"الموت الرحيم" بين الدين والرحمة المزعومة .. جدل فقهي وحقوقي لا ينتهي

"الموت الرحيم" بين الدين والرحمة المزعومة .. جدل فقهي وحقوقي لا ينتهي
صورة: أرشيف
الإثنين 14 أبريل 2025 - 10:00

حين تتقاطع مشاعر الرحمة مع اعتبارات القانون، وتتمازج أسئلة الوجدان بحدود الممارسة الطبية، يبرز نقاش الموت الرحيم واحدا من المواضيع الشائكة.

ويثير “الموت الرحيم” سجالا بين من يراه حقا إنسانيا في وضع حد لمعاناة لا تحتمل، ومن يعتبره مساسا بقدسية الحياة، ليبقى النقاش حول شرعية هذا الموت مفتوحا محملا بأسئلة مؤرقة حول حدود المسؤولية الطبية وكرامة الإنسان وحقه في تقرير مصيره.

القتل و”الرحمة المزعومة”

الدكتور محسن اليرماني، باحث في الفكر والعقيدة ومقارنة الأديان، قال إن الإنسان في المنظور الديني مخلوق مكرّم اصطفاه الله تعالى وفضّله على سائر المخلوقات، حين جعله خليفة في الأرض، كما جاء في قوله تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”.

وأوضح اليرماني، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “هذه الخلافة لا تُؤتى ثمارها إلا من خلال حفظ النفس وإحيائها، والابتعاد عن كل ما من شأنه تعريضها للهلاك، لأن في ذلك تعطيلا لأمانة الاستخلاف التي لا تُبنى إلا بالحفاظ على الحياة وإعمار الأرض بما ينفع الخلق ويرضي الخالق”.

وأضاف المتحدث ذاته أن “القرآن الكريم يعرف العديد من الآيات التي تفيد بمجموعها تحريم قتل النفس والاعتداء عليها بغير حق”، مؤكداً أن “الإسلام يحرم القتل العمد ويعده من الموبقات السبع التي تهلك صاحبها، كما يحرم قتل الأطفال والانتحار”، ومشددا على أن “النفس التي أودعها الله في الإنسان ليست ملكا له، بخلاف ما تروج له بعض التصورات والفلسفات الوضعية، بل هي أمانة من الله أوكل إلى الإنسان مسؤولية تعهدها وحفظها وصونها من كل أذى أو تهلكة”.

أورد الباحث في الفكر والعقيدة ومقارنة الأديان أن ما يسمى اليوم “الموت الرحيم” هو “القتل”، وزاد: “القتل والرحمة لا يجتمعان أبدا. ويبدو أن مؤيدي هذا النوع من القتل استبدلوا مصطلح القتل بالموت، والفرق بينهما واضح، فالقتل انتهاك لحق الإنسان في الحياة، الذي يعد من أسمى الحقوق التي نصت كل الشرائع والأديان على حفظها”.

ولفت المتحدث ذاته إلى أنه “في الإسلام تُنزل الوسائل منزلة المقاصد، فتحكم الوسيلة بحكم الهدف المتوخى منها؛ ولذلك فإن المقاصد النبيلة، كمقصد الرحمة، لا يصح التوسل إليها بالقتل وسيلة”، مبرزا أنه “من هذا المنطلق لا يجوز للإنسان أن يعجل بموته بقتل نفسه طلبا للرحمة، إذ يقول تعالى: ‘ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما’، ويؤكد سبحانه في آية أخرى ‘ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون'”.

وختم الدكتور محسن اليرماني تصريحه قائلاً: “ولا ينبغي للإنسان أن يتسوّل الرحمة بطلبه من طبيب أو غيره أن يضع حداً لحياته، كما لا يحق لأي أحد، مهما كانت درجة قرابته، أن يسمح أو يأذن بإنهاء حياة نفس لم يحن أجلها بعد، ولم يكتب الله تعالى وفاتها؛ حتى وإن كانت النوايا حسنة، وكان الدافع هو الشفقة أو الرأفة، فإن ذلك يظل قتلا محرّما لا تبرره العواطف ولا تبيحه الرحمة المزعومة”.

نحو حوكمة أخلاقية

عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، قال إنه “من منظور احترام كرامة الإنسان وصون حقوقه الأساسية ينبغي التعامل مع القضايا المرتبطة بالبحوث البيوطبية، مثل التبرع بالأعضاء أو الموت الرحيم أو الاتجار بالأعضاء البشرية، في إطار المرجعيات الحقوقية الكونية، كما تقرها الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، والدستور المغربي، وكذا القوانين ذات الصلة المعمول بها في هذا المجال”.

وأضاف عبد الإله الخضري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “ما سبق أن أكدته رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن ضرورة إحداث لجنة وطنية مستقلة متعددة التخصصات لتقييم القضايا المرتبطة بالبحوث البيوطبية يندرج ضمن تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية، باعتبارها خطوة أساسية نحو إرساء حوكمة أخلاقية تقوم على أسس حماية حقوق الإنسان وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة في تدبير التحديات المستجدة في هذا المجال الحساس”.

وأورد المتحدث ذاته أن “هذه القضايا لا تقتصر فقط على بعدها الطبي أو التقني، بل تمس بشكل مباشر مبادئ قيمية وكونية في آن واحد، من قبيل الحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية والمعنوية، وحرية الفرد في اتخاذ قراراته المتعلقة بجسده دون إكراه أو استغلال”.

وأكد رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان أن “مراجعة الإطار التشريعي الحالي وفتح نقاش عمومي موسع لم يعدا مجرد ترف، بل أصبحا ضرورة ملحة تفرضها سرعة التحولات العلمية والاجتماعية”، لافتا إلى أن “هذه المراجعة تستوجب إشراك مختلف الفاعلين، من بينهم المجلس العلمي الأعلى، والمجتمع المدني، والهيئات الطبية وعلماء الاجتماع، بالإضافة إلى رجال القانون والاقتصاد والإعلام”.

وأضاف الخضري أن “احترام أخلاقيات البيولوجيا، بما في ذلك مبادئ الإنصاف، والاستقلالية، وعدم الإضرار، والعدالة الاجتماعية، لا بد أن يمر حتما من خلال تمكين المواطن من الوصول إلى المعلومة الدقيقة، وتعزيز وعيه وحمايته من كل أشكال الاستغلال أو التمييز”، مشددا على أن “هذا الأمر يكتسي أهمية خاصة في المواضيع ذات الحساسية، مثل التبرع بالأعضاء أو الموت الرحيم، مع مراعاة قيمه الاجتماعية والدينية التي يؤمن بها”.

وختم المتحدث إفادته بالتأكيد على أن “أي إصلاح تشريعي أو مؤسساتي في هذا المجال يجب أن يُبنى على قاعدة حقوقية صلبة، تحترم الكرامة الإنسانية وتؤسس لمجتمع أكثر عدلا وتضامنا”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • حميد الصحراوي
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 10:27

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
    ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
    ربنا انك عفو تحب العفو فاعف عنا يارب العالمين

  • الطنز البنفسجي
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 11:09

    اول من بدأ هذا الامر هو الامريكان..
    ولاية ميسوري الشابة نانسي التي تعرضت لحادث سير أدخلها في غيبوبة طلب أهلها بسببها الموت الرحيم.

  • mohasimo
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 11:11

    و لماذا لا نعتبر أن معانات الإنسان و صبره على مرضه سيكون لها ثمن إيجابي عند الله بعد الموت ذون اللجوء إلى هذا الشيء الذي يسمى بالموت الرحيم. فنرى مثلا قصة سيدنا أيوب عليه السلام و معاناته مع مرضه مدة تزيد عن 18 سنة. فأين نحن من سيدنا أيوب عليه السلام؟. بالنسبة لي أنه ما بات يسمى بالموت الرحيم فهو قتل و لو كان بإذن المريض و عائلته.

  • خديجة.
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 11:27

    لا حول ولا قوة الا بالله الله سبحانه وتعالى ارحم. بالعباد وما يسمى بالموت الرحيم جريمة في حق الانسانية

  • الحسين
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 11:32

    من يدعي الموت الرحيم لايؤمن بما كتبه الله لنا كم من واحد عانى من مرارة المرض حتى بعض الأطباء سامحهم الله طلبو من أهله غير اديوه الى منزله لأنه ليس له دواء بإذن الله ما زال لحد الان على قيد الحياة خلاصة الذي يؤمن بموت الرحمة يعني لا يؤمن بقدر الله خيره وشره شكرا هذه وجهة نظري المتواضعة

  • خريبگي
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 12:06

    ما دام الانسان المؤمن في فراش الموت يعاني من الم المرض والله يغفر ذنوبه….ثم ان الاعمار بيد الله والرحمة بالعباد تأتي من عند الله. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر…تلك حدود الله فلا تقربوها…..

  • يوسف
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 13:20

    البعض يتكلم و لا نعرف هل هو مسلم يأمن بالله و بالآخرة أولا نحن نأخذ احكام ديننا من القرآن و السنة و نعلم أن قتل النفس حرام إذا سؤال لك هل تعتقد أن هاد القتل سينجيك من عذاب بعد الموت؟!! لا تغرك الدنيا و زخرفها ستحاسب على كلامك و تندم حين لا ينفع الندم

  • بشير
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 16:28

    أنا مع الموت الرحيم لإنهاء المعاناة .الدين و العلم خطان لا يلتقيان إلا لماما.و الدين مسألة شخصية بين الإنسان و ربه يجب ان يفصل عن الدولة لأن أمور الناس متغيرة والدين ثابت والثابت لا يقاس عليه.

  • #€€#
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 16:59

    مكينش شي حاجة اسمها الموت الرحيم في دين ومكينش جدل ديني فهاد شي كين جريمة يرتكبها كل من وافق علي قتل كلب ولو من باب شفقة

  • فاسي
    الإثنين 14 أبريل 2025 - 18:56

    للمزيد من التوضيح حول القتل الرحيم أو الأوتانزيا تراجع رسالة الأستاذة رجاء ناجي مكاوي سفيرة المغرب بالفاتيكان التي ناقشتها بكلية الحقوق أكدال بالرباط لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص.

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 3

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 28

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء

صوت وصورة
ملتقى أولماس
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 19:04

ملتقى أولماس

صوت وصورة
أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 18:44

أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير