاور فيه الأفكار.

إن دلالة “العوض على الله”.، وفق طرحنا السابق، لا تصف فشل شخص، وإنما تصف تآكل الثقة في الوظيفة. فالمواطن لا ينتظر من النخبة أن تكون معصومة من الخطأ؛ ينتظر منها أن تكون قادرة على إنتاج المعنى حين يضطرب الواقع، وأن تجعل المعرفة أداةً للفهم لا وسيلةً للتمايز، وأن تجعل الموقع مسؤولية لا حصانة، وأن تظل قادرة على قول ما يقتضيه الموقف حتى حين لا يخدم ذلك صورتها أو مصالحها. وحين تتعطل هذه الوظيفة، تبدأ الأزمة في الانتقال من النخبة إلى المجتمع نفسه.

فشل الخبير لا يجعل الناس يشكون في الخبير وحده، وإنما قد يدفعهم إلى الشك في الخبرة. وفقدان المثقف لاستقلاله لا يضر بصورته الشخصية فقط، وإنما يضعف الثقة في الثقافة. وتحول السياسة إلى تدبير للمواقع يخلق شكوكا في قيمة الفعل السياسي نفسه. وتراجع استقلال الإعلام لا يضعف مؤسسة بعينها فقط، وإنما يربك علاقة المجتمع بالحقيقة.

وبالتالي، فإن أزمة النخبة هي أزمة معايير للتمييز. وفي المجتمع الرقمي تتعقد المسألة أكثر، لأن سلطة الاعتراف لم تعد حكرا على المؤسسات التقليدية. الخوارزمية تستطيع أن تمنح الظهور، والمنصة تستطيع أن تصنع شهرة، والتكرار يستطيع أن ينتج وهما بالمرجعية. يصبح عدد المتابعين قابلا لأن يحل محل القيمة، ويصبح الحضور المتكرر قابلا لأن يُفهم باعتباره معرفة، ويتحول الرأي المتداول إلى سلطة رمزية بمجرد اتساع نطاق تداوله.

وفي هذه البيئة، لم تعد النخبة مطالبة فقط بمقاومة إغراء السلطة التقليدية؛ إنها مطالبة أيضا بمقاومة اقتصاد الظهور الذي يجعل الاعتراف قابلا للشراء الرمزي عبر الاستعراض والتكرار والتداول. ولهذا فإن “نخب العوض على الله” لا تعني النخبة الفاشلة بالمعنى المباشر، وإنما النخبة التي تستمر في امتلاك علامات المكانة بعد أن تفقد شروط استحقاقها الوظيفي. فقد تكون حاضرة في الجامعة، والإعلام، والسياسة، والثقافة، والمؤسسات، لكنها لم تعد تنتج بالضرورة ما ينتظره المجتمع من هذه المواقع. إنها مفارقة المكانة حين تنفصل عن القيمة.

النتيجة أن النقد الحقيقي للنخب يصبح مختلفا عن الهجوم عليها.حيث إن النقد لا يطلب إسقاط الأشخاص، وإنما استعادة المعيار الذي يجعل المكانة قابلة للتبرير. لا قيمة لنخبة لا تستطيع تحويل امتيازها إلى منفعة عامة، ولا معنى لمعرفة لا توسع قدرة المجتمع على الفهم، ولا شرعية رمزية لموقع لا يتحمل صاحبه كلفة المسؤولية. لهذا فإن النخبة، في معناها الأكثر صرامة، ليست الأكثر شهرة ولا الأكثر قربا ولا الأكثر ظهورا؛ إنها الأكثر قدرة على تحويل موقعها إلى وظيفة عامة.

وإذا كانت عبارة “العوض على الله” قد أصبحت تلخص شيئا من المزاج الاجتماعي تجاه بعض النخب، فإن دلالتها الأعمق تكمن في مكان آخر، إنها تعكس لحظة يصبح فيها المجتمع أقل استعدادا لمنح الثقة لمجرد امتلاك الشهادة أو المنصب أو الشهرة أو العلاقة. لقد أصبح الامتياز مطالبا بتقديم دليله باستمرار، وأصبحت المكانة مطالبة بأن تبرر نفسها بالإنجاز والمسؤولية والاستقلال.

وهذا هو جوهر المسألة كلها، فالنخبة لا تفقد شرعيتها حين تخطئ؛ تفقدها حين يصبح موقعها أهم من وظيفتها، وصورتها أهم من أثرها، وامتيازها أقوى من مسؤوليتها. عندها لا يعود “العوض على الله” تعبيرا عن فقدان الأمل في أشخاص، وإنما يصبح اسماً للحظة تاريخية تتآكل فيها الثقة في أولئك الذين كان يفترض أن يكونوا وسطاء المعرفة والوعي والنقد. والمفارقة أن النخبة قد تبقى في أماكنها طويلا بعد أن تغادرها وظيفتها.

وكما قيل: تظل الأسماء وتبقى الألقاب وتستمر المنابر وتتعدد المواقع؛ لكن الشيء الذي كان يمنح كل ذلك معناه يكون قد غادر بصمت، فيغدو “العوض على الله” وصفا دقيقا لأزمة النخبة، حين تبقى المكانة حية، بينما تموت الوظيفة التي كانت تمنحها شرعيتها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 5

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 5

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29 1

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"